تقارير

رسائل المعارضة الإيرانية من باريس..

المعارضة الإيرانية تستثمر اتفاق واشنطن وطهران لإعادة طرح مشروع التغيير

رجوي تراهن على الانتفاضة

حاولت رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مريم رجوي استثمار أجواء التهدئة التي أعقبت التفاهم الأخير بين الولايات المتحدة وإيران لتوجيه رسالة سياسية مزدوجة؛ الأولى إلى الداخل الإيراني مفادها أن النظام خرج من المواجهة أكثر ضعفاً، والثانية إلى المجتمع الدولي للتأكيد أن أي تسوية سياسية أو أمنية لن تعالج جوهر الأزمة الإيرانية ما لم تُفضِ إلى تغيير حقيقي في بنية الحكم.

وجاء خطاب رجوي خلال مؤتمر "إيران الحرة 2026" في باريس محملاً بإشارات واضحة إلى التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، وخاصة الحرب التي وضعت النظام الإيراني أمام تحديات غير مسبوقة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً. وبينما رحبت المعارضة الإيرانية بالتفاهم الذي أوقف التصعيد العسكري، فإنها حرصت على تقديم نفسها باعتبارها الطرف الذي كان يرفض الحرب في الوقت نفسه الذي يرفض استمرار النظام القائم.

وركزت رجوي على الربط بين المشروع النووي الإيراني والسياسات الإقليمية للنظام، معتبرة أن السعي لامتلاك السلاح النووي والتدخل في شؤون دول المنطقة شكلا على مدى عقود جزءاً من استراتيجية بقاء السلطة الدينية الحاكمة. ومن هذا المنطلق سعت إلى تقديم المعارضة الإيرانية باعتبارها الطرف الذي كشف مبكراً كثيراً من الأنشطة النووية السرية، وفي مقدمتها منشآت نطنز وأراك، في محاولة لتأكيد رواية مفادها أن المعارضة كانت لاعباً مؤثراً في منع طهران من الوصول إلى العتبة النووية.

ويعكس الخطاب أيضاً إدراكاً داخل أوساط المعارضة بأن الحرب الأخيرة لم تحقق تغييراً مباشراً في بنية السلطة، لكنها أضعفت كثيراً من ركائزها السياسية والأمنية. ولهذا ركزت رجوي على أن وقف الحرب لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتصاراً للنظام، بل باعتباره بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة السلطة على استخدام التهديدات الخارجية وسيلة لحشد الداخل الإيراني وإخماد الاحتجاجات.

كما سعت رجوي إلى استثمار الجدل المتصاعد داخل مؤسسات الحكم الإيرانية بشأن مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، معتبرة أن الاعتراضات الصادرة من بعض دوائر السلطة تعكس وجود انقسامات متزايدة داخل النظام. وبحسب قراءة المعارضة، فإن هذه الخلافات لا ترتبط فقط ببنود الاتفاق، بل تعكس أزمة أعمق تتعلق بمستقبل النظام نفسه وقدرته على الاستمرار في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات والتراجع المتواصل في شرعيته الشعبية.

وفي جانب آخر من الخطاب، حاولت المعارضة إعادة طرح مشروعها السياسي بديلاً للنظام القائم وللتيارات التي تدعو إلى إعادة إحياء النظام الملكي السابق. فقد أكدت رجوي أن مستقبل إيران لا يجب أن يكون عودة إلى حكم الشاه ولا استمراراً لسلطة ولاية الفقيه، بل انتقالاً نحو جمهورية ديمقراطية تقوم على التعددية السياسية وفصل الدين عن الدولة وإجراء انتخابات حرة خلال فترة انتقالية محددة.

وتأتي هذه الرسائل في وقت تسعى فيه المعارضة الإيرانية إلى تعزيز حضورها الدولي، مستفيدة من تنامي الانتقادات الغربية لسجل طهران في حقوق الإنسان وملف الإعدامات. وقد خصصت رجوي جانباً مهماً من خطابها للحديث عن موجة الإعدامات الأخيرة، معتبرة أنها تعكس حالة خوف داخل النظام من احتمال تجدد الاحتجاجات الشعبية، خصوصاً في ظل استمرار التدهور الاقتصادي واتساع رقعة السخط الاجتماعي.

كما أعادت المعارضة التأكيد على أن المواجهة الأساسية ليست بين إيران والولايات المتحدة، بل بين الشعب الإيراني والنظام الحاكم. ويشكل هذا الطرح أحد أبرز محاور الخطاب السياسي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية منذ سنوات، إذ يسعى إلى نقل مركز النقاش من الصراعات الإقليمية والملفات النووية إلى قضية التغيير الداخلي.

ومن خلال استحضار تجربة "جيش التحرير الوطني الإيراني" ووحدات المقاومة، أرادت رجوي التأكيد أن المعارضة لا تزال تمتلك أدوات تنظيمية وشبكات سياسية داخل البلاد، رغم عقود من الملاحقة الأمنية. كما حمل الخطاب رسالة إلى أنصار المعارضة مفادها أن التغيير لن يأتي عبر تدخل عسكري خارجي، بل من خلال تحركات داخلية منظمة تستفيد من أي تصدع يصيب مؤسسات السلطة.

وتكشف مضامين الخطاب أن المعارضة الإيرانية تنظر إلى الاتفاق الأخير بين واشنطن وطهران من زاوية مختلفة عن كثير من القوى السياسية الأخرى. فبينما ينظر إليه البعض باعتباره فرصة لتخفيف التوتر وإعادة الاستقرار إلى المنطقة، ترى فيه المعارضة مؤشراً على تراجع قدرة النظام على فرض شروطه، واضطراره إلى تقديم تنازلات لم يكن مستعداً لها في مراحل سابقة.

وفي المحصلة، تسعى مريم رجوي إلى توظيف المتغيرات الإقليمية والدولية لإعادة طرح مشروع المعارضة باعتباره الخيار السياسي القادر على ملء أي فراغ محتمل في إيران. ويعكس خطاب باريس محاولة واضحة لتحويل التفاهم الأميركي الإيراني من حدث دبلوماسي يتعلق بالملف النووي والأمن الإقليمي إلى محطة سياسية تؤكد، من وجهة نظر المعارضة، أن أزمة النظام باتت أعمق من أن تعالجها الاتفاقات المؤقتة، وأن مستقبل إيران سيبقى مرتبطاً بقدرة شعبها على فرض تغيير سياسي شامل يطوي صفحة الحكم الديني التي استمرت لعقود.

مأساة في الضالع.. أربعة أطفال قتلى بانفجار لغم من مخلفات الحوثيين


إسرائيل تتمسك بالبقاء في جنوب لبنان وتربط الانسحاب بضمانات أمنية


دراسة: الحوثيون وحركة الشباب.. تحالف الضرورة أم مؤشر على تراجع النفوذ الإيراني؟


مليونية جنوبية ترفع شعار رفض الوصاية السعودية وتدهور الأوضاع المعيشية