تطورات اقليمية
المعارضة تتحرك… وملف “اليوم التالي” يطفو على السطح..
تقرير: إعلان حكومة مؤقتة إيرانية يفتح سؤال ما بعد الضربات العسكرية
ليندا تشافيز مديرة العلاقات العامة السابقة في البيت الأبيض - اليوم الثامن
في تطور لافت يتجاوز البعد العسكري، حصلت مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات على نسخة من بيان صادر عن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية يعلن فيه تشكيل حكومة مؤقتة بهدف “نقل السيادة إلى الشعب الإيراني وإقامة جمهورية ديمقراطية” وفق برنامج النقاط العشر الذي طرحته السيدة مريم رجوي.
توقيت الإعلان ليس تفصيلاً عابرًا. فهو يأتي في ذروة الضربات الأميركية-الإسرائيلية التي استهدفت قيادات ومؤسسات عليا في إيران، وفي ظل تصاعد الهجمات الصاروخية المتبادلة واتساع رقعة الاشتباك إلى الخليج. هذا التزامن يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام محاولة استثمار لحظة الارتباك العسكري لطرح بديل سياسي جاهز، أم أن هناك تصورًا دوليًا غير معلن لمرحلة “اليوم التالي”؟
البيان المعلن يتبنى برنامجًا سياسيًا واضح المعالم يقوم على إسقاط نظام ولاية الفقيه، إقامة جمهورية تعددية، ضمان الحريات العامة، تفكيك الحرس الثوري وأجهزة الأمن، الفصل بين الدين والدولة، المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، استقلال القضاء، حكم ذاتي للقوميات، اقتصاد سوق عادل، وإيران غير نووية مندمجة إقليميًا ودوليًا.
هذه النقاط لا تمثل مجرد بيان معارض تقليدي، بل مشروع إعادة تأسيس شامل للدولة الإيرانية. التركيز على تفكيك الحرس الثوري وقوة القدس وأجهزة الاستخبارات يشير إلى إدراك بأن بنية النظام الأمنية هي عموده الفقري. كما أن النص الصريح على “إلغاء عقوبة الإعدام” و”حظر التعذيب” يعكس محاولة استقطاب الرأي العام الدولي وتقديم خطاب متوافق مع معايير حقوق الإنسان الغربية.
غير أن الإعلان يفتح معادلة معقدة. أولاً، مدى النفوذ الفعلي للمجلس الوطني للمقاومة داخل إيران يبقى موضع جدل، خصوصًا في ظل القبضة الأمنية للنظام. ثانيًا، أي فراغ في السلطة في دولة بحجم إيران قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية أو انقسامات مؤسسية إذا لم يكن الانتقال منظمًا.
من زاوية استراتيجية، ظهور مشروع “الحكومة المؤقتة” في هذا التوقيت يضيف طبقة سياسية للحرب. فالمواجهة لم تعد فقط حول البرنامج النووي أو الصواريخ، بل حول شكل النظام نفسه. هذا يتقاطع مع الخطاب الأميركي والإسرائيلي الذي لمح إلى تغيير النظام، وإن لم يعلن خطة واضحة لذلك.
في المقابل، النظام الإيراني سيستثمر هذا الإعلان لتأكيد روايته بأن ما يجري هو “عدوان خارجي” مدعوم من معارضة مرتبطة بالخارج. وهنا تتحول المعركة إلى صراع على الشرعية: شرعية الدولة القائمة في مواجهة شرعية بديل يعلن نفسه ممثلاً للشعب.
إقليميًا، دول الخليج ستتعامل بحذر شديد مع أي سيناريو لتغيير النظام في إيران. فبينما قد يرحب بعضها بإيران غير نووية وأقل عدائية، فإن تجربة التحولات غير المستقرة في المنطقة تجعل أي انتقال غير منضبط مصدر قلق أمني كبير، خصوصًا لدولة مركزية بحجم إيران وتأثيرها.
البرنامج المعلن يطرح رؤية متكاملة لدولة مدنية تعددية، لكنه يظل حتى الآن إطارًا سياسيًا يحتاج إلى آليات تنفيذ وقبول داخلي واسع. السؤال الذي سيطرح بقوة في الأيام المقبلة: هل الضربات العسكرية تفتح بالفعل مسارًا لانتقال سياسي، أم أنها ستعزز تماسك النظام تحت ضغط خارجي؟
اللحظة الراهنة لم تعد فقط لحظة حرب صواريخ، بل لحظة تنازع على مستقبل إيران. بين نظام يتعرض لضربات غير مسبوقة، ومعارضة تعلن نفسها بديلًا، وقوى إقليمية تخشى الانزلاق إلى فوضى، يقف المشهد الإيراني أمام مفترق طرق تاريخي.
المعادلة باتت واضحة: المعركة لم تعد على حدود الردع فقط، بل على تعريف الدولة ذاتها. وفي مثل هذه اللحظات، لا تحسمها البيانات وحدها ولا الضربات وحدها، بل قدرة أي مشروع على تحويل اللحظة العسكرية إلى واقع سياسي قابل للحياة.
من جانب أخر صرحت ليندا تشافيز، مديرة العلاقات العامة السابقة في البيت الأبيض، أن الظروف الراهنة في إيران تشير إلى مرحلة حاسمة من تاريخ البلاد، مؤكدة أن البديل الديمقراطي بات جاهزاً لقيادة المرحلة الانتقالية.
وقالت تشافيز لـ"اليوم الثامن": "بعد 15 عاماً من مشاركتي المستمرة في برامج المقاومة الإيرانية، أستطيع القول إن هذا العام مختلف تماماً عن سابقيه؛ فنحن اليوم لا نتحدث عما إذا كان النظام سيسقط أم لا، لأننا نعلم يقيناً أن التغيير قادم لا محالة، والسؤال الوحيد المتبقي هو متى وكيف سيتحقق ذلك".
وأضافت: "لقد شهدت إيران دورات متتالية من الانتفاضات، بدءاً من عام 2009، مروراً بانتفاضة عام 2019، وصولاً إلى انتفاضة عام 2022 التي اندلعت بعد مقتل شابة بريئة. واليوم، نرى الغضب الشعبي يمتد ليشمل كافة المحافظات الإيرانية الـ31، حيث تملأ الحشود الشوارع للمطالبة بإسقاط نظام ولاية الفقيه".
وتابعت تشافيز: "إن رد فعل رژيم خامنئي الجلاد كان دائماً هو القمع والاعتقالات وقتل المتظاهرين، بما في ذلك الأطفال. لكن هذه المقاومة لم تندلع فجأة، بل هي نتاج عقود من التنظيم؛ حيث كان الشباب الثوار في الميدان مستعدين لتنظيم صفوف الشعب الذي لم يعد يحتمل العيش تحت وطأة نظام يحرمه من أبسط مقومات الحياة كالغذاء والماء، ويمارس قمعاً ممنهجاً ضد النساء ويسلب حريتهن في اختيار ملابسهن وأهدافهن".
وأوضحت: "بينما يتحدث البعض في واشنطن عن إيجاد 'إصلاحيين' داخل النظام أو اختيار زعيم من الخارج يعيش في أمريكا منذ 40 عاماً ومرتبط بأصحاب رؤوس الأموال، نتساءل: ماذا قدم هؤلاء للشعب طوال عقود؟ وهل بنوا حركة ملتزمة بالديمقراطية؟ الحقيقة أنه لا توجد حركة حقيقية سوى المقاومة الإيرانية بقيادة السيدة مريم رجوي، التي هي قائدة كاريزمية ملهمة، لم تنتظر مساعدة السياسيين بل شقت طريقها بنفسها وبنت حركة تضم قادة حقيقيين في الميدان".
وأكدت تشافيز: "إن خطة المواد العشر التي طرحتها السيدة مريم رجوي، والتي تضمن المساواة والحقوق في ظل سوق حرة، هي الحل الأمثل لمستقبل إيران. ورغم حملات الشيطنة التي يمارسها الملا رداً على هذه القوة، فإن الصور القادمة من الداخل تثبت حجم الدعم الشعبي الكبير لهذه الحركة، ولو لم تكن المقاومة مؤثرة لما سعى النظام لقتل أعضائها".
واختتمت تشافيز: "ليس من حقنا كأمريكيين أو أجانب أن نختار من يقود إيران، فهذه مسؤولية الشعب الإيراني وحده. والشعب سيختار من ناضل معه وبقي بجانبه طوال عقود من الزمن للتغيير الديمقراطي. وإنني واثقة أننا في العام المقبل لن نجتمع في باريس، بل سنحتفل معاً في طهران الحرة".