تقارير
معضلة الخيار الاستراتيجي..
كيف تحول ملف التفاوض مع أمريكا إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية بطهران؟
لم تعد المفاوضات الإيرانية-الأمريكية مجرد ملف يديره الدبلوماسيون في أروقة السياسة الخارجية.. بل أضحت مرآة كاشفة لعمق الأزمة البنيوية التي تمس قلب السلطة في طهران؛ فعلى مدى نحو خمسة عقود شكّلت شعارات مناهضة الولايات المتحدة وإسرائيل الركيزة الأساسية التي استمد منها النظام الشرعية الأيديولوجية وأداة التعبئة الجماهيرية، والغطاء لتبرير الخيارات الاقتصادية والأمنية داخلياً وخارجياً، ومع اضطرار صانع القرار الإيراني للجلوس إلى طاولة الحوار مع واشنطن تجاوز النقاش حدود التكتل الدبلوماسي ليلامس الهوية السياسية للنظام؛ حيث يواجه التركيب الحاكم معضلة الموازنة بين الحفاظ على الثوابت الأيديولوجية المؤسسة وبين مقتضيات الواقعية السياسية التي تفرضها الضغوط الخارجية والاقتصادية.
تشظي الأصولية.. الانقسام الاستراتيجي في معسكر السلطة
تجاوز المشهد السياسي الراهن الثنائية التقليدية التي أدارت المشهد الإيراني لعقود بين "المحافظين" و"الإصلاحيين"؛ وإن التصدع الحالي ليضرب النواة الصلبة للتيار الأصولي نفسه وتحديداً الدوائر اللصيقة بمركز القرار، ويتبدى هذا الانقسام في التباين الجذري بين النخب الحاكمة؛ وفي حين يدافع رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي عن نهج التفاوض ويرى في الوقت ذاته أن معارضيه يقدمون خدمة مجانية للأطراف الخارجية يتبنى جناح "جبهة ثبات الثورة الإسلامية" موقفاً راديكالياً يرى في أي تقارب مع واشنطن تنازلاً استراتيجياً يمهد لفرض شروط دولية أوسع.. هذا التنافس المحموم بين معسكر محمد باقر قاليباف وجناح سعيد جليلي يعكس غياب الانسجام البنيوي ويحول دون بلورة موقف موحد إزاء القضايا المصيرية.
معضلة الانتقال وغياب المرجعية التوازنية
يتزامن هذا الاستقطاب الحاد مع مرحلة انتقالية حرجة ترتبط بترتيبات الخلافة داخل هرم السلطة.. تاريخياً شكّلَ علي خامنئي حجر الزاوية الاستراتيجي الذي يستند إليه ضبط التوازنات بين مراكز النفوذ والقوى المتنافسة، ومع صعود اسم مجتبى خامنئي كمرشح محتمل للمرحلة المقبلة تبدو البيئة السياسية أكثر هشاشة في ظل غياب شخصيات تاريخية وازنة كانت تضطلع بدور "صمام الأمان" وحلّال الأزمات مثل أكبر هاشمي رفسنجاني في المحطات السابقة.
إن غياب مركز الثقل القادر على فرض التسويات الداخلية ليضاعف من مخاطر الخلافة السياسية ويجعل من ملف المفاوضات عنصراً لتصفية الحسابات السياسية بدلاً من كونه أداةً لتعزيز الموقف الخارجي.
مقارنة تاريخية
إن المقارنة مع المحطات التاريخية المفصلية تكشف حجم التحدي الراهن؛ فقد تمكن خميني في أواخر حياته من حسم ملفات شديدة التعقيد عبر قرارات حاسمة مثل قبول قرار وقف إطلاق النار مع العراق وإقصاء حسين علي منتظري وذلك لمنع تصدع قمة السلطة؛ فضلاً عن الإجراءات الصارمة سنة 1988 لمواجهة المعارضة المنظمة.. في المقابل يواجه النظام الحالي حزمة من الأزمات المتشابكة والمفتوحة دون آليات حسم واضحة.
الملفات الإيرانية العالقة في المرحلة الانتقالية
فيما يلي رصد لأبرز العوامل التي تزيد من تعقيد المشهد الراهن:
الملف النووي الإيراني: صعوبة صياغة اتفاق يضمن رفع العقوبات دون تفكيك البنية التحتية للبرنامج.
شبكة النفوذ الإقليمي: معضلة التوفيق بين دعم الأذرع الإقليمية وبين متطلبات التهدئة الدولية.
أزمة الشرعية المجتمعية: اتساع الفجوة بين التوجهات الرسمية وتطلعات الشارع الذي لم تعد مطالبه تتعلق بالأزمات الاقتصادية فحسب، وقد وصلت إلى الرفض الكلي للنظام كونه أساس جميع الكوارث التي تعرض ويتعرض إليها الشعب الإيراني.
كاس السم الجديدة.. المجتمع والتداعيات الداخلية للتفاوض
في نظر أوساط عريضة من التيار الأصولي الراديكالي تبدو المفاوضات الحالية بمثابة "كأس سم" جديدةً وإقراراً ضمنياً بإخفاق المقاربة الاستراتيجية التقليدية ووصولها إلى طريق مسدود.. هذا التوجس لا ينبع من الخشية من الشروط الخارجية فحسب بل من التغير المجتمعي في إيران؛ فالشارع الذي أنهكته معدلات التضخم والانهيار الاقتصادي، والذي عبّر عن تطلعاته عبر موجات احتجاجية متتالية لم يعد معزولاً عن تفاعلات القرار السياسي، ولقد تحولت فكرة التغيير وإعادة صياغة العقد الاجتماعي من شعارات نخبوية إلى قوة دافعة كامنة في العمق المجتمعي مما يجعل القدرة على احتواء تداعيات أي اتفاق خارجي أمراً محفوفاً بالمخاطر الأمنية والسياسية.
مآلات المشهد الاستراتيجي
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه سلطات النظام الإيراني لا يكمن في القدرة الفنية على إنجاز تفاوض دبلوماسي مع القوى الدولية بل في مدى قدرة الهيكل السياسي على تحمل الارتدادات الداخلية لهذا المسار.
إن الموازنة بين متطلبات الانفتاح الخارجي لتخفيف الضغوط الاقتصادية وبين الحفاظ على تماسك النواة الصلبة وحماية الشرعية الأيديولوجية تضع النظام الإيراني أمام واحدة من أعقد الاختبارات الاستراتيجية في تاريخه الحديث وسط بيئة داخلية مفتوحة على كافة احتمالات التحول.