تطورات اقليمية
قاآني في ظل الغموض..
قائد فيلق القدس ينجو من الاغتيال بفضل السرية الأمنية
إسماعيل قاآني قائد فيلق القدس
منذ اغتيال قاسم سليماني عام 2020، برز اسم إسماعيل قاآني بوصفه أحد أهم القادة العسكريين في إيران، بعد توليه قيادة فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني والمسؤول عن إدارة شبكة النفوذ الإيراني في عدد من دول الشرق الأوسط. ومع انتقال القيادة إليه، تحول قاآني إلى شخصية مركزية في الحسابات الأمنية الإقليمية، خصوصاً لدى خصوم إيران الذين ينظرون إلى فيلق القدس باعتباره أحد أهم أدوات السياسة الإيرانية خارج حدودها.
ورغم هذه المكانة الحساسة، لم تسجل حتى الآن أي محاولة اغتيال موثقة علناً استهدفت قاآني بشكل مباشر، على عكس ما حدث مع سليماني. ومع ذلك، انتشرت خلال السنوات الأخيرة روايات عديدة عن احتمال استهدافه أو إصابته في غارات استهدفت مواقع مرتبطة بإيران في سوريا أو خلال زياراته المتكررة إلى العراق. هذه الروايات ظهرت غالباً في سياق أخبار عاجلة أو تسريبات غير مؤكدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يتبين لاحقاً عدم صحتها.
لفهم سبب بقاء قاآني بعيداً عن الاستهداف المباشر، يشير مراقبون إلى اختلاف أسلوبه القيادي مقارنة بسلفه. فبينما كان سليماني حاضراً بشكل لافت في ساحات القتال وتنتشر صوره في الجبهات، يتبع قاآني نهجاً أكثر تحفظاً وأقل ظهوراً إعلامياً. هذا الاختلاف في نمط القيادة يقلل من فرص الرصد الاستخباراتي ويجعل تتبع تحركاته أكثر صعوبة بالنسبة للأجهزة المعادية.
كما يعتمد قاآني، مثل كثير من القادة العسكريين المعرضين للاستهداف، على منظومة أمنية متعددة المستويات. هذه المنظومة تشمل السرية العالية في التحركات، حيث نادراً ما يتم الإعلان مسبقاً عن زياراته أو تنقلاته. وغالباً ما تتم هذه التحركات بشكل مفاجئ وبترتيبات أمنية معقدة تهدف إلى تقليل احتمالات الرصد.
إلى جانب ذلك، يتمتع بحماية مباشرة من وحدات متخصصة في الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى تنسيق أمني مع أجهزة استخباراتية في الدول الحليفة لإيران. هذه الحماية لا تقتصر على المرافقة العسكرية فقط، بل تشمل أيضاً إجراءات أمنية مرتبطة بوسائل النقل وتغيير طرق السفر وجدولة التحركات بشكل غير متوقع.
ومن العوامل الأخرى التي تقلل من فرص استهدافه أيضاً طبيعة عمله التنظيمي. فبحسب العديد من التحليلات، يميل قاآني إلى إدارة الملفات الاستراتيجية من خلف الكواليس، مع ترك الظهور العلني لقادة ميدانيين أو سياسيين في بعض الساحات. هذا النمط يقلل من تعرضه المباشر للمخاطر مقارنة بالقادة الذين يتواجدون باستمرار في خطوط المواجهة.
في المقابل، ساهم الغموض المحيط بتحركاته في انتشار شائعات عديدة، من بينها مزاعم تتحدث عن إصابته أو مقتله أو حتى اتهامه بالعمالة لإسرائيل. غير أن هذه الروايات لم تستند إلى أي أدلة موثوقة، وغالباً ما تظهر في سياق الحرب الإعلامية المتبادلة بين الأطراف المتنافسة في المنطقة.
الواقع أن هذه الاتهامات تتناقض مع الدور الذي يُنسب إليه في إدارة السياسات الإقليمية لإيران، خصوصاً في ملفات تعتبرها إسرائيل تهديداً مباشراً لأمنها. لذلك يرى محللون أن مثل هذه المزاعم غالباً ما تكون جزءاً من الحملات الدعائية أو مناخ نظريات المؤامرة الذي يحيط بالصراعات المعقدة في الشرق الأوسط.
في المحصلة، يبدو أن بقاء إسماعيل قاآني بعيداً عن مصير سليماني حتى الآن يعود إلى مزيج من العوامل الأمنية والتنظيمية، أبرزها السرية العالية في تحركاته، وقلة ظهوره الإعلامي، وطبيعة عمله الذي يميل إلى الإدارة غير العلنية للملفات الإقليمية. ومع استمرار التوترات في المنطقة، ستظل شخصية قاآني محاطة بدرجة كبيرة من الغموض، وهو أمر يفتح الباب دائماً أمام التكهنات والشائعات في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد.