الأدب والفن

الفن حين يصرخ وجعاً..

عبد الرازق عكاشة يجسد مأساة غزة بلوحات إنسانية مؤثرة

الفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة - أرشيف

جسد الفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة مأساة غزة في معرضه "غزة في القلب"، عبر لوحات يغلب عليها الأبيض والأسود وتعكس الحداد والألم، مقدماً تجربة إنسانية عميقة، أكد خلالها دور الفن في التعبير عن القضايا الإنسانية ونقل معاناة الشعوب بصدق.

في لحظة يتقاطع فيها الفن مع الوجع الإنساني، قدّم الفنان التشكيلي عبد الرازق عكاشة معرضه "غزة في القلب" بوصفه محاولة بصرية لتوثيق الألم، لا عبر السرد المباشر، بل من خلال لغة تشكيلية مكثفة تستند إلى الاختزال والرمز.

المعرض، الذي حمل طابعاً إنسانياً واضحاً، لم يكن مجرد عرض لوحات، بل أقرب إلى مساحة تأمل في مأساة مستمرة، حيث اختار الفنان أن يضع المتلقي أمام مشاهد تقترب من الطابع الجنائزي، في انعكاس مباشر لحجم الفقد والدمار الذي خلّفته الحرب على قطاع غزة.

هيمنة اللونين الأبيض والأسود على معظم الأعمال لم تأتِ بوصفها اختياراً جمالياً فحسب، بل كقرار دلالي يعكس حالة الحداد، ويجرد المشهد من أي زينة بصرية قد تخفف من قسوته. وفي المقابل، حضرت الألوان الداكنة في عدد محدود من اللوحات، لتكثّف الإحساس بالألم وتبرز لحظات إنسانية حادة، تكاد تخرج من إطار اللوحة إلى وجدان المشاهد.

ضمن هذا السياق، برزت الجداريات بوصفها العمود الفقري للمعرض، حيث ضم العمل جدارية ضخمة بطول 30 متراً استغرق تنفيذها عامين، إلى جانب جدارية أخرى بطول 16 متراً. هذا الامتداد الزمني في الإنجاز يعكس أن المشروع لم يكن وليد لحظة انفعال، بل نتاج تراكم شعوري طويل، تشكّل مع تطور الأحداث.

لكن ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها ليس الحجم أو التقنية فقط، بل البعد الإنساني الذي رافق عملية الإنتاج. فقد كشف عكاشة أن الدموع لم تكن جزءاً من لحظة الافتتاح فقط، بل حضرت أثناء الرسم نفسه، حيث اختلطت بالألوان، ما دفعه إلى التخلي عن الألوان الزيتية والاعتماد على الأكريليك، في محاولة للحفاظ على تماسك العمل وخروجه بصورة تعكس هذا الانفعال الحقيقي.

هذه التفاصيل، رغم بساطتها، تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يمكن للفن أن يكون محايداً أمام المأساة؟
في حالة عكاشة، يبدو الجواب واضحاً: الفن هنا منحاز بالكامل للإنسان.

وفي تفسيره لدور الفن، يرى عكاشة أنه ليس مجرد وسيلة تعبير، بل أداة تقود بصيرة المجتمعات وضمير الأمم، وهو طرح يعيد الفن إلى موقعه التقليدي كقوة ناعمة قادرة على التأثير، وليس فقط التوثيق.

هذا التوجه يضع تجربته ضمن ما يُعرف بالمدرسة الإنسانية في الفن، وهي المدرسة التي سعت تاريخياً إلى التعبير عن معاناة الإنسان وقضاياه الكبرى، مستلهماً في ذلك تجارب فنانين عالميين مثل بابلو بيكاسو، الذين حوّلوا المأساة إلى لغة بصرية قادرة على البقاء.

ولم يكن حضور الجمهور في الافتتاح محايداً أيضاً، إذ عبّر الأسير الفلسطيني المحرر كميل أبو حنيش عن قراءة مزدوجة للمعرض، تجمع بين الألم والبطولة. فبالنسبة له، لا يختزل العمل مأساة غزة فقط، بل يسلّط الضوء أيضاً على صمود أهلها وقدرتهم على المواجهة.

هذا التداخل بين المأساة والمقاومة يمنح الأعمال بعداً مركباً، حيث لا تُقدّم الضحية بوصفها حالة سلبية، بل كفاعل يمتلك إرادة الاستمرار. وهي زاوية تضيف عمقاً للمعرض، وتخرجه من إطار الحزن الخالص إلى مساحة أوسع من التأمل.

في المحصلة، لا يبدو معرض "غزة في القلب" مجرد تجربة فنية عابرة، بل محاولة لإعادة تعريف وظيفة الفن في لحظة أزمة. فبين اللون والدمعة، وبين اللوحة والذاكرة، يطرح عكاشة سؤالاً صعباً:

كيف يمكن تحويل الألم إلى معنى؟

الإجابة، كما تقترحها هذه التجربة، ليست في تجاوز الوجع… بل في مواجهته، وإعادة صياغته بلغة تبقى، حتى بعد أن يهدأ كل شيء.
 

النجم خالد الصاوي: العودة إلى العمق الفني وكسر القوالب الجاهزة


من القراءة إلى الأداء.. "مشاتل الأبجدية" ترسم ملامح القصيدة المغربية القادمة


محمد محدثين: سقوط النظام الإيراني يبدأ من الداخل والتدخل العسكري "سيناريو نظري"


بين تعهدات برلين وواقع الميدان.. هل تنهي "أموال المساعدات" حرب الثلاث سنوات؟