الأدب والفن

كتاب جديد للصحافية المصرية ولاء عمران..

أيام في خليج عدن.. سردية الجنوب بين الوجع ومشروع الدولة

"أيام في خليج عدن".. كتاب جديد للصحافية المصرية ولاء عمران - أرشيف

القاهرة

صدر في العاصمة المصرية القاهرة يوم الاثنين الـ27 من أبريل 2026م، كتاب "أيام في خليج عدن"، للصحافية المصرية ولاء عمران، في عمل يتجاوز كونه إصدارًا صحفيًا تقليديًا، ليقترب من صيغة الشهادة الإنسانية المفتوحة على أسئلة السياسة والهوية والعدالة.

الكتاب، الصادر عن مؤسسة اليوم الثامن للإعلام والدراسات، يأتي في أكثر من 180 صفحة، ويستند إلى تجربة ميدانية عايشتها الكاتبة خلال زيارات متعددة إلى مدينة عدن وعدد من محافظات الجنوب، حيث تنقلت بين الجبهات الإنسانية والمشاهد اليومية، محاولة التقاط ما يتوارى خلف العناوين الكبرى للحرب.

منذ الصفحات الأولى، تضع عمران إطارًا مختلفًا لمفهوم الصحافة، إذ لا تتعامل مع الكتابة بوصفها حيادًا تقنيًا، بل كفعل إنساني يتطلب وعيًا أخلاقيًا، وقدرة على الاقتراب من الألم دون استثماره. هذا التصور ينعكس بوضوح على بنية الكتاب، التي تقوم على السرد الشخصي، والتجربة المباشرة، أكثر من اعتمادها على التحليل السياسي المجرد.

تنطلق الحكاية من لحظة إنسانية عميقة داخل أحد مستشفيات القاهرة، حيث تلتقي الكاتبة بشاب جنوبي فقد أسرته في الحرب. هذه الواقعة، التي تبدو في ظاهرها تفصيلًا عابرًا، تتحول إلى نقطة تحول مركزية، تدفعها للانتقال من موقع المتابعة الصحفية إلى موقع الشهادة. ومن هذه اللحظة، يبدأ مسار طويل من الأسئلة، يتقاطع فيه الشخصي بالعام، والإنساني بالسياسي.

لا يقدّم الكتاب الجنوب بوصفه ساحة صراع فحسب، بل كمساحة حية مليئة بالتفاصيل الصغيرة التي تقاوم العدم؛ من طقوس الحياة اليومية في عدن، إلى وجوه الصيادين، وصمت النساء، ونظرات الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم. هذه التفاصيل، التي غالبًا ما تُهمل في التغطيات الإخبارية، تتحول هنا إلى مركز السرد، وإلى أداة لفهم أعمق لما جرى ويجري.

تعتمد عمران أسلوبًا سرديًا يقترب من الأدب، حيث تتداخل اللغة الصحفية مع التأمل، فتبدو بعض الفصول أقرب إلى نصوص مفتوحة، تحمل حسًا إنسانيًا عاليًا، دون أن تفقد صلتها بالواقع. وهي في ذلك تراهن على نقل التجربة كما عايشتها، لا كما تُصاغ في البيانات أو التقارير الرسمية.

ومن أبرز ملامح الكتاب تركيزه على الأفراد، لا على الشعارات. فبدلًا من الغرق في تحليل الصراع السياسي، تنصت الكاتبة إلى الجرحى، والنشطاء، والقيادات، والناس العاديين، الذين يحملون في ذاكرتهم حكايات أثقل من أعمارهم. هذا الخيار يمنح النص قوة إنسانية واضحة، لكنه في الوقت ذاته يضعه في مساحة بين التوثيق والانطباع.

ومع تقدم السرد، يتضح أن الكتاب لا يكتفي بنقل التجربة، بل يوثق أيضًا تطور وعي الكاتبة بالقضية الجنوبية، من حالة معرفة محدودة إلى انخراط أعمق في فهم جذورها التاريخية والسياسية. وتظهر في هذا السياق لقاءاتها مع شخصيات جنوبية بارزة، ونقاشاتها حول مفاهيم الوحدة، والهوية، والاستقلال، بوصفها مفاتيح لفهم المشهد.

وفي هذا المسار، يتبلور موقف واضح للكاتبة، يتجاوز التعاطف الإنساني إلى ما يشبه الانحياز الواعي للقضية الجنوبية. فهي لا تخفي، عبر النص، قناعتها بحق أبناء الجنوب في تقرير مصيرهم، ولا تتردد في التعبير عن تفهمها لمشروع الاستقلال، باعتباره—من وجهة نظرها—نتيجة لتجارب طويلة من الصراع والإقصاء.

هذا التحول في الموقف لا يأتي بصيغة خطابية مباشرة، بل يتشكل تدريجيًا عبر تراكم المشاهد واللقاءات، حتى يصبح جزءًا من بنية النص ذاته. وهنا، يتحول الكتاب من مجرد شهادة إنسانية إلى نص يحمل بعدًا سياسيًا ضمنيًا، يعكس رؤية الكاتبة لما ينبغي أن يكون عليه المستقبل.

وفي سياق متصل، يتطرق الكتاب إلى الدور الذي لعبه التحالف العربي في دعم الجنوب خلال الحرب، مع إبراز خاص لدور دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تحضر في السرد بوصفها فاعلًا ميدانيًا وإنسانيًا ساهم في دعم القوات الجنوبية، وفي إسناد الجهود على الأرض. وتأتي هذه الإشارات ضمن سياق سردي يربط بين التحولات العسكرية وبين واقع الناس الذين التقتهم الكاتبة خلال رحلتها.

ورغم هذا الوضوح في الموقف، لا يخلو الكتاب من جدل محتمل، إذ يركز بشكل أساسي على الرواية الجنوبية، دون تقديم مساحة موازية للروايات الأخرى، وهو ما قد يدفع بعض القراء إلى اعتباره نصًا منحازًا. غير أن هذا الانحياز يبدو جزءًا من طبيعة العمل ذاته، الذي يعلن منذ بدايته أنه لا يسعى إلى الحياد البارد، بل إلى الانتصار للإنسان كما تراه الكاتبة.

لغة الكتاب تميل إلى البساطة المشحونة بالعاطفة، دون تكلف بلاغي، ما يجعله قريبًا من القارئ، وقادرًا على نقل التجربة بوضوح وتأثير. وفي الوقت ذاته، يحتفظ النص بقدر من العمق، من خلال الأسئلة التي يطرحها حول دور الصحافة في زمن الحروب، وحدود الحياد، وإمكانية الكتابة عن الألم دون الوقوع في فخ استثماره.

وفي سياق أوسع، يمكن قراءة "أيام في خليج عدن" كجزء من محاولات عربية لإعادة الاعتبار للسرد الإنساني في تغطية النزاعات، بعيدًا عن الأرقام والخطابات الجامدة، وهو ما يمنحه أهمية خاصة، في ظل محدودية الأعمال التي تناولت الجنوب اليمني من زاوية معايشة مباشرة.

ويُشار إلى أن الكتاب حصل على رقم إيداع رسمي وترقيم دولي (ISBN)، وفق الإجراءات المعتمدة للنشر، ما يمنحه صفة التداول القانوني في معارض الكتب والمنصات الثقافية، ويضعه ضمن الإصدارات الموثقة التي يمكن الرجوع إليها في تناول هذه المرحلة.

في المحصلة، لا يقدم "أيام في خليج عدن" إجابات نهائية، ولا يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة، بل يفتح نافذة على واقع معقد، من خلال تجربة شخصية تحولت إلى شهادة. وبينما قد يختلف القراء في تقييم درجة حياده، يبقى الكتاب محاولة جادة لنقل صوت إنساني من قلب الأحداث، حيث لا تكون الحكاية مجرد خبر، بل ذاكرة تحاول أن تبقى.

تحركات إماراتية مكثفة لإعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط


تقرير: الجيش والدعم السريع.. صراع مفتوح يهدد بتفكك الدولة السودانية


تقرير: واشنطن تقترب من القرار الأصعب.. صفقة مع طهران أم مواجهة عسكرية


قرقاش: البرنامج النووي الإيراني في صلب أزمات المنطقة وغياب الثقة مستمر