تطورات اقليمية
الضربة تتوسع… والإمارات تثبّت أولوياتها..
تقرير: من استهداف القيادات في طهران إلى ضرب القواعد في الخليج.. لحظة اختبار إقليمي شامل
إمارة دبي - الصورة عن صحيفة الاتحاد الإماراتية
التطورات الأخيرة تكشف انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر خطورة وتعقيدًا. مصادر إسرائيلية تحدثت عن أن الضربات صباح السبت استهدفت شخصيات إيرانية رفيعة، من بينها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ورئيس الأركان، والرئيس الإيراني، وأمناء مجالس أمنية عليا. استهداف هذا المستوى من القيادة يعني أن العملية لم تعد موجهة ضد بنية عسكرية فقط، بل ضد رأس القرار السياسي والعسكري في إيران.
في المقابل، سارع مكتب قائد الجيش الإيراني إلى التأكيد أن رئيس الأركان بخير ويواصل مهامه، بينما أعلن الحرس الثوري أن جميع القواعد الإسرائيلية والأميركية في المنطقة تعرضت لضربات صاروخية قوية. هذا التبادل في الرسائل يوضح أن الطرفين يسعيان إلى تثبيت صورة الصمود والقدرة على الاستمرار، لأن المعركة الآن ليست عسكرية فقط، بل نفسية واستراتيجية.
الأخطر أن وزير الخارجية الإيراني أبلغ نظيره العراقي رسميًا أن إيران ستستهدف القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، مع التأكيد أنها لا تستهدف الدول ذاتها بل المواقع العسكرية فقط. هذه الصياغة تعكس محاولة إيرانية لفصل “الهدف العسكري” عن “السيادة الوطنية”، لكنها عمليًا لا تمنع دخول أراضي دول الخليج والعراق في قلب الاشتباك.
في هذا السياق، برز الموقف الإماراتي واضحًا ومباشرًا. المستشار الدبلوماسي أنور قرقاش أكد أن الإمارات بذلت جهودًا كبيرة لتفادي الحرب، ونبّهت إلى مخاطرها، مشددًا على أن الأولوية هي أمن الإمارات واستقرارها وسلامة كل من يقيم على أرضها. هذه الرسالة لا تحمل فقط بعدًا داخليًا، بل تعكس تمسكًا بمنطق الدولة: حماية السيادة أولًا، وعدم الانجرار إلى خطاب تصعيدي غير محسوب.
الطرح الذي قدمته الباحثة ابتسام الكتبي يضع المسألة في إطار أعمق. استهداف القواعد الأميركية في الخليج، وفق تحليلها، ينقل ساحة الصراع إلى المجال الإقليمي المباشر ويضع دول الخليج في قلب المعادلة الأمنية، حتى لو لم تكن طرفًا في القرار العسكري. المسألة هنا ليست ردًا عسكريًا محدودًا، بل اختبار لتماسك التحالفات، ورفع للكلفة السياسية على واشنطن في نقاط انتشارها، وامتحان لقدرة المنطقة على منع الانزلاق.
هذا التوصيف يعكس جوهر اللحظة: القواعد الأميركية ليست منشآت عادية، بل رمز لحضور استراتيجي طويل الأمد. ضربها يفتح الباب أمام احتمال رد أميركي أوسع، خصوصًا إذا وقعت خسائر بشرية كبيرة. وهنا تبدأ مرحلة “التدحرج”، حيث يصبح كل رد مبررًا بالرد السابق.
في الوقت ذاته، يبرز البعد الاقتصادي سريعًا. أي تهديد مباشر للبنية الأمنية في الخليج ينعكس فورًا على أسواق الطاقة، والتأمين البحري، وثقة المستثمرين. حتى لو كانت الضربات محدودة من حيث الأثر المادي، فإن الرسالة للأسواق واضحة: المنطقة دخلت مرحلة اختبار حقيقي.
تصريحات الباحث في العلوم السياسية د. عبدالخالق عبدالله بأن الإمارات “حصن حصين” وتعرف كيف تتعامل مع الأزمات، تعكس خطاب ثقة داخليًا يهدف إلى تثبيت الاستقرار المجتمعي. هذه الرسائل مهمة في أوقات الأزمات، لأن الجبهة الداخلية عنصر أساسي في معادلة الردع.
الصورة الآن مركبة. إسرائيل تستهدف القيادات العليا في إيران، إيران توسّع الرد نحو القواعد الأميركية، العواصم الخليجية تؤكد جاهزيتها، والتحليلات الاستراتيجية تتحدث عن اختبار شامل لمنظومة الأمن الإقليمي. في مثل هذه اللحظات، لا يكون التحدي في إطلاق الصاروخ، بل في معرفة متى يجب التوقف.
المسار سيتحدد وفق ثلاثة عوامل: حجم الخسائر، طبيعة الرد الأميركي المقبل، وما إذا كانت قنوات الاحتواء لا تزال تعمل خلف الكواليس. لأن المنطقة، بكل ثقلها الاقتصادي والجيوسياسي، لا تحتمل حربًا شاملة طويلة.
ما يجري ليس مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل لحظة إعادة تشكيل لحدود الردع في الشرق الأوسط. وبين الضربة والضربة، يبقى السؤال الأكبر: هل ما زال هناك هامش لاحتواء النار قبل أن تمتد إلى ما هو أبعد من القدرة على السيطرة؟