الاقتصاد

القاهرة أمام بوابة الخطر..

سقوط ميون بيد الحوثيين يضع قناة السويس أمام خسائر جديدة

KHALED DESOUKI/AFP via Getty Images

القاهرة

حذر السفير أشرف عقل، سفير مصر السابق لدى اليمن، من تداعيات تقدم الحوثيين في الساحل الغربي ووصولهم إلى جزيرة ميون، معتبراً أن التطورات تضع الملاحة الدولية وقناة السويس والاقتصاد المصري أمام اختبار جديد في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية للتجارة وإمدادات الطاقة.

وقال عقل، في تصريحات لصحيفة «المصري اليوم»، إن الخطر لا يتوقف عند احتمال فرض سيطرة عسكرية مباشرة على مضيق باب المندب، بل يمتد إلى قدرة الحوثيين على تهديد السفن ورفع مستوى المخاطر المحيطة بحركتها، بما يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر.

وتكتسب تحذيراته أهمية إضافية بعد سيطرة الحوثيين على مدينة المخا الساحلية وذباب وجزيرتي زقر وميون، وفقاً لمصادر يمنية وتقارير دولية. ويمنح هذا التقدم الجماعة موطئ قدم عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بعدما كانت تعتمد في هجماتها البحرية السابقة على الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة المنطلقة من مناطق أبعد إلى الشمال.

لكن الوصول إلى ميون لا يعني، من الناحية العسكرية، أن الحوثيين أصبحوا قادرين تلقائياً على إغلاق باب المندب أو التحكم الكامل في السفن العابرة. فالمضيق ينقسم حول الجزيرة إلى قناتين، ويظل الممر الغربي الأوسع مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، كما تنتشر في المنطقة قوات بحرية تابعة لدول عدة.

ومع ذلك، لا تحتاج الجماعة إلى إغلاق المضيق فعلياً لإلحاق ضرر اقتصادي واسع. يكفي نشر أسلحة ساحلية أو تنفيذ هجمات متفرقة وإصابة سفينة واحدة حتى ترتفع أقساط التأمين وتعيد شركات الملاحة تقييم مخاطر المرور. وفي صناعة النقل البحري، يمكن لتحذير أمني أو هجوم محدود أن يؤدي إلى نتائج اقتصادية تفوق حجمه العسكري.

وتشير تقديرات دولية إلى أن باب المندب تمر عبره شحنات تعادل نحو سبعة بالمئة من إنتاج النفط العالمي، فضلاً عن كميات كبيرة من الحاويات والبضائع المتجهة بين آسيا وأوروبا. وأدت الهجمات الحوثية التي بدأت أواخر عام 2023 إلى تحويل شركات كبرى سفنها نحو رأس الرجاء الصالح، قبل أن تؤدي التطورات الأخيرة إلى تجدد المخاوف من اضطراب طويل الأمد في الممر. رويترز

وتظهر التجربة السابقة أن السيطرة القانونية أو العسكرية الكاملة على المضيق ليست شرطاً لتعطيل التجارة. فقد تراجعت حركة السفن في البحر الأحمر بنسب كبيرة عندما بدأ الحوثيون استهداف السفن، رغم عدم وجودهم آنذاك في ميون أو المخا. أما تمركزهم حالياً بالقرب من خط العبور، فيخفض المسافة بين منصات النيران والأهداف البحرية ويمنحهم قدرة أكبر على المراقبة والضغط.

وقال عقل إن صندوق النقد الدولي وثق انخفاض حركة التجارة عبر قناة السويس بأكثر من 50 بالمئة خلال المرحلة الأولى من أزمة البحر الأحمر، مقابل ارتفاع عدد السفن التي اختارت الالتفاف حول إفريقيا. ويعني هذا التحول إضافة آلاف الكيلومترات إلى الرحلات بين آسيا وأوروبا، وزيادة استهلاك الوقود ومدة التسليم وتكاليف تشغيل السفن والتأمين على الشحنات.

وتتحمل مصر جزءاً مباشراً من هذه الكلفة. فقناة السويس ليست ممراً تجارياً دولياً فقط، وإنما مصدر رئيسي للنقد الأجنبي للخزانة المصرية، وأي انخفاض في أعداد السفن العابرة يضغط على الإيرادات الدولارية في وقت تواجه فيه البلاد التزامات خارجية واحتياجات مرتفعة إلى تمويل الواردات.

كما يؤدي اضطراب الملاحة إلى تأثير غير مباشر في السوق المصرية عبر ارتفاع تكاليف استيراد المواد الخام والغذاء ومستلزمات الإنتاج، وقد تنتقل هذه الزيادة إلى أسعار المستهلكين. وبذلك لا تبقى معركة الساحل الغربي شأناً يمنياً داخلياً، بل تتحول نتائجها إلى عامل مؤثر في التضخم والتجارة والعملة داخل مصر.

وأشار عقل إلى الأهمية الموازية لخط أنابيب «سوميد»، الذي ينقل النفط بين خليج السويس والبحر المتوسط. غير أن الخط يوفر بديلاً جزئياً لناقلات النفط ولا يستطيع تعويض قناة السويس في تجارة الحاويات والبضائع العامة. كما أن الاستفادة منه تظل مرتبطة بوصول الناقلات إلى البحر الأحمر واجتيازها المنطقة المحيطة بباب المندب.

وتزداد خطورة هذا الانكشاف مع اضطراب مضيق هرمز وتعرض خط أنابيب النفط السعودي شرق–غرب لهجمات أدت إلى توقفه مؤقتاً. فقد صُمم الخط لتوفير منفذ بديل عن هرمز إلى البحر الأحمر، لكن تصاعد التهديد الحوثي قرب باب المندب يضع طرفاً آخر من شبكة صادرات الطاقة تحت الضغط، ويقيد جدوى البدائل التي أُنشئت لتجاوز الاختناقات البحرية. رويترز

وبالنسبة إلى القاهرة، فإن تزامن التوتر في هرمز وباب المندب يمثل السيناريو الأكثر كلفة. فاضطراب الممر الأول يرفع أسعار النفط والغاز، بينما يقلص اضطراب الثاني حركة السفن عبر قناة السويس. وفي هذه الحالة تواجه مصر ارتفاع فاتورة الطاقة وتراجع إيرادات القناة في الوقت نفسه، فضلاً عن زيادة أسعار النقل والتأمين.

ودعا عقل إلى تحرك دبلوماسي مصري يهدف إلى فصل أمن الملاحة عن الصراع السياسي والعسكري في اليمن، والدفع نحو تفاهم يضمن عدم استهداف السفن التجارية، بالتوازي مع وقف التصعيد وتهيئة الظروف لاستئناف التسوية السياسية.

وتبدو فكرة الهدنة البحرية جذابة للقاهرة ولشركات الشحن، لكنها تواجه عقبات عملية وسياسية. فالتصعيد في البحر الأحمر ارتبط منذ بدايته بالحروب الإقليمية وبحسابات إيران وحلفائها، ولم يكن ملفاً يمنياً منفصلاً. كما أن الحوثيين ينظرون إلى قدرتهم على تهديد الملاحة بوصفها إحدى أهم أوراقهم العسكرية والتفاوضية، ولذلك يصعب تصور تخليهم عنها من دون مقابل سياسي وأمني.

وتحتاج أي هدنة قابلة للتطبيق إلى تحديد السفن المشمولة بالحماية، وآلية للتحقق من الالتزام، وضمانات تمنع استخدام الموانئ والجزر لأغراض هجومية. كما تتطلب طرفاً قادراً على مراقبة الانتهاكات وفرض كلفة على الجهة التي تخرق الاتفاق. ومن دون هذه العناصر، قد تتحول الهدنة إلى غطاء يثبت المكاسب الحوثية على الساحل من دون إزالة التهديد.

ويصعب كذلك فصل أمن المضيق عن مستقبل القوات المسيطرة على ضفتيه اليمنية. فقد جاء التقدم الحوثي بعد انهيار مواقع المقاومة الوطنية وتراجع القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية، وسط انقسامات داخل المعسكر المناهض للجماعة وغياب قيادة عسكرية موحدة.

ويشير ذلك إلى أن الخلل الذي وصل صداه إلى قناة السويس بدأ من البر اليمني. فقد أدى تفكيك التحالفات المحلية وتعارض الحسابات السعودية مع القوى الجنوبية المدعومة سابقاً من الإمارات إلى إضعاف الترتيبات العسكرية التي كانت تؤمن الساحل وباب المندب. وحين انهارت تلك الترتيبات، انتقلت الكلفة من جبهة يمنية مهملة إلى ممر دولي يرتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي المصري.

وتقول مصادر إقليمية إن الدعم الإيراني بالأسلحة والمشورة العملياتية أسهم في نجاح الهجوم الحوثي على المخا والساحل. وتنفي طهران إصدار أوامر مباشرة للجماعة، لكن التوقيت يمنح إيران ورقة إضافية في وقت تواجه فيه ضغوطاً حول مضيق هرمز وحرباً ممتدة مع الولايات المتحدة. 

ولا تملك مصر بمفردها أدوات كافية لإعادة ضبط هذه المعادلة. لكنها تستطيع استخدام علاقاتها مع السعودية وسلطنة عمان ودول الخليج والقوى اليمنية الجنوبية والولايات المتحدة لطرح مبادرة تجمع بين التهدئة البحرية والترتيبات الأمنية على الأرض، بدلاً من اختزال الأزمة في تعهد حوثي غير مضمون بعدم استهداف السفن.

كما يمكن للقاهرة الدفع نحو إطار دولي تكون فيه المنظمة البحرية الدولية والأمم المتحدة طرفين في مراقبة حركة الملاحة، مع الاحتفاظ بحق الدول في حماية السفن التجارية وفقاً للقانون الدولي. ويتطلب ذلك تفريقاً واضحاً بين حماية المرور البحري وبين منح أي طرف شرعية للسيطرة بالقوة على الجزر والموانئ اليمنية.

والتجارب السابقة لا تمنح الضربات الجوية وحدها فرصة كبيرة للحسم. فقد تعرض الحوثيون لحملات جوية سعودية وأمريكية على مدى سنوات، من دون القضاء على قدراتهم الصاروخية والمسيّرة. لكن الدبلوماسية غير المدعومة بردع عسكري وترتيبات برية متماسكة قد تمنح الجماعة وقتاً لتحويل ميون والمخا إلى قواعد دائمة.

لذلك يحتاج الدور المصري الذي وصفه عقل بأنه «صمام أمان» إلى مسارين متوازيين: الأول عاجل يضمن استمرار الملاحة ويخفض مخاطر استهداف السفن، والثاني سياسي وأمني يمنع تثبيت السيطرة الحوثية على باب المندب باعتبارها أمراً واقعاً.

وفي غياب مثل هذا المسار، ستظل شركات الملاحة تتخذ قراراتها على أساس الخطر لا على أساس البيانات السياسية. وقد لا يغلق الحوثيون المضيق، لكن مجرد امتلاكهم القدرة على إطلاق النار باتجاهه يكفي لإبعاد السفن عن قناة السويس وتحميل الاقتصاد المصري فاتورة حرب لم يكن طرفاً مباشراً فيها.

وتكشف التطورات أن أمن قناة السويس يبدأ فعلياً من ميون والساحل الغربي لليمن. وكلما طال بقاء المضيق تحت تهديد جماعة مسلحة مرتبطة بصراع إقليمي أوسع، تقلصت قدرة القاهرة على التعامل مع الأزمة باعتبارها اضطراباً مؤقتاً، وتحولت حماية الملاحة إلى أولوية تمس الأمن القومي المصري وموقع البلاد داخل منظومة التجارة العالمية.

الانتقالي يحمل السعودية مسؤولية انهيار الجبهات ويحذر الحوثيين من التقدم جنوباً


الحوثيون يسيطرون على باب المندب والسعودية تدفع ثمن تفكيك حلفائها


تقرير أمريكي: السعودية فككت التحالف المناهض لإيران فسيطر الحوثيون على باب المندب


البحرين تقاطع حوار هرمز وتضع شروطاً قانونية في مواجهة إيران