تقارير
إدانات دولية لحادثة إطلاق النار خلال حفل مراسلي البيت الأبيض..
تقرير: واشنطن تقترب من القرار الأصعب.. صفقة مع طهران أم مواجهة عسكرية
من داخل فندق هيلتون واشنطن بعد سماع إطلاق النار
يقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عند نقطة فاصلة قد تحدد ملامح إرثه السياسي، حيث تتقاطع احتمالات توقيع اتفاق يقيّد البرنامج النووي الإيراني مع سيناريوهات التصعيد العسكري التي قد تدفع الولايات المتحدة والشرق الأوسط نحو مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا. ويؤكد ترامب تفضيله التوصل إلى اتفاق صارم يمنع طهران نهائيًا من امتلاك القدرة على تطوير أسلحة نووية، وهو ما قد يشكل إنجازًا تاريخيًا إذا تحقق، غير أن خيار توجيه ضربة عسكرية بهدف إجبار النظام الإيراني على تقديم تنازلات أو حتى إسقاطه يظل حاضرًا، رغم ما يحمله من مخاطر تصعيد إقليمي واسع.
يشير مسؤولون ومحللون إلى أن هذه اللحظة جاءت نتيجة مسار سياسي وأمني رسمته إدارة ترامب نفسها، إذ تعهد في يناير بدعم الاحتجاجات الشعبية داخل إيران دون أن يتبع ذلك تدخل أمريكي مباشر، قبل أن يطرح سلسلة مطالب تتضمن وقف تخصيب اليورانيوم وفرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ الباليستية وإنهاء دعم الميليشيات الإقليمية. وتزامن ذلك مع تعزيز غير مسبوق للوجود العسكري الأمريكي بالقرب من إيران، حيث حشدت واشنطن أكبر تركيز للقوة الجوية في الشرق الأوسط منذ غزو العراق عام 2003.
في حال رفضت طهران هذه المطالب، التي تنفي أساسًا سعيها لامتلاك سلاح نووي، فإن الخيارات المطروحة أمام الإدارة الأمريكية تتراوح بين تنفيذ ضربات محدودة تهدف إلى الضغط السياسي والعسكري، أو إطلاق حملة قصف موسعة تستهدف البنية العسكرية للنظام. ويرى وزير التجارة الأمريكي الأسبق ويلبر روس أن الضغوط الداخلية التي يواجهها ترامب، بما في ذلك تداعيات قرارات قضائية داخلية، قد تدفعه إلى تبني موقف أكثر تشددًا، معتبرًا أن التراجع أمام إيران قد يُفسَّر سياسيًا كخسارة إضافية.
في المقابل، هددت إيران برد انتقامي واسع في حال تعرضها لهجوم، متوعدة باستهداف السفن الحربية الأمريكية والقوات المنتشرة في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، وهو سيناريو يثير قلق دول الخليج التي تخشى أن تتحول أراضيها إلى ساحة مواجهة مباشرة. وتشير تقديرات أمريكية إلى أن أي عملية عسكرية قد تؤدي إلى نتائج غير متوقعة، حتى في حال سقوط المرشد الأعلى علي خامنئي، إذ يرجح بعض المحللين أن يتولى الحرس الثوري المتشدد زمام السلطة في مرحلة ما بعد الصراع.
وترى سوزان مالوني، الخبيرة في معهد بروكينغز، أن ترامب يواجه خيارات معقدة ومخاطر مرتفعة، مشيرة إلى أن التقدم نحو المواجهة جاء دون سعي واضح للحصول على موافقة الكونغرس أو تقديم مبررات مفصلة للرأي العام، رغم انتقاده سابقًا للحروب الأمريكية في الشرق الأوسط. ويبدو أن ثقة الرئيس الأمريكي باستخدام القوة العسكرية تعززت بعد عمليات عسكرية محدودة استهدفت مواقع إيرانية في يونيو الماضي، إلا أن محللين يشددون على أن خوض حرب واسعة ضد خصم قادر على الرد بقوة يمثل اختبارًا مختلفًا تمامًا.
ويؤكد خبراء، بينهم فالي نصر من جامعة جونز هوبكنز، أن سلوك ترامب يشير إلى تفضيله العمليات العسكرية السريعة محدودة المخاطر، محذرين من أن أي تصعيد غير محسوب قد يفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة، خصوصًا على أسواق النفط والملاحة الدولية. وفي الوقت نفسه، يكرر مسؤولون في البيت الأبيض أن خيار الدبلوماسية لا يزال مطروحًا، وأن غريزة ترامب السياسية تميل إلى عقد صفقات قبل اللجوء إلى المواجهة العسكرية.
تأتي هذه التطورات وسط ضغوط إسرائيلية تدعو إلى استغلال ما تعتبره ضعفًا داخليًا في إيران لإسقاط النظام، في حين تحث أطراف إقليمية أخرى، بينها دول خليجية وتركيا، واشنطن على توخي الحذر وتجنب الانزلاق إلى صراع مفتوح. ومن المرجح أن يتحدد القرار الأمريكي النهائي بناءً على مدى استعداد إيران لتقديم تنازلات تلبي الحد الأدنى من الشروط الأمريكية، خاصة مع استمرار المفاوضات غير المباشرة في جنيف.
ورغم الحديث عن احتمالات التوصل إلى اتفاق، لم تُبدِ طهران حتى الآن استعدادًا لتغيير موقفها التفاوضي الرافض للتخلي عن برنامج تخصيب اليورانيوم أو مناقشة برنامج الصواريخ الباليستية، مؤكدة أن أي تنازلات يجب أن تقابل برفع ملموس للعقوبات الاقتصادية. ويعتبر بعض المسؤولين الأمريكيين أن أي اتفاق يقتصر على الملف النووي فقط قد يمنح إيران مكاسب سياسية، بينما ترى أطراف أخرى أن توسيع نطاق الاتفاق ليشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي قد يجعل التوصل إلى تسوية شبه مستحيل.
وتكشف النقاشات داخل إدارة ترامب عن انقسام حول شكل الاتفاق المطلوب، إذ يطرح البعض فكرة السماح لإيران ببرنامج نووي مدني يعتمد على وقود منخفض التخصيب توفره جهة دولية خارج البلاد بإشراف أمريكي، وهي فكرة طرحت سابقًا خلال مفاوضات سابقة لكنها قوبلت برفض إيراني واضح. وفي ظل هذا الجمود، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، بين تسوية دبلوماسية قد تعيد ضبط التوازنات الإقليمية، أو مواجهة عسكرية قد تعيد رسم خريطة الصراع في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.