ترجمة

الجنوب يعيد رسم موقفه..

الانتقالي يحمل السعودية مسؤولية انهيار الجبهات ويحذر الحوثيين من التقدم جنوباً

السعودية لا تزال تتعامل مع المجلس الانتقالي باعتباره خصماً سياسياً وتسعى إلى إضعاف نفوذه في عدن وحضرموت وشبوة - أرشيف

عدن

 حمّل مسؤول بارز في المجلس الانتقالي الجنوبي السلطات السعودية مسؤولية التراجعات العسكرية التي أتاحت للحوثيين الوصول إلى المخا وجزيرة ميون، قائلاً إن القوات التابعة للرياض انشغلت بمحاصرة المجلس وإضعاف القوات الجنوبية بدلاً من توجيه قدراتها نحو الجبهات التي كانت تتعرض لضغط متصاعد من الجماعة المدعومة من إيران.

وقال عمرو البيض، ممثل رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي للشؤون الخارجية، إن التنسيق الميداني الذي جمع في السابق التشكيلات المناهضة للحوثيين انحرف عن مساره بسبب صراعات داخلية أججتها، وفق تعبيره، «أطراف الوصاية»، ما أوجد فراغاً عسكرياً استفادت منه الجماعة لتوسيع نطاق سيطرتها في غرب تعز والساحل المطل على البحر الأحمر.

وأضاف البيض، في تصريحات نقلتها صحيفة «4 مايو» وأعادت نشرها وكالة الأنباء الألمانية، أن القيادة الجنوبية تتابع بقلق التطورات واحتمال اندفاع الحوثيين نحو أراضي الجنوب، مؤكداً أن القوات المسلحة الجنوبية مستعدة للدفاع عن الأرض وحماية أمنها في مواجهة أي تهديد.

وتعكس تصريحات البيض محاولة لرسم حدود جديدة لموقف المجلس من الحرب بعد التحولات التي شهدها الجنوب منذ يناير/كانون الثاني الماضي. فالمجلس لا يعلن عودته إلى التحالف العسكري الذي تقوده السعودية، لكنه يؤكد أن أي محاولة حوثية لعبور الحدود التاريخية للجنوب ستواجه برد عسكري، بصرف النظر عن الخلاف القائم مع الرياض أو موقف السلطات اليمنية المحلية الموالية لها.

ويأتي هذا الموقف بعد تقدم حوثي واسع انتهى بالسيطرة على المخا وذباب وجزيرة ميون، وفق مصادر يمنية وتأكيدات متقاطعة من مسؤولين تابعين للحوثيين والسلطات المعترف بها دولياً. وتضع هذه المكاسب الجماعة عند أحد أهم الممرات البحرية العالمية، بعدما أصبحت تسيطر على مساحة متصلة من الساحل الغربي تمتد من شمال الحديدة إلى مشارف باب المندب.

وأكدت وكالة «أسوشيتد برس» سيطرة الحوثيين على ميون، المعروفة أيضاً باسم جزيرة بريم، نقلاً عن مسؤول عسكري يمني رفيع ومسؤول حوثي. وأشارت إلى أن وصول الجماعة إلى الجزيرة يرفع مستوى التهديد المحيط بالملاحة في باب المندب، بعد انخفاض حركة السفن في البحر الأحمر بنحو 60 بالمئة منذ بدء الهجمات البحرية أواخر عام 2023. وفق أسوشيتد برس

ولا يعني وجود الحوثيين في الجزيرة امتلاكهم سيطرة قانونية أو عسكرية مطلقة على المضيق، لكنه يمنحهم موقعاً متقدماً لمراقبة حركة السفن ونشر أسلحة قصيرة المدى بالقرب من خطوط الملاحة. كما يزيد قدرتهم على فرض كلفة أمنية واقتصادية حتى من دون محاولة إغلاق الممر بالكامل.

ويرى المجلس الانتقالي أن الانهيار لم يبدأ مع الهجوم الحوثي الأخير، وإنما يعود إلى القرارات السعودية التي أعادت تشكيل المشهد العسكري في الجنوب مطلع العام. فقد استهدفت الرياض القوات الجنوبية التي كانت تؤدي أدواراً في مكافحة التنظيمات المتطرفة وتأمين حضرموت والساحل، قبل أن تدفع بتشكيلات يمنية محلية موالية لها لبسط نفوذها على المحافظات الجنوبية والشرقية.

وأدى ذلك إلى تفكيك شبكة عسكرية كانت، على الرغم من اختلاف ولاءاتها، توفر ثقلاً ميدانياً في مواجهة الحوثيين. كما فُصلت جبهات الساحل عن عمقها الجنوبي، وتراجعت مستويات التنسيق بين المقاومة الوطنية وألوية العمالقة الجنوبية وبقية التشكيلات التي شاركت في المعارك السابقة.

وبحسب قراءة البيض، فإن توجيه الموارد والجهد العسكري نحو الصراع مع المجلس الانتقالي أضعف الجبهات المفتوحة أمام الحوثيين. ويستند هذا الطرح إلى أن القوات الجنوبية والمقاومة الوطنية لعبت الدور الأبرز في طرد الجماعة من عدن ولحج والضالع وأجزاء من الساحل الغربي، في حين بقيت جبهات خاضعة لقوى محسوبة على حزب التجمع اليمني للإصلاح في حالة جمود أو تراجع.

غير أن تحديد المسؤولية الكاملة عن خسارة المخا يحتاج إلى تحقيق عسكري مستقل؛ إذ تداخلت في الانهيار عوامل عدة، من بينها ضعف القيادة والسيطرة، وتعدد غرف العمليات، وغياب الغطاء الجوي الكافي، ونجاح الحوثيين في استخدام التضاريس الجبلية للوصول إلى المرتفعات المطلة على الساحل.

كما استفادت الجماعة من دعم إيراني بالأسلحة والمعلومات والمشورة العملياتية، وفق مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية تحدثت إلى «رويترز». وقالت المصادر إن ضباطاً في الحرس الثوري شاركوا في توجيه الهجوم، بينما تنفي طهران إدارة التحركات الحوثية بصورة مباشرة.

ويشير اتساع التقدم خلال فترة قصيرة إلى أن الأزمة داخل المعسكر المناهض للحوثيين تجاوزت مسألة نقص السلاح. فقد امتلكت التشكيلات المنتشرة في الساحل أعداداً كبيرة من المقاتلين ومخازن أسلحة ومواقع دفاعية، لكنها افتقرت إلى مركز قيادة قادر على إدارة الانسحاب والتعزيز والهجوم المضاد بوصفها جبهة واحدة.

وفي المقابل، تحرك الحوثيون وفق خطة عمليات مترابطة جمعت بين الضغط على محور تعز الغربي والتقدم نحو المخا واستهداف طرق الإمداد، قبل الانتقال إلى ذباب وميون. وأدى انهيار بعض المواقع إلى تأثير متسلسل أجبر وحدات أخرى على إعادة الانتشار خشية العزل أو الحصار.

وتثير تصريحات البيض سؤالاً حول مدى استعداد المجلس للتعاون مع القوى الإقليمية والدولية إذا تحولت السيطرة الحوثية على ميون إلى تهديد مباشر للملاحة. وكان مسؤولون في المجلس قد أبدوا استعداداً للمشاركة في جهد إقليمي يحمي خليج عدن وباب المندب، مع تأكيدهم رفض إرسال القوات الجنوبية للقتال في مناطق شمالية خدمةً لاستراتيجية سعودية لا تمنح الجنوب شراكة سياسية أو ضمانات واضحة.

ويبدو أن المجلس يميز بين مسارين: الدفاع عن الجنوب بوصفه التزاماً وطنياً لا يحتاج إلى تفاهم مسبق مع الرياض، والمشاركة في هجوم لاستعادة مناطق شمالية بوصفها قراراً سياسياً يتطلب معالجة آثار الحرب السعودية على القوات الجنوبية وإعادة بناء التحالف على قواعد مختلفة.

وهذا التفريق يضع السعودية أمام مأزق عملي. فالرياض تحتاج إلى خبرة القوات الجنوبية وألوية العمالقة في الحرب البرية، خصوصاً بعد إخفاق التشكيلات الأخرى في وقف التقدم الحوثي، لكنها لا تزال تتعامل مع المجلس الانتقالي باعتباره خصماً سياسياً وتسعى إلى إضعاف نفوذه في عدن وحضرموت وشبوة.

كما أن مطالبة الجنوبيين بالقتال خارج أراضيهم، بعد استهداف قواتهم وتفكيك مؤسساتهم العسكرية، قد لا تحظى بقبول شعبي واسع. ويعتقد قطاع من الجنوبيين أن المشاركة في معركة شمالية جديدة ستمنح الرياض فرصة لاستخدام القوات الجنوبية لتعويض إخفاق حلفائها، من دون الاعتراف بحق الجنوب في تقرير مصيره أو إعادة الشراكة التي انهارت في يناير/كانون الثاني.

وفي الوقت نفسه، يصعب على المجلس تجاهل الخطر الحوثي. فوجود الجماعة في ميون وذباب يضعها بالقرب من الصبيحة في لحج، ويفتح أمامها طرقاً محتملة باتجاه الساحل الجنوبي الغربي. كما يمنحها قدرة على تهديد عدن وموانئها بصورة أكبر، سواء عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة أو الضغط على حركة السفن في خليج عدن.

ولذلك جاءت رسالة البيض مزدوجة الاتجاه: تحميل السعودية المسؤولية السياسية والعسكرية عن إضعاف الجبهات، وتحذير الحوثيين من أن انهيار القوات اليمنية المحلية الموالية للرياض لا يعني أن الطريق نحو الجنوب أصبح مفتوحاً.

كما حاول البيض نقل النقاش من الحسابات العسكرية إلى التداعيات الإنسانية، محذراً من أن التصعيد أدى إلى نزوح آلاف الأسر من المخا والساحل الغربي. وتفيد تقديرات دولية بأن أكثر من 46 ألف شخص اضطروا إلى مغادرة مناطقهم خلال أسبوع واحد، في وقت تواجه فيه منظمات الإغاثة صعوبات في الوصول إلى النازحين وتوفير المأوى والغذاء والرعاية الصحية.

وفي ظل غياب تسوية سياسية أو خطة واضحة لهجوم مضاد، يتوقع أن يركز المجلس الانتقالي على تحصين جبهات الضالع ولحج ومراقبة الساحل الممتد من باب المندب إلى عدن، مع تجنب التورط في معارك خارج حدوده ما لم يتلقَّ ضمانات سياسية وعسكرية.

ويبقى موقف القوات الجنوبية عاملاً حاسماً في أي محاولة لإعادة تشكيل جبهة مناهضة للحوثيين. فقد أثبتت التطورات أن إقصاء هذه القوات لم يؤدِّ إلى توحيد القرار العسكري تحت قيادة الرياض، وإنما ترك فراغاً ملأه الحوثيون بسرعة، وحوّل الصراع السعودي مع المجلس الانتقالي من خلاف على النفوذ في الجنوب إلى ثغرة استراتيجية عند باب المندب.

ولا تعني جاهزية القوات الجنوبية أن هجوماً حوثياً على الجنوب بات وشيكاً. فالجماعة قد تفضل تثبيت مكاسبها في الساحل وتحويلها إلى أوراق تفاوضية بدلاً من فتح جبهة مكلفة لا تمتلك فيها حاضنة اجتماعية. لكن إعلان البيض يؤكد أن مرحلة الصمت الجنوبي تجاه إعادة رسم الخريطة العسكرية تقترب من نهايتها، وأن أي اقتراب من حدود الجنوب سيعيد القوات الجنوبية إلى المواجهة، هذه المرة وفق حساباتها الخاصة لا تحت مظلة تحالف فقد تماسكه وأهدافه المشتركة.

سقوط ميون بيد الحوثيين يضع قناة السويس أمام خسائر جديدة


الحوثيون يسيطرون على باب المندب والسعودية تدفع ثمن تفكيك حلفائها


تقرير أمريكي: السعودية فككت التحالف المناهض لإيران فسيطر الحوثيون على باب المندب


البحرين تقاطع حوار هرمز وتضع شروطاً قانونية في مواجهة إيران