تطورات اقليمية

حرب إعادة تشكيل الشرق الأوسط..

الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران بين الضربة الاستباقية ومشروع تغيير النظام

الهجوم الذي بدأته إسرائيل تحت مسمى “هدير الأسد” ثم تأكد انخراط الولايات المتحدة فيه لم يكن تطورًا مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة مسار تصاعدي طويل

القاهرة

في تطور عسكري غير مسبوق، أطلقت إسرائيل عملية واسعة النطاق ضد إيران تحت مسمى “هدير الأسد”، بمشاركة أميركية مباشرة، مستهدفةً قيادات عسكرية وسياسية ومنشآت صاروخية ونووية داخل الأراضي الإيرانية. الضربات التي بدأت صباح السبت في طهران امتدت تداعياتها سريعًا إلى الإقليم، مع إعلان الحرس الثوري إطلاق موجة صواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل، وارتفاع مستوى الإنذار في دول خليجية شملت البحرين وقطر، وسط إغلاق مجالات جوية وتحذيرات من اتساع رقعة المواجهة. التصعيد المتسارع يضع المنطقة أمام أخطر اختبار أمني منذ سنوات، في ظل مؤشرات على أن العملية قد لا تكون ضربة محدودة، بل بداية مرحلة صراع مفتوح تتجاوز حدوده الجغرافيا الإيرانية.

الهجوم الذي بدأته إسرائيل تحت مسمى “هدير الأسد” ثم تأكد انخراط الولايات المتحدة فيه لم يكن تطورًا مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة مسار تصاعدي طويل. تسريبات بأن موعد الضربة حُدد منذ أسابيع، وأن التخطيط مشترك منذ شهور، تعني أن ما حدث ليس رد فعل لحظة، بل قرار استراتيجي اتُخذ بعد تقدير أن الوقت يعمل لصالح إيران، سواء في برنامجها النووي أو في تطوير صواريخها بعيدة المدى.

الموجة الأولى لم تستهدف مواقع عسكرية هامشية، بل ركزت على القيادات، المجمع الرئاسي، وزارة الاستخبارات، ومنشآت مرتبطة بالصواريخ والبرنامج النووي. اختيار الساعة الثامنة صباحًا بتوقيت طهران – في وضح النهار – يحمل رسالة نفسية بقدر ما هو عسكرية: لا حصانة للقيادة، ولا قدرة على الاختباء خلف عنصر المفاجأة. وفق مصادر إسرائيلية، كان الهدف إصابة أكبر عدد ممكن من كبار المسؤولين في الضربة الأولى، لأن أي تأخير كان سيمنحهم فرصة للاختفاء. هذا منطق “القطع الرأسي” الذي يُستخدم في الحروب المصممة لإرباك منظومة القرار.

الخطاب السياسي المواكب للضربة يكشف طبيعة الهدف. الرئيس الأميركي لم يتحدث فقط عن منع السلاح النووي، بل دعا الشعب الإيراني إلى “تولي حكومته” وأكد أن هذه لحظة قد لا تتكرر. رئيس الوزراء الإسرائيلي استخدم لغة مشابهة. عندما تترافق العمليات العسكرية مع خطاب مباشر موجه لشعب الدولة المستهدفة، فنحن أمام محاولة ضغط نفسي وسياسي لتفكيك الشرعية الداخلية للنظام، لا مجرد إضعاف قدراته العسكرية.

لكن الحسابات لا تُبنى على الخطاب وحده. إيران ليست دولة منهارة أو معزولة بالكامل. لديها شبكة إقليمية من الحلفاء، منظومة صاروخية واسعة، وقدرة على تعطيل الملاحة والطاقة. الرد الأولي بإطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه إسرائيل، مع إطلاق صافرات الإنذار في البحرين وإعلان قطر إسقاط صاروخ، يؤكد أن الرد لن يكون محصورًا جغرافيًا. دخول الخليج إلى دائرة الإنذار يعني أن القواعد الأميركية في المنطقة أصبحت ضمن بنك الأهداف المحتمل، حتى لو لم يُعلن ذلك رسميًا بعد.

التحول الأخطر ليس في عدد الصواريخ، بل في الجغرافيا. عندما يُغلق المجال الجوي الإماراتي وتُسمع انفجارات في المنامة، فالمعادلة تتغير. الخليج ينظر إلى التطورات بعدسة مزدوجة، كما أشارت الباحثة ابتسام الكتبي: أمنية واقتصادية. أمن الطاقة والممرات البحرية هو خط أحمر حقيقي. أي مساس بمضيق هرمز أو بمنشآت نفطية سيحوّل الصراع من مواجهة عسكرية إلى أزمة اقتصادية عالمية.

من جهة أخرى، المشهد داخل واشنطن ليس متماسكًا بالكامل. تصريحات بعض أعضاء الكونغرس بأنهم لم يتلقوا إحاطات استخباراتية كافية تشير إلى أن القرار اتخذ في دائرة تنفيذية ضيقة. هذا يخلق تحديًا داخليًا إذا طال أمد الحرب أو ارتفعت كلفتها البشرية والاقتصادية. التجارب السابقة في الشرق الأوسط تُظهر أن الحروب التي تبدأ بضربة جراحية قد تتحول إلى استنزاف طويل إذا لم تُحدد أهدافها بدقة.

الرهان الأميركي-الإسرائيلي يبدو قائمًا على فرضية أن ضرب القيادة والبنية الصاروخية والنووية معًا سيخلق صدمة داخلية كافية لإضعاف النظام وربما دفعه إلى الانهيار أو التفاوض من موقع ضعف. لكن التاريخ الإيراني، منذ الحرب العراقية-الإيرانية وحتى العقوبات الطويلة، يُظهر قدرة على امتصاص الضربات وتحويلها إلى سردية تعبئة وطنية.

السؤال المحوري الآن ليس من بدأ الضربة، بل من يستطيع ضبط سقفها. إذا اكتفت إيران بردود محسوبة تحافظ على ماء الوجه دون استهداف مباشر للقواعد الأميركية في الخليج، فقد تبقى المواجهة ضمن إطار “حرب الأيام”. أما إذا توسعت الضربات لتشمل منشآت نفطية أو قواعد عسكرية أميركية، فإننا سنكون أمام حرب إقليمية شاملة يصعب احتواؤها.

هناك أيضًا البعد الرمزي الذي أشار إليه بعض المعلقين الإسرائيليين بربط توقيت الضربة بسياق ديني. توظيف الرمزية الدينية في لحظة عسكرية كبرى يعزز سردية “المعركة الوجودية”، ما يصعّب التراجع لاحقًا دون إنجاز ملموس.

في العمق، ما يجري هو صراع على شكل النظام الإقليمي. إسرائيل ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا استراتيجيًا وجوديًا. الولايات المتحدة ترى في الصواريخ الإيرانية وشبكة وكلائها خطرًا على قواتها وحلفائها. إيران ترى في نفسها محور مقاومة يحاصرها تحالف يسعى إلى خنقها. هذه ثلاث روايات متصادمة في مساحة جغرافية واحدة.

الخليج يقف الآن على صفيح ساخن، ليس لأنه طرف مباشر في القرار، بل لأنه الجغرافيا التي تمر عبرها الطاقة والقواعد والطرق البحرية. أي خطأ في الحساب، أي صاروخ يخطئ هدفه، أي منشأة تُصاب عرضًا، قد يفتح أبواب تصعيد لا يمكن إغلاقها بسهولة.

المرحلة الحالية ليست لحظة حسم، بل لحظة اختبار. اختبار لقدرة إيران على الرد دون الانزلاق، لقدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تحقيق أهدافهما دون التورط في حرب طويلة، ولقدرة دول الخليج على حماية أمنها الاقتصادي وسط عاصفة عسكرية تتشكل حولها.

في مثل هذه اللحظات، لا تُقاس القوة بعدد الصواريخ فقط، بل بقدرة الأطراف على قراءة حدود القوة لدى الآخر. إذا غابت هذه القراءة، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة إعادة تشكيل قسرية، تدفع ثمنها ليس فقط الدول المتحاربة، بل النظام الإقليمي بأكمله.

خطاب "دونالد ترامب" يتجاوز الردع إلى أفق تغيير النظام والأقمار الصناعية تظهر دماراً بمجمع خامنئي


المعارضة الإيرانية تحضر لإعلان حكومة مؤقتة وواشنطن وتل أبيب تختلفان علناً بشأن هدف تغيير النظام


دبي تؤكد استمرار الأعمال وأوروبا تدعو رعاياها للاحتماء


تقرير: إعلان حكومة مؤقتة إيرانية يفتح سؤال ما بعد الضربات العسكرية