تقارير
تطورات الحرب في الساحل الغربي لليمن..
السعودية تحشد قوات الجنوب لتأمين الساحل الغربي و«الإخوان» يراقبون معركة تعز
السعودية تدفع بقوات الجنوب لتحرير الشمال اليمني معادلة مرفوضة جنوباً - أرشيف
تحولت جبهات غرب تعز وجنوب الحديدة خلال الساعات الـ72 الماضية إلى مسرح لأوسع تحرك عسكري تشهده منطقة الساحل الغربي منذ سنوات، بعدما دفعت قوات العمالقة الجنوبية ودرع الوطن بتعزيزات إلى خطوط القتال، وبدأت، إلى جانب المقاومة الوطنية والقوات التهامية، هجوماً مضاداً أوقف اندفاعة الحوثيين وانتقل بالمعركة إلى ريف حيس ومفرق البرح والمناطق الواقعة جنوب مديرية الجراحي.
وكشفت المعارك عن تحول في طريقة إدارة الجبهة، إذ لم يعد القتال محصوراً بين الحوثيين والمقاومة الوطنية في خطوط الساحل، بل انضمت إليه تشكيلات جنوبية جرى استدعاؤها عقب الاختراقات التي حققتها الجماعة في غرب تعز وجنوب الحديدة. وأعلن التلفزيون الرسمي اليمني، مساء الخميس، وصول قوات من ألوية العمالقة ودرع الوطن لدعم جبهتي تعز والحديدة، بالتزامن مع تصاعد القتال على امتداد الساحل، وفق ما ذكرته وكالة انباء الاناضول التركية.
ولا يوجد إعلان سعودي رسمي يقول إن الرياض أمرت بتحريك هذه القوات أو حددت لها مهمة «تحرير تعز»، لكن تركيبة القوة التي وصلت إلى الميدان تجعل الدور السعودي حاضراً في خلفية القرار. فقوات درع الوطن تأسست بدعم مباشر من الرياض، بينما تعمل ألوية العمالقة ضمن الترتيبات العسكرية للقوات المناهضة للحوثيين، ولا يمكن نقل وحدات بهذا الحجم بين المحافظات والجبهات من دون تنسيق سياسي وعسكري مع قيادة التحالف والحكومة المعترف بها دولياً.
لذلك يمكن قراءة ما يجري باعتباره قراراً سعودياً بإسناد الجبهة بواسطة قوات يمنية وجنوبية، لا عودةً سعوديةً معلنةً إلى الحرب. فالرياض لم تعلن استئناف حملة جوية واسعة، ولم تقدم نفسها طرفاً مباشراً في المعارك، لكنها سمحت أو ساعدت في تحريك تشكيلات تمتلك القدرة على القتال الهجومي السريع، بعدما أظهرت الساعات الأولى للهجوم الحوثي هشاشة مواقع تابعة لمحور تعز وصعوبة اعتماد المقاومة الوطنية وحدها على جبهة تمتد من جبل حبشي إلى جنوب الحديدة.
وبدأت الجولة عندما شن الحوثيون هجمات متزامنة على الكدحة ومقبنة وجبل حبشي والبرح وسقم وحيس، تحت غطاء كثيف من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والقصف المدفعي. وتمكنت الجماعة في المرحلة الأولى من اختراق عدد من المواقع في غرب تعز والتوغل في أجزاء من ريف حيس، مستفيدةً من عنصر المفاجأة وتوزيع قوات خصومها بين قيادات وقطاعات متعددة.
وأطلقت الجماعة 14 صاروخاً باليستياً باتجاه المخا والخوخة ومناطق أخرى من الساحل، وفق بيانات القوات الحكومية، كما استخدمت مسيّرات هجومية واستطلاعية وزوارق مفخخة. وقالت المقاومة الوطنية إن قواتها البحرية دمرت زورقين، كان أحدهما متجهاً نحو ميناء المخا والآخر نحو منطقة الفجرة جنوب الخوخة، فيما أسقطت دفاعاتها طائرات مسيّرة في محور البرح.
وأراد الحوثيون، وفق مسار الهجوم، تحقيق هدفين متداخلين. الأول اختراق المرتفعات الواقعة غرب تعز وتهديد طريق الكدحة الذي يربط المدينة بالمخا وعدن، والثاني الضغط على خطوط المقاومة الوطنية في جنوب الحديدة لفتح مسار باتجاه الساحل وباب المندب.
لكن وصول التعزيزات الجنوبية غيّر ميزان المعركة. فقد بدأت المقاومة الوطنية، مسنودةً بوحدات من ألوية العمالقة، هجوماً معاكساً في محوري سقم وجنوب الجراحي، بينما شاركت قوات درع الوطن في دعم عدد من الجبهات المرتبطة بتعز والساحل. وأعلنت العمالقة سيطرتها، ضمن القوات المشتركة، على قرى وجبال ومواقع كانت الجماعة قد تقدمت إليها. وفق ما ذكره موقع برّان برس
وفي حيس، كانت مدينة المديرية خاضعةً للقوات الحكومية منذ سنوات، بينما بقيت أجزاء من ريفها ومناطقها الشمالية والشرقية تحت سيطرة الحوثيين أو ضمن نطاق التماس. ولذلك فإن الإعلان الرسمي عن «تحرير حيس بالكامل» يشير، بصورة أدق، إلى استكمال السيطرة على الأرياف التابعة للمديرية، وليس تحرير مركز المدينة للمرة الأولى.
وقالت وكالة الأنباء اليمنية «سبأ»، نقلاً عن مصدر عسكري، إن القوات الحكومية والمشتركة استعادت بقية المناطق الريفية في حيس وأمّنت المديرية بالكامل، ثم تقدمت نحو مفرق البرح ومواقع تقع باتجاه شمال حيس وجنوب الجراحي..
وتمثل استعادة ريف حيس مكسباً يتجاوز حدود المديرية؛ فهي تؤمّن جانباً من الطريق الساحلي وتدفع خطوط التماس بعيداً عن الخوخة، كما تمنح القوات المشتركة قاعدةً متقدمةً للتحرك باتجاه الجراحي وجبل رأس. وتعد هذه المناطق عقدة ربط بين الساحل ومناطق الداخل التهامي، ومنها تمر طرق تستخدم في نقل المقاتلين والأسلحة والإمدادات الحوثية إلى جبهات جنوب الحديدة وغرب تعز.
وفي محور سقم، قالت المقاومة الوطنية إن قوات الفرقة الثانية خاضت مواجهات في جبال المحرق واستولت على أسلحة، بينها مدفع لإطلاق صواريخ غراد. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي وضربات نفذتها مسيّرات تابعة للمقاومة ضد تعزيزات حوثية في جنوب الجراحي.
أما في محور الجراحي، فقد تجاوز الهجوم المضاد مهمة استعادة المواقع التي فقدت في بداية الجولة، وانتقل إلى الضغط على الدفاعات الحوثية داخل المناطق الجنوبية للمديرية. وتحدثت مصادر ميدانية عن توغل القوات باتجاه أطراف مدينة الجراحي، لكن هذه الروايات لم تؤكدها بصورة مستقلة جهات محايدة، في حين قالت مصادر عسكرية إن القوات الحكومية عززت مواقعها بين حيس والجراحي وواصلت الاشتباك على المحاور المفتوحة.
وتشير الوقائع المؤكدة إلى أن القوات الجنوبية والمقاومة الوطنية اقتربت من الجراحي ووسعت نطاق سيطرتها شمال حيس، لكن الحديث عن السيطرة على مدينة الجراحي ما يزال سابقاً لأوانه. فالجماعة دفعت بتعزيزات إضافية إلى المنطقة، وما تزال تملك شبكات إمداد ومواقع دفاعية في الأراضي الزراعية والتجمعات الممتدة نحو زبيد.
وفي مفرق البرح، استعادت القوات الحكومية والمشتركة مواقع كانت موضع اشتباك، ثم توغلت باتجاه تمركزات الحوثيين. وتكمن أهمية المنطقة في أنها تصل بين مقبنة وحيس والمخا، وتتيح لمن يسيطر على مرتفعاتها مراقبة حركة القوات والإمدادات بين تعز والساحل.
وإذا نجحت القوات المشتركة في تثبيت سيطرتها على مفرق البرح والمرتفعات المحيطة به، فستتمكن من تخفيف الضغط عن طريق الكدحة وحماية الخاصرة الشرقية للمخا. أما إذا عاد الحوثيون إلى تلك المواقع، فسيحتفظون بالقدرة على تهديد الطريق وتعطيل حركة الإمداد بين مدينة تعز والميناء.
وفي غرب تعز، استعادت القوات الحكومية خلال الهجوم المضاد تبة الخزان والمكاحنة وقرية الجنان وجبل نعمان في عزلة الشراجة بمديرية جبل حبشي، وهي مواقع كان الحوثيون قد تقدموا إليها خلال الساعات الأولى. كما تواصلت المعارك في مقبنة والكدحة، في وقت حافظ فيه الحوثيون على الضغط المدفعي ومحاولات التسلل.
وتؤكد استعادة هذه المواقع أن روايات النفي الأولية، التي تحدثت عن عدم سقوط أي نقطة، لم تكن دقيقةً. فقد حقق الحوثيون اختراقاً ميدانياً محدوداً في قطاعات تابعة لمحور تعز، قبل أن يستعيد الجيش معظمها بعد وصول التعزيزات وتدخل الطيران والمسيّرات والمدفعية.
وفي جنوب شرقي تعز، فتحت القوات الحكومية محوراً موازياً في حيفان، وسيطرت على مرتفعات سعيد طه وذيبان ومواقع في المفاليس. ويهدف هذا التحرك إلى الضغط على طرق الإمداد الحوثية بين جنوب تعز والمناطق المحاذية لمحافظة لحج، وإجبار الجماعة على توزيع قواتها بين جبهات متباعدة.
ويكشف انتشار العمالقة ودرع الوطن على هذا القوس العسكري الواسع أن المهمة لا تقتصر على وقف الهجوم الحوثي في موقع بعينه. فالتحرك يسعى إلى حماية الساحل وتأمين الممرات المتصلة بتعز ومنع الجماعة من الوصول إلى نقاط إشراف تمنحها قدرةً ناريةً على طريق المخا أو مناطق أقرب إلى باب المندب.
وتحمل مشاركة العمالقة دلالةً خاصةً؛ فهذه القوات اكتسبت خبرةً في العمليات الهجومية خلال معارك الساحل وشبوة ومأرب، وتتميز بقيادة أكثر تماسكاً وسرعة في الحشد مقارنةً بوحدات عسكرية حكومية أخرى. كما أن تركيبتها الجنوبية تجعل الدفع بها إلى تعز والحديدة عودةً إلى نموذج سبق استخدامه في مواجهة الحوثيين: الاستعانة بقوات جنوبية لفك انسداد جبهات تديرها قوى شمالية لم تحقق تقدماً حاسماً.
أما قوات درع الوطن، فإن مشاركتها تكشف انتقالها من وظيفة ضبط التوازنات داخل الجنوب وحماية مواقع ومؤسسات مرتبطة بالحكومة والتحالف إلى دور قتالي مباشر ضد الحوثيين. وقد يعني ذلك أن الرياض بدأت إعادة تعريف مهام هذه القوات، بعدما أنفقت على بنائها وتسليحها، لتصبح قوة تدخل يمكن تحريكها بين الجبهات.
غير أن هذا التحول يثير تساؤلات بشأن سبب تأخر توجيه هذه القدرات نحو الحوثيين، في حين استخدمت تشكيلات مدعومة سعودياً خلال مراحل سابقة في إعادة ترتيب موازين القوة داخل المحافظات الجنوبية. فانتقال درع الوطن اليوم إلى جبهات تعز والساحل يؤكد أن استخدامها ضد الحوثيين كان ممكناً، لكنه لم يكن الأولوية دائماً.
وفي الجانب الآخر، بدا حزب التجمع اليمني للإصلاح أقل حضوراً من حجم نفوذه في تعز. فالحزب يسيطر عبر قيادات محسوبة عليه على أجزاء واسعة من مؤسسات السلطة المحلية ومحور تعز، لكنه لم يقد حملة تعبئة سياسية أو عسكرية تتناسب مع خطورة الهجوم على المحافظة.
ولا يعني ذلك أن جميع وحدات محور تعز بقيت خارج المعركة؛ فقد قاتلت تشكيلات تابعة للمحور في مقبنة وجبل حبشي والكدحة، وسقط منها قتلى وجرحى. لكن المفارقة تتمثل في أن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وتأمين الساحل واستعادة ريف حيس، ارتبط بصورة أساسية بالمقاومة الوطنية والعمالقة والقوات التهامية، مع إسناد من درع الوطن، أكثر من ارتباطه بقوات الحزب الذي يقدم تعز بوصفها معقله السياسي والعسكري.
ومن هنا، فإن وصف الإصلاح بأنه «على الحياد» يحتاج إلى تمييز بين مستويين. ميدانياً، شاركت وحدات محسوبة على محور تعز في القتال ولا يمكن إنكار خسائرها أو دورها الدفاعي. لكن سياسياً وتنظيمياً، لم يظهر الحزب بوصفه طرفاً يقود المعركة، وظلت منصاته وقياداته أكثر تحفظاً تجاه الهجوم المضاد واتساع مشاركة القوات الجنوبية.
كما ظهرت أصوات قريبة من الإصلاح تنتقد توجيه التعزيزات نحو الساحل أو تتهم مجلس القيادة والمقاومة الوطنية بتجاهل بعض قطاعات تعز. وروجت وسائل إعلام حوثية روايات عن انسحاب الحزب من المعركة، لكنها اعتمدت إلى حد كبير على منشورات ومواقف فردية، ولا يوجد إعلان رسمي موثوق من الإصلاح يفيد بانسحابه.
ومع ذلك، يظل الحذر الإخواني مفهوماً في سياق صراع النفوذ. فتقدم العمالقة والمقاومة الوطنية ودرع الوطن داخل نطاق تعز والحديدة يخلق واقعاً عسكرياً جديداً لا يسيطر عليه الحزب، وقد يحد مستقبلاً من احتكاره للقرار الأمني والعسكري في المحافظة.
ويرى الإصلاح أن وجود قوات منافسة قرب تعز قد يتحول، بعد انتهاء معركة الحوثيين، إلى عامل يعيد رسم خريطة النفوذ داخل المحافظة. ولذلك يجد الحزب نفسه بين خيارين صعبين: الانخراط الكامل في معركة تقوي خصومه داخل المعسكر الحكومي، أو الاكتفاء بدور دفاعي محدود يعرضه لاتهامات بالحياد وترك القوات الجنوبية تقاتل نيابةً عنه.
أما السعودية فتتعامل مع المعركة من زاوية مختلفة. فالتهديد الحوثي لم يعد محصوراً بمدينة تعز أو أجزاء من الحديدة، بل اقترب من شبكة الطرق التي تحمي المخا وباب المندب. كما تزامن التصعيد مع اضطراب واسع في مضيق هرمز وارتفاع أهمية البحر الأحمر مساراً بديلاً لنقل النفط والتجارة.
وأصبحت حماية باب المندب مصلحةً سعوديةً مباشرةً، لا التزاماً تجاه الحكومة اليمنية فقط. وإذا تمكن الحوثيون من تحسين مواقعهم قرب المضيق، فسيصبحون قادرين على الجمع بين الضغط على طرق النفط السعودية والتهديد المباشر للملاحة، وهو ما يفسر سرعة الدفع بتعزيزات من العمالقة ودرع الوطن بعد الاختراقات الأولى.
لكن الرياض لا تبدو راغبةً في العودة إلى واجهة الحرب. فلم يصدر إعلان سعودي عن قيادة العمليات، ولم تُنسب الغارات الجوية رسمياً إلى سلاح الجو الملكي السعودي. وقدمت الحكومة الهجمات الجوية باعتبارها عمليات نفذها الطيران اليمني، فيما بقيت المملكة في موقع الداعم الذي يدير التحرك من الخلف ويحاول تجنب رد حوثي مباشر على أراضيه.
وهذه الصيغة تمنح السعودية هامشاً للمناورة؛ فهي تستطيع إيقاف تقدم الحوثيين بواسطة قوات محلية مدعومة منها، مع الإبقاء على قنوات التفاوض وعدم إعلان انهيار تفاهمات خفض التصعيد. لكنها تنقل الكلفة البشرية إلى القوات اليمنية، وفي مقدمتها التشكيلات الجنوبية التي عادت إلى القتال في جبهات شمالية بعد سنوات من الحديث عن إعادة هيكلة القوات وتوحيدها.
وخلال أربعة أيام من المواجهات، قُتل عدد كبير من المقاتلين والمدنيين. وأفادت تقارير دولية بمقتل ما يقارب 180 مقاتلاً حتى الخامس من سبتمبر، فيما سقط مدنيون في قصف استهدف طريقاً وحافلة ومواقع قرب المخا وتعز. ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من حصيلة الخسائر التي يعلنها الطرفان، لكن ضغط المستشفيات واتساع رقعة الدفن والنزوح يعكسان شدة المعركة.
كما نزحت مئات الأسر من أرياف المعافر ومقبنة وجبل حبشي وحيس، وتحدثت تقديرات محلية عن تجاوز عدد النازحين 900 أسرة خلال يومين. ويواجه الفارون نقصاً في المأوى والغذاء والمياه، فيما بقيت عائلات أخرى عالقةً قرب خطوط القتال أو في مناطق يصعب الوصول إليها.
وتهدد المواجهات بقطع طريق الكدحة، أحد الشرايين الحيوية بين تعز والمناطق الجنوبية، ما قد يعيد شبح الحصار ويرفع أسعار الغذاء والوقود داخل المدينة. كما أن استمرار القصف على المخا والخوخة يهدد حركة المدنيين والنشاط التجاري في مدن الساحل.
ويحاول الحوثيون، من جهتهم، تقديم المعركة باعتبارها مواجهةً مع السعودية، وليس حرباً ضد خصوم يمنيين. وقال عضو المكتب السياسي للجماعة محمد البخيتي إن العمليات الحوثية تستهدف الرياض، وإن القوات الموجودة في الساحل وتعز تحركت لمصلحتها. لكن الواقع الميداني يظهر أن القتال يدور بين تشكيلات يمنية، وأن المدنيين اليمنيين يتحملون جانباً من كلفته.
وتخدم هذه الرواية الحوثية هدفاً سياسياً واضحاً، فهي تنزع عن القوات المناهضة للجماعة صفتها المحلية وتصفها بأنها أدوات سعودية، ثم تستخدم ذلك لتبرير مهاجمة تعز والحديدة. كما تربط الجماعة العمليات بمحاولة إنهاء ما تسميه الحصار، مع أن تحركها البري يسعى بوضوح إلى تغيير خطوط السيطرة.
وتشير طبيعة الأسلحة المستخدمة إلى أن الحوثيين كانوا يخططون لعملية أوسع من مجرد اختبار دفاعات خصومهم. فالجمع بين الصواريخ الباليستية والمسيّرات والزوارق المفخخة والأنساق البرية المتعاقبة يهدف إلى إرباك الدفاعات وتحقيق اختراق سريع قبل وصول التعزيزات.
لكن سرعة وصول العمالقة ودرع الوطن، ثم انتقال المقاومة الوطنية إلى الهجوم المعاكس، منعت الجماعة من تثبيت معظم مكاسبها. وبعد أربعة أيام أصبحت القوات المشتركة هي الطرف المتقدم في ريف حيس ومحور سقم وجنوب الجراحي، بينما تحولت قوات الحوثيين من الهجوم إلى محاولة وقف الاندفاع وتأمين طرق الإمداد.
ولا يعني ذلك أن معركة الساحل حُسمت. فما تزال الجراحي تحت سيطرة الحوثيين، وتمتلك الجماعة مواقع وتحصينات في المناطق الزراعية وجبل رأس والمناطق الممتدة شمال حيس. كما تستطيع العودة إلى استخدام الصواريخ والمسيّرات لاستهداف المخا والخوخة وعرقلة تثبيت القوات في المواقع الجديدة.
ويعتمد نجاح الهجوم المضاد على قدرة القوات المشتركة على الانتقال من التقدم السريع إلى تأمين الأرض، ونزع الألغام، وحماية طرق الإمداد، ومنع الهجمات الالتفافية. كما يتوقف على استمرار التنسيق بين المقاومة الوطنية والعمالقة ودرع الوطن والقوات التهامية، وهي تشكيلات تختلف في قياداتها ومرجعياتها السياسية.
وإذا توقفت العملية عند تأمين حيس ومفرق البرح، فستكون قد حققت هدفاً دفاعياً مهماً بإبعاد الحوثيين عن المخا والطريق الرابط بتعز. أما إذا استمرت باتجاه الجراحي وزبيد، فستدخل مرحلةً مختلفةً تتطلب قراراً سياسياً وإقليمياً، وقد تعيد فتح ملف اتفاق ستوكهولم الذي أوقف معركة الحديدة عام 2018.
ويظل السؤال الأهم هو ما إذا كانت السعودية تريد تحرير تعز وجنوب الحديدة فعلاً، أم أنها تسعى فقط إلى إعادة الحوثيين إلى خطوط تمنعهم من تهديد باب المندب. فحتى الآن، تشير طبيعة الحشد إلى عملية احتواء وردع أكثر من كونها خطةً معلنةً لاستعادة المحافظة أو التقدم نحو مدينة الحديدة.
كما أن الرياض قد تجد نفسها، بعد تثبيت الجبهة، أمام ضغوط دولية لوقف التقدم والعودة إلى التهدئة، خصوصاً إذا اقتربت المعارك من الموانئ أو هددت بتوسيع الأزمة الإنسانية. وقد سبق للمجتمع الدولي أن أوقف تقدم القوات المشتركة نحو الحديدة عندما كانت الجماعة تحت ضغط عسكري كبير، من دون أن تُستكمل ترتيبات تضمن نزع التهديد عن الساحل.
لهذا تخشى قيادة المقاومة الوطنية أن يتكرر السيناريو نفسه: تتكبد القوات خسائر كبيرة وتستعيد مواقع مهمة، ثم يأتي الضغط السياسي لتجميد المعركة عند خط جديد يسمح للحوثيين بإعادة بناء قدراتهم والاستعداد لجولة لاحقة.
وتكشف الساعات الـ72 الماضية ثلاث نتائج أولية. الأولى أن الحوثيين ما زالوا قادرين على فتح جبهة واسعة واستخدام منظومة مركبة من الصواريخ والمسيّرات والهجمات البرية والبحرية. والثانية أن العمالقة والمقاومة الوطنية تستطيعان قلب مسار المعركة متى توافر القرار والإسناد والتنسيق. والثالثة أن حزب الإصلاح لم يعد الطرف الوحيد القادر على التحكم بمصير تعز العسكري، رغم احتفاظه بنفوذ واسع داخل مؤسساتها.
أما السعودية، فقد عادت إلى الجبهة عبر قوات يمنية، معظم ثقلها الهجومي جنوبي، من دون أن تعلن عودتها إلى الحرب. وهذه المقاربة قد تنجح في صد الحوثيين وتأمين الساحل مؤقتاً، لكنها لن تؤسس لتوازن مستقر ما لم تتحول إلى استراتيجية واضحة تحدد الهدف السياسي والعسكري من القتال.
فالاستعانة بقوات الجنوب كلما انهارت جبهة، ثم إعادتها إلى مواقعها بعد انتهاء الخطر، لا تعالج اختلال بنية الجيش الحكومي ولا تنهي الصراع على القرار داخل تعز. كما أنها تضع القوات الجنوبية أمام كلفة بشرية جديدة، بينما تبقى القوى التي تهيمن سياسياً على المحافظة في موقع المتفرج أو الشريك المحدود.
وحتى مساء الأحد، حافظت القوات المشتركة على مكاسبها في ريف حيس ومفرق البرح ومحور سقم، وواصلت الضغط جنوب الجراحي، فيما بقيت معارك الكدحة ومقبنة مشتعلةً بدرجات متفاوتة. ولم تظهر مؤشرات مؤكدة على انهيار دفاعات الحوثيين في الجراحي، كما لم تتوقف الجماعة عن دفع التعزيزات واستخدام الطائرات المسيّرة.
وبذلك انتقلت المعركة من مرحلة صد الهجوم الحوثي إلى سباق على تثبيت خريطة جديدة. تريد المقاومة الوطنية والعمالقة دفع التهديد بعيداً عن المخا وباب المندب، بينما يسعى الحوثيون إلى منع خسارة جنوب الحديدة والاحتفاظ بقدرتهم على خنق طريق تعز.
أما الإصلاح، فيراقب تمدد قوات منافسة له داخل مجال يعتبره جزءاً من نفوذه، ويشارك عبر وحدات محور تعز في الدفاع، لكنه لم يتحول إلى رأس حربة في الهجوم. وبين الطرفين تدير السعودية معركةً بأدوات محلية، هدفها العاجل حماية الساحل والمضيق، فيما يبقى تحرير تعز هدفاً أكبر لم تتضح بعد حدود الالتزام السعودي به.