تقارير
ضغوط وتسويات خلف الكواليس..
تقرير: تسريع الاتفاق الأميركي الإيراني.. هرمز قد يُفتح قبل الموعد المعلن
تتجه الأنظار إلى المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران بعد معلومات كشفت عن مناقشات تجري خلف الكواليس لتقديم موعد مراسم توقيع مذكرة التفاهم المقرر إبرامها بين الطرفين، في مؤشر يعكس رغبة متزايدة لدى الوسطاء في تسريع تنفيذ البنود العملية للاتفاق، وفي مقدمتها إعادة فتح مضيق هرمز واستعادة حركة الملاحة الطبيعية في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
ووفقاً لمعلومات نقلها موقع "أكسيوس"، فإن الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب الدول الوسيطة المنخرطة في جهود التهدئة، يناقشون إمكانية إقامة مراسم التوقيع الرسمية قبل الموعد المعلن سابقاً يوم الجمعة. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الأربعاء طُرح كموعد محتمل للتوقيع، في ظل وجود توافق واسع بين الجانبين بشأن عدد من القضايا الأساسية التي شكلت محور المفاوضات خلال الأسابيع الماضية.
وتعكس هذه الخطوة إدراكاً متزايداً لدى الأطراف المعنية لأهمية الانتقال السريع من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ العملي، خصوصاً فيما يتعلق بمضيق هرمز الذي تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى إحدى أبرز نقاط التوتر في المنطقة، بعدما تأثرت حركة الملاحة فيه نتيجة الحرب والتصعيد العسكري المتبادل بين واشنطن وطهران.
وتشير المصادر إلى أن أحد أبرز الدوافع وراء البحث في تقديم موعد التوقيع يتمثل في الرغبة بإعادة فتح المضيق قبل الجمعة، خاصة أن قضية الملاحة البحرية تبدو من أكثر الملفات التي شهدت تقارباً واضحاً بين الجانبين خلال المفاوضات الأخيرة. ويعني ذلك أن الوسطاء يسعون إلى تسريع استعادة تدفق السفن التجارية وناقلات النفط، بما ينعكس على استقرار أسواق الطاقة العالمية ويحد من المخاوف المرتبطة بأمن الإمدادات.
وفي موازاة ذلك، برزت خلال الأيام الأخيرة ضغوط سياسية وإعلامية متزايدة للمطالبة بنشر نص مذكرة التفاهم، وهو ما أضاف بعداً جديداً للنقاش الدائر حول توقيت الإعلان الرسمي. غير أن مصادر مطلعة أكدت أن طهران هي التي طلبت تأجيل نشر النص إلى ما بعد مراسم التوقيع الرسمية، في محاولة على ما يبدو لضبط إدارة الملف داخلياً وتجنب أي جدل سياسي قد يسبق إتمام الاتفاق بصورة نهائية.
ورغم الحديث عن احتمال تقديم موعد التوقيع، تؤكد المعطيات المتاحة أن الاجتماع الرئيسي بين الوفدين الأميركي والإيراني سيُعقد كما هو مخطط له في سويسرا يوم الجمعة، بمشاركة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. ويكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة لأنه لا يقتصر على الطابع البروتوكولي للتوقيع، بل يتوقع أن يشكل نقطة انطلاق لمفاوضات أكثر تعقيداً تتعلق بمستقبل البرنامج النووي الإيراني وآليات الرقابة الدولية والتزامات الطرفين في المرحلة المقبلة.
ويبدو أن الاتفاق الحالي يمثل خطوة أولى ضمن مسار أوسع وأطول زمناً، إذ تتجه الأنظار إلى المفاوضات الفنية التي ستعقب التوقيع، والتي ستتناول قضايا حساسة تشمل اليورانيوم عالي التخصيب والعقوبات الاقتصادية والأموال الإيرانية المجمدة والعلاقات الأمنية في المنطقة. ولذلك فإن كثيراً من المراقبين ينظرون إلى مذكرة التفاهم باعتبارها إطاراً سياسياً عاماً أكثر من كونها اتفاقاً نهائياً يحسم جميع الملفات العالقة.
ومن اللافت أن المصادر أكدت أن التوقيع الإلكتروني على المذكرة تم بالفعل خلال الأيام الماضية، ما يثير تساؤلات حول الحاجة إلى مراسم توقيع ثانية. ويعكس هذا الأمر طبيعة الترتيبات السياسية والدبلوماسية المصاحبة للاتفاق، حيث يبدو أن الأطراف تسعى إلى منح التفاهم بعداً سياسياً ورمزياً أوسع من خلال مراسم رسمية تجمع ممثلين رفيعي المستوى أمام المجتمع الدولي.
كما تكشف هذه التطورات عن حجم التحول الذي شهدته العلاقة بين واشنطن وطهران خلال الفترة الأخيرة. فبعد أشهر من المواجهة العسكرية والتهديدات المتبادلة والتوتر في الممرات البحرية، انتقل الطرفان إلى مرحلة التفاوض المباشر والبحث في ترتيبات ما بعد الحرب، وهو تحول لم يكن متوقعاً قبل فترة قصيرة، خصوصاً في ظل الخطاب التصعيدي الذي ساد الجانبين طوال مراحل الأزمة.
ويرى مراقبون أن نجاح الوسطاء الإقليميين والدوليين في دفع الطرفين نحو هذا التفاهم يعكس إدراكاً مشتركاً للمخاطر الاقتصادية والأمنية المترتبة على استمرار الصراع. فالحرب لم تقتصر آثارها على الولايات المتحدة وإيران، بل امتدت إلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما جعل إنهاء التوتر أولوية تتجاوز الحسابات الثنائية الضيقة.
وفي حال تم تقديم موعد التوقيع بالفعل، فإن ذلك سيبعث برسالة سياسية مفادها أن الطرفين حريصان على تثبيت التهدئة سريعاً ومنع أي تطورات ميدانية قد تعرقل المسار الدبلوماسي. كما سيمنح الأسواق الدولية إشارة إيجابية بشأن عودة الاستقرار إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مراسم التوقيع نفسها، بل في قدرة الطرفين على ترجمة التفاهمات الأولية إلى التزامات قابلة للتنفيذ والتحقق. فالتاريخ الطويل من التوتر وانعدام الثقة بين واشنطن وطهران يجعل أي اتفاق عرضة للاختبار منذ لحظة دخوله حيز التنفيذ، خاصة في الملفات المتعلقة بالبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي والعقوبات الاقتصادية.
لهذا تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل الاتفاق ومسار العلاقات بين الجانبين. فبينما تتقدم الترتيبات الخاصة بالتوقيع وإعادة فتح مضيق هرمز، يبقى السؤال الأهم مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء تفاهمات أكثر استقراراً، تضع حداً لإحدى أكثر المواجهات تعقيداً في المنطقة خلال العقود الأخيرة.