تحليلات
قراءة جديدة لسلوك الأذرع الإيرانية..
بين الأيديولوجيا والبراغماتية: تحليل أمريكي يكشف الأولويات الحقيقية للحوثيين في اليمن
حوثيون شمال اليمن_ ارشيف
كشف تحليل نشرته مجلة Eurasia Review الأمريكية أن الخطاب المناهض لإسرائيل الذي تتبناه جماعة الحوثي في اليمن لا يعكس بالضرورة أولوياتها الاستراتيجية، بل يُستخدم كأداة سياسية وإعلامية لتعزيز حضورها الإقليمي وترسيخ نفوذها داخلياً، في ظل تعقيدات المشهد اليمني واستمرار الانقسام السياسي.
ويشير التحليل إلى أن تصاعد خطاب “المقاومة” خلال الفترة الأخيرة، خاصة في سياق التوترات المرتبطة بإيران والحرب في غزة، أتاح للحوثيين فرصة لتقديم أنفسهم كجزء من محور إقليمي أوسع، إلا أن حساباتهم الفعلية تظل مرتبطة بشكل أساسي بإدارة الوضع الداخلي وتعزيز السيطرة الميدانية داخل اليمن.
ووفقاً للتقرير، فإن الجماعة، رغم تبنيها خطاباً أيديولوجياً مستوحى من النموذج الإيراني، لا تضع المواجهة مع إسرائيل في صدارة أولوياتها، بل تركز على توسيع نفوذها داخل البلاد. فمنذ سيطرتها على صنعاء عام 2014، عملت على ترسيخ وجودها في مناطق واسعة تضم النسبة الأكبر من السكان، في وقت لا تزال فيه البلاد تعاني انقساماً سياسياً مع استمرار وجود الحكومة المعترف بها دولياً بقيادة رشاد محمد العليمي.
ويؤكد التحليل أن الجماعة لا تُظهر اندفاعاً حقيقياً نحو تسوية سياسية شاملة، بل تسعى إلى تحقيق مكاسب تدريجية على الأرض، بما يضمن لها تعزيز موقعها في أي ترتيبات مستقبلية محتملة، وهو ما يعكس نهجاً براغماتياً في إدارة الصراع.
كما يسلط التقرير الضوء على التحول في العلاقة بين الحوثيين وإيران، حيث انتقلت هذه العلاقة من مستوى الدعم المحدود إلى الاندماج ضمن مشروع إقليمي أوسع عقب سيطرة الجماعة على صنعاء، ما عزز من دورها ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة. وقد تجلى ذلك في تصعيد العمليات العسكرية، بما في ذلك الهجمات الصاروخية والبحرية واستهداف ممرات استراتيجية مثل باب المندب، وهو ما منح الجماعة حضوراً دولياً لافتاً.
وفي البعد الداخلي، يوضح التحليل أن الخطاب المرتبط بالقضية الفلسطينية يُستخدم كأداة لتعبئة الشارع وتبرير الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، من خلال تقديمها كـ“ثمن للمقاومة”، كما يمنح هذا الخطاب غطاءً سياسياً لتشديد الإجراءات الأمنية في مواجهة الانتقادات المحلية، عبر تحويل الاهتمام نحو قضايا خارجية.
ويكشف التقرير أن الجماعة طورت منظومة أمنية واقتصادية متشابكة، تعتمد على شبكة من الموالين داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، إلى جانب استخدام أدوات اقتصادية مثل الوقود والغذاء والوظائف لضمان الولاء. كما أعادت توجيه الموارد في مناطق سيطرتها، بما في ذلك الجمارك والاتصالات، لخدمة شبكة نفوذها، ما أدى إلى نشوء بنية قائمة على المحسوبية تعزز استمرارها في السلطة.
ورغم انخراط الحوثيين في عمليات عسكرية ذات طابع إقليمي، يشير التحليل إلى أنهم يتعاملون مع التصعيد بحذر، بحيث يحقق مكاسب سياسية وإعلامية دون الوصول إلى مستوى قد يستدعي ردوداً عسكرية واسعة تهدد وجودهم. ويعكس هذا السلوك محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين التصعيد والاحتواء.
ويخلص التحليل إلى أن اليمن يظل مركز الثقل في حسابات الحوثيين، وأن انخراطهم في القضايا الإقليمية، بما في ذلك تبني خطاب القضية الفلسطينية، يأتي في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز شرعيتهم الداخلية وتثبيت نفوذهم على المدى الطويل، أكثر من كونه انعكاساً لأولويات خارجية مستقلة.