الاقتصاد
طهران على النسيئة..
تقرير: انهيار الطبقة الوسطى يكشف كلفة أولويات النظام الإيراني داخلياً
لم تعد الأزمة الاقتصادية في إيران مجرد أرقام تتعلق بالتضخم أو انهيار العملة المحلية، بل تحولت إلى واقع يومي يلامس تفاصيل الحياة الأساسية لملايين الإيرانيين، خصوصاً أبناء الطبقة الوسطى التي كانت لعقود تمثل العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المدن الكبرى. فبينما يواصل النظام الإيراني الإنفاق على مؤسساته الأمنية والعسكرية ومشاريعه الإقليمية، تتسع رقعة الفقر داخل المجتمع بصورة باتت الصحف الإيرانية نفسها عاجزة عن تجاهلها.
وفي مؤشر لافت على حجم الأزمة، نشرت صحيفة "شرق" الإيرانية تقريراً ميدانياً بعنوان "طهران.. مدينة الجيوب الفارغة"، سلط الضوء على التحولات العميقة التي أصابت الحياة المعيشية في العاصمة. التقرير لا يتحدث عن الأحياء الفقيرة أو الفئات المهمشة، بل عن موظفين ومهندسين وخريجين جامعيين وأسر كانت تُصنف حتى وقت قريب ضمن الطبقة الوسطى المستقرة.
ويكشف التقرير أن راتبين كاملين لموظفين عاملين في الأسرة الواحدة لم يعودا كافيين لتغطية نفقات شهر واحد في طهران. فبعد أسبوعين فقط من استلام الرواتب، تجد كثير من الأسر نفسها مضطرة إلى اللجوء للشراء بالدَّين أو الاقتراض أو التخلي عن بعض الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع متواصل للأسعار وتآكل القدرة الشرائية وتجميد الأجور.
وتتجاوز الأزمة بعدها الاقتصادي لتلامس الجانب الاجتماعي والنفسي. فبحسب الشهادات التي نقلتها الصحيفة، لم يعد الشراء بالدَّين مقتصراً على الفئات الأشد فقراً، بل أصبح جزءاً من حياة موظفين وأصحاب مهن مستقرة اعتادوا سابقاً على نمط حياة مختلف. كثيرون باتوا يلجؤون إلى تقديم مبررات محرجة أمام أصحاب المتاجر، مثل نسيان البطاقة المصرفية أو تعطل النظام الإلكتروني، في محاولة لتجنب الاعتراف بعدم امتلاك ثمن احتياجاتهم الأساسية.
ومن أكثر الصور دلالة على التحولات الجارية، ما رصده التقرير من لجوء شابات جامعيات يتشاركن السكن في العاصمة إلى توزيع شراء المواد الغذائية بالدَّين فيما بينهن. فإحداهن تتكفل بشراء الزيت، وأخرى تؤمن الخبز والجبن، وثالثة تتولى شراء الحبوب والمواد الأساسية الأخرى. وهو مشهد يعكس انتقال أزمة المعيشة من الهامش الاجتماعي إلى قلب الفئات المتعلمة التي كانت تمثل أحد أبرز مظاهر الحداثة والاستقلال الاقتصادي في المدن الإيرانية.
ولم تعد الأزمة مقتصرة على المواد الغذائية مرتفعة السعر، بل امتدت إلى أبسط السلع اليومية. فقد تحدث عاملون في مخابز بطهران عن تزايد أعداد الزبائن الذين يشترون كميات محدودة جداً من الخبز أو يطلبون أجزاء من الأرغفة بسبب ضيق أوضاعهم المالية. كما ظهرت مبادرات فردية من متبرعين يتركون مبالغ مالية لدى بعض المخابز حتى يتمكن المحتاجون من الحصول على الخبز دون التعرض للإحراج.
وفي أسواق الفاكهة، تغيرت أنماط الاستهلاك بصورة واضحة. فشراء عدة كيلوغرامات من الفاكهة بات خارج قدرة شريحة واسعة من المواطنين، لتحل مكانه طلبات شراء عدد محدود من الحبات أو الاتجاه نحو الأصناف الأقل جودة والأرخص سعراً. اللافت أن هذه الظاهرة لم تعد محصورة بالفئات الفقيرة، بل أصبحت شائعة بين موظفين وأصحاب أعمال صغيرة كانوا حتى سنوات قليلة جزءاً من الطبقة الوسطى التقليدية.
كما بدأت مظاهر أخرى أكثر حساسية بالظهور، من بينها تزايد سرقات المواد الغذائية منخفضة الحجم وعالية القيمة، مثل علب التونة والمنتجات المعلبة. وهي ظواهر ترتبط عادة بالمجتمعات التي تشهد ضغوطاً اقتصادية حادة وتراجعاً في القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية.
ويعكس هذا الواقع حجم التناقض بين الأوضاع المعيشية المتدهورة داخل إيران والسياسات التي يتبناها النظام على المستوى الإقليمي. ففي الوقت الذي تعاني فيه الأسر الإيرانية من صعوبات متزايدة في تأمين الغذاء والسكن والخدمات الأساسية، تستمر الموارد المالية في التوجه نحو الإنفاق العسكري والأمني والبرامج الصاروخية والنووية وشبكات الحلفاء الإقليميين.
ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية لم تعد مجرد أزمة اقتصادية دورية يمكن احتواؤها عبر إجراءات مالية أو دعم حكومي محدود، بل تحولت إلى أزمة بنيوية مرتبطة بأولويات السلطة وطبيعة إدارة الموارد العامة. فالتضخم المرتفع، والعقوبات، وضعف الاستثمار، والفساد، وسوء الإدارة، عوامل تراكمت معاً لتقود إلى استنزاف تدريجي للطبقة الوسطى.
وتكتسب هذه التطورات أهمية سياسية خاصة، لأن الطبقة الوسطى كانت تاريخياً أحد أهم عناصر التوازن والاستقرار داخل المجتمع الإيراني. فهذه الفئة تمتلك عادة مستويات أعلى من التعليم والوعي السياسي والقدرة على التنظيم والتعبير عن مطالبها. ومع انتقالها من دائرة الاستقرار النسبي إلى دائرة القلق اليومي على المعيشة، تتزايد احتمالات تحول الضغوط الاقتصادية إلى حالة من السخط الاجتماعي الأوسع.
وفي ظل استمرار الضغوط المعيشية واتساع الفجوة بين المجتمع والسلطة، تبدو دفاتر النسيئة العائدة إلى متاجر طهران أكثر من مجرد مؤشر اقتصادي. فهي تعكس أزمة ثقة متنامية بين المواطنين والدولة، وتكشف أن التحدي الذي يواجه النظام الإيراني لم يعد خارجياً فقط، بل أصبح يتشكل أيضاً من داخل المجتمع نفسه، حيث تتآكل تدريجياً القاعدة الاجتماعية التي اعتمد عليها لعقود في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.