تقارير
ضغوط تتجاوز حدود اليمن..
السعودية تستنجد بالصين لكبح الحوثيين بعد تصاعد معركة باب المندب
وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان خلال استقباله قيادة جماعة الحوثيين اليمنية في العاصمة السعودية الرياض - أرشيف وكالة الأنباء السعودية "واس"
دخلت المواجهة بين السعودية وجماعة الحوثيين اليمنية مرحلة أكثر خطورة، بعد انتقالها من صراع عسكري داخل اليمن إلى تهديد مباشر للأراضي السعودية ومنشآت الطاقة والممرات البحرية، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية تقودها الرياض للحصول على دعم إقليمي ودولي يمنع الجماعة المتحالفة مع إيران من ترسيخ سيطرتها على باب المندب.
وكشفت ثلاثة مصادر إيرانية مطلعة أن الصين طلبت سراً من طهران استخدام نفوذها للمساعدة في كبح الحوثيين، بعد مناشدة سعودية لبكين أعقبت الهجوم العسكري الخاطف الذي شنته الجماعة على الساحل الغربي لليمن خلال الأسبوع الماضي.
ونقلت وكالة «رويترز» عن المصادر أن التحرك الصيني جاء نتيجة مخاوف من اتساع الهجمات الحوثية وتهديدها صادرات النفط السعودية وطرق الملاحة التي تربط خليج عدن بالبحر الأحمر وقناة السويس. ولم تكتف بكين بدعواتها العلنية إلى ضبط النفس، بل نقلت إلى الجانب الإيراني مخاوف أكثر وضوحاً بشأن أمن طرق الطاقة والتجارة التي تعتمد عليها الصين.
ولم يتضمن الطلب الصيني، وفق رويترز، تهديداً مباشراً لطهران أو ربطاً معلناً بين وقف الهجمات الحوثية والعلاقات الاقتصادية الصينية–الإيرانية. غير أن لجوء الرياض إلى بكين يعكس إدراكها أن الصين تمتلك أوراق ضغط لا تتوفر لدى معظم القوى الأخرى، بوصفها الشريك الاقتصادي الأكبر لإيران والمشتري الرئيسي لنفطها.
وردت طهران بربط الاستقرار الإقليمي وحرية الملاحة بوقف المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية ضدها، في إشارة إلى أنها لا تنظر إلى التحرك الحوثي باعتباره ملفاً يمنياً منفصلاً، بل جزءاً من شبكة ضغط إقليمية تشمل مضيق هرمز وباب المندب والمنشآت النفطية السعودية.
ويكشف الاتصال السعودي–الصيني تحولاً في إدارة الرياض للأزمة. فبعد تعثر محاولاتها للحصول على تدخل عسكري أمريكي مباشر، اتجهت المملكة نحو الصين أملاً في الوصول إلى الحوثيين عبر إيران، ومحاولة فصل تهديد باب المندب عن المواجهة الأوسع بين طهران وواشنطن.
لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بمدى استعداد بكين لتحويل طلبها السياسي إلى ضغط اقتصادي فعلي، وبقدرة طهران أو رغبتها في إلزام الحوثيين بوقف التصعيد. كما لا توجد مؤشرات مستقلة تؤكد أن إيران طلبت من الجماعة التراجع عن مكاسبها أو وقف هجماتها على السعودية.
وجاء التحرك الدبلوماسي في وقت اتسعت فيه الضربات المتبادلة عبر الحدود. وأفادت «رويترز» بأن الطيران السعودي استهدف مناطق في محافظتي حجة وتعز، فيما واصل الحوثيون إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه مدن ومنشآت سعودية.
وقالت السلطات السعودية إن حطام طائرة مسيّرة جرى اعتراضها سقط في محافظة الطائف، ما أدى إلى مقتل مقيم يمني وإصابة امرأة سعودية ومقيم باكستاني. وتمثل الحادثة أول وفاة مدنية تعلنها المملكة خلال موجة التصعيد الحالية.
كما أعلنت الرياض رصد محاولة لاستهداف مكة، وهو اتهام نفاه الحوثيون. وأثارت الحادثة إدانات من مصر والكويت والبحرين والأردن وباكستان، غير أن تلك المواقف بقيت في إطار التضامن السياسي ولم تتحول إلى التزام عسكري جماعي إلى جانب السعودية.
ويأتي التصعيد بعد تقدم الحوثيين على امتداد الساحل الغربي ووصولهم إلى المخا وجزيرة ميون والمواقع المشرفة على باب المندب. ونقلت «رويترز» عن أربعة مصادر يمنية أن الجماعة وصلت إلى الجزيرة الواقعة في قلب المضيق، بما يمنحها قدرة متقدمة على مراقبة السفن والاقتراب من القناتين الملاحيّتين.
ولا تعني السيطرة على الساحل والجزر إغلاق باب المندب بصورة كاملة؛ إذ تختلف القدرة على تهديد السفن عن فرض سيطرة بحرية شاملة على المضيق. لكن نشر الرادارات ومنصات الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة في تلك المواقع يسمح للحوثيين بفرض خطر مستمر، وانتقاء السفن المستهدفة، ورفع تكاليف التأمين والشحن من دون إغلاق الممر فعلياً.
ولا تزال الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن مستمرة، لكنها تعمل في بيئة مرتفعة المخاطر. وأدت حالة الغموض بشأن السفن التي قد يستهدفها الحوثيون إلى دفع بعض شركات الملاحة نحو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يزيد مدة الرحلات وكلفة الوقود والتأمين.
ويتيح الإبقاء على المضيق مفتوحاً بصورة انتقائية للحوثيين استخدامه أداة ضغط سياسي واقتصادي، مع تفادي إغلاق شامل قد يستدعي تدخلاً عسكرياً دولياً أوسع. كما يسمح لهم بتقديم المواجهة على أنها تستهدف المصالح السعودية تحديداً، لا حركة التجارة العالمية بكاملها.
وتواجه السعودية تهديداً مزدوجاً، إذ تزامنت المكاسب الحوثية في باب المندب مع تعطّل خط أنابيب «شرق–غرب» إثر هجوم اتهمت الرياض جماعة موالية لإيران في العراق بالوقوف وراءه. وكان الخط يمثل بديلاً رئيسياً لنقل النفط من شرق المملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز.
وأدى الجمع بين اضطراب هرمز وتهديد باب المندب وتعطل خط الأنابيب إلى تضييق خيارات تصدير النفط السعودي ورفع أسعار الطاقة. وتجاوز سعر خام برنت 108 دولارات للبر خلال موجة التصعيد، بينما ارتفعت تكاليف النقل والتأمين وسط مخاوف من اتساع الهجمات إلى ناقلات النفط والبنية التحتية البحرية.
وتتحرك الرياض عسكرياً من خلال تكثيف الغارات وتقديم المعلومات والأسلحة والدعم اللوجستي إلى القوات اليمنية المحلية الموالية لها. غير أن العمليات الجوية لم تنجح حتى الآن في استعادة المخا وميون أو عكس خريطة السيطرة على الساحل.
وتكمن المعضلة السعودية في غياب قوة برية متماسكة قادرة على استثمار الغارات والتقدم نحو المواقع التي سيطر عليها الحوثيون. فقد أضعفت الحرب السعودية على الجنوب مطلع العام الجاري القوات الجنوبية والساحلية التي كانت تمثل الحاجز العسكري الأساسي أمام الحوثيين في المناطق المحيطة بباب المندب.
وبعد تفكيك جانب من تلك المنظومة وانسحاب تشكيلات من جبهات الساحل، أصبحت السعودية تعتمد بصورة أكبر على الضربات الجوية والدعم الخارجي، وهي أدوات تستطيع إبطاء الحوثيين واستهداف منصاتهم، لكنها لا تستطيع بمفردها استعادة المدن والجزر أو تثبيت السيطرة عليها.
وعلى المسار الأمريكي، طلبت السعودية مساعدة عسكرية أوسع، لكن الرئيس دونالد ترامب رفض، وفق تقارير غربية، الدخول في حملة مباشرة ضد الحوثيين. وتفضل واشنطن تقديم المعلومات الاستخباراتية والدعم الدفاعي، مع إبقاء خيار الضربات محدوداً بالمواقع التي تشكل تهديداً مباشراً للسفن أو القوات الأمريكية.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية تميز بين الدفاع عن الأراضي السعودية وتأمين الملاحة الدولية وبين خوض حرب لإعادة المدن والجزر اليمنية إلى القوات المحلية الموالية للرياض. كما تخشى واشنطن أن يؤدي توسيع الحملة إلى إعادة استهداف سفنها وقواعدها في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، وافقت إدارة ترامب على صفقة محتملة لبيع السعودية ما يصل إلى 48 مقاتلة شبح من طراز «إف–35»، إضافة إلى محركات ومعدات وخدمات مرتبطة بها، بقيمة تقدر بنحو 24.3 مليار دولار.
وتحمل الصفقة رسالة دعم استراتيجية للسعودية، لكنها لن تؤثر في مسار المعركة الحالية، نظراً إلى حاجتها لموافقة الكونغرس وطول مدة الإنتاج والتسليم والتدريب... ولذلك تبدو أقرب إلى استثمار بعيد المدى في العلاقة الدفاعية، لا استجابة عسكرية عاجلة لخطر الحوثيين.
وفي مسقط، تؤدي سلطنة عُمان دور قناة تفاوض بين الحوثيين والولايات المتحدة. وأفادت تقارير صحفية بعقد لقاء غير معلن داخل السفارة الأمريكية في مسقط، ضم مسؤولين أمريكيين ووفداً حوثياً، في محاولة لمنع انتقال المواجهة إلى السفن الأمريكية.
وبحسب المعلومات المتداولة، أكد الحوثيون التزامهم باتفاق التهدئة الذي توصلوا إليه مع واشنطن في مايو/أيار 2025، وأبلغوا الجانب الأمريكي أنهم لا يعتزمون استهداف السفن التابعة للولايات المتحدة. لكنهم لم يقدموا التزاماً مماثلاً بشأن السفن السعودية.
وإذا صحت هذه الرواية، فإن الحوثيين يحاولون عزل الرياض عن واشنطن وتحويل الحرب إلى مواجهة سعودية–حوثية، مع حماية التفاهم الذي يبعد القوات الأمريكية عن القتال. كما يمنح هذا الترتيب إدارة ترامب مبرراً لرفض طلبات التدخل المباشر ما دامت المصالح الأمريكية غير مستهدفة.
وتنخرط مصر في الاتصالات من زاوية أمن قناة السويس. فكل انخفاض في حركة السفن عبر باب المندب ينعكس على إيرادات القناة والاقتصاد المصري، حتى من دون إغلاق المضيق بصورة رسمية. وأعلنت القاهرة دعمها لأمن السعودية ورفضها استهداف المدن والمنشآت المدنية، لكنها لم تعلن استعدادها للمشاركة في عمليات برية داخل اليمن.
ومن المرجح أن يظل الدور المصري محصوراً في التنسيق البحري والمعلوماتي والدبلوماسي وحماية المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، لأن الانخراط المباشر في الحرب اليمنية يحمل كلفة سياسية وعسكرية لا تبدو القاهرة مستعدة لتحملها.
أما تركيا وباكستان، فعلى الرغم من ارتباطهما بالسعودية ضمن اتفاق مكة للدفاع المشترك، فإنهما تفضلان الوساطة والدعم الدفاعي على خوض مواجهة مباشرة مع الحوثيين. ولم تعلن أي منهما استعدادها لإرسال قوات إلى اليمن أو المشاركة في حملة لاستعادة باب المندب.
وتكشف هذه المواقف حدود الاتفاقية الدفاعية عندما تنتقل من ردع الاعتداء على الأراضي السعودية إلى طلب التدخل في حرب داخل اليمن. فقد توافق أنقرة وإسلام آباد على تبادل المعلومات أو دعم الدفاع الجوي، لكنهما تحاولان تجنب مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران وحلفائها.
وبالتوازي، تحدثت تقارير إسرائيلية عن اتصالات سعودية–إسرائيلية بوساطة القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، تركز على تبادل المعلومات المتعلقة بانتشار الحوثيين واستعداداتهم وعملياتهم المحتملة.
ولم تؤكد الرياض أو تل أبيب رسمياً وجود هذه الاتصالات أو طبيعة المساعدة المقدمة، ولذلك تبقى المعلومات في إطار تسريبات صحفية تستند إلى مصادر دبلوماسية مجهلة. كما لم تتوفر أدلة مستقلة تثبت أن التعاون تجاوز تبادل التقديرات الاستخباراتية.
وتملك إسرائيل مصلحة مباشرة في منع الحوثيين من تعزيز سيطرتهم على باب المندب، بعد تراجع النشاط في ميناء إيلات وتعرضها لهجمات صاروخية ومسيّرة انطلقت من اليمن. لكنها تخشى أن يؤدي تدخلها العلني إلى استئناف الهجمات المكثفة عليها ومنح الحوثيين مبرراً لتوسيع المواجهة.
وفي أوروبا، أعلنت إيطاليا استعدادها لإطلاق مهمة بحرية لحماية سفنها التجارية، محذرة من تأثير اضطراب باب المندب في سلاسل الإمداد والأسعار والبنية التحتية البحرية، ومن بينها كابلات الاتصالات والطاقة الممتدة تحت البحر.
ويعكس الموقف الإيطالي اتجاهاً أوروبياً نحو حماية السفن والمصالح الوطنية، من دون تحمل مسؤولية الدخول في حرب برية داخل اليمن. فالقوى الأوروبية قد توسع وجودها البحري ومرافقة السفن، لكنها لا تبدو مستعدة لخوض عمليات لاستعادة الساحل لصالح السعودية.
إنسانياً، أدت المعارك إلى نزوح أكثر من مئة ألف شخص، فيما قدرت تقارير أخرى العدد بنحو 125 ألفاً خلال فترة قصيرة. واضطر يمنيون إلى عبور البحر باتجاه جيبوتي في قوارب تفتقر إلى شروط السلامة، بينما تتعرض برامج الإغاثة لضغوط متزايدة في ظل تراجع التمويل واتساع مناطق القتال.
وتكشف التحركات الجارية أن السعودية لم تنجح حتى الآن في تشكيل تحالف عسكري مستعد لاستعادة باب المندب بالقوة. فالولايات المتحدة تعرض الدعم الدفاعي والمعلومات الاستخباراتية وصفقات التسليح من دون الدخول في الحرب، والصين تمارس ضغطاً دبلوماسياً حذراً على إيران، ومصر تركز على حماية قناة السويس، وتركيا وباكستان تفضلان الوساطة، وإسرائيل تتحرك بعيداً عن العلن، بينما تهتم أوروبا بحماية سفنها.
وأصبح الرهان السعودي موزعاً بين الغارات المحدودة، والضغط على إيران عبر الصين، والتواصل غير المباشر مع الحوثيين عبر عُمان، وطلب الدعم الاستخباراتي من واشنطن وشركاء آخرين. لكن هذه الأدوات لا تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في غياب قوة محلية متماسكة على الأرض.
وتبقى أمام الرياض خيارات ضيقة: توسيع الحرب الجوية مع خطر تعرض منشآتها ومدنها لمزيد من الهجمات، أو إعادة بناء القوات المحلية التي فككتها الصراعات والانقسامات، أو الدخول في تفاوض يقبل بجزء من شروط الحوثيين.
وفي المدى القريب، يبدو أن السعودية ستواصل الجمع بين الضربات والاتصالات الدبلوماسية، محاولةً منع الحوثيين من تثبيت مكاسبهم من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن طلبها تدخل الصين لدى إيران يكشف أن ميزان الضغط لم يعد يُحسم داخل اليمن وحده، وأن باب المندب أصبح ورقة في مواجهة إقليمية تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
المصادر: رويترز – الصين تضغط على إيران بعد مناشدة سعودية، رويترز – التصعيد السعودي الحوثي، رويترز – وصول الحوثيين إلى جزيرة ميون، أسوشيتد برس، فايننشال تايمز.