تقارير
إقصاء بدأ من بوابة نيويورك..
حصري: خالد بن سلمان منع رشاد العليمي من حضور الجمعية العامة.. ثلاثة مصادر تكشف لــ«اليوم الثامن» خفايا اللحظة الأخيرة
مجلس القيادة الرئاسي اليمني المؤقت اختارته السعودية ولا يصعب عليها اليوم اعادة هندسته بما يتوافق ورؤية تركيا الحليف المؤقت - مركبة
منع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان رئيس مجلس القيادة الرئاسي المؤقت رشاد العليمي من السفر إلى نيويورك لحضور أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، ووجّه في اللحظات الأخيرة بإرسال عضو المجلس عبدالله العليمي باوزير لتمثيل اليمن وإلقاء كلمته أمام قادة العالم.
وكشفت ثلاثة مصادر دبلوماسية يمنية مقيمة في السعودية وتركيا والولايات المتحدة لـ«اليوم الثامن» أن قرار المنع جاء بينما كان رشاد العليمي والوفد المرافق له على وشك المغادرة، في خطوة تعكس تراجع مكانة رئيس المجلس لدى القيادة السعودية، وتؤشر إلى بدء ترتيبات عملية لإزاحته وإعادة تشكيل المؤسسة الرئاسية التي أنشأتها الرياض في أبريل/نيسان 2022.
وقال مصدر يمني في العاصمة السعودية إن الاستعدادات لسفر رشاد العليمي كانت قد اكتملت، وإن الوفد الذي كان سيترأسه أصبح جاهزاً للمغادرة، قبل أن يتدخل وزير الدفاع السعودي ويوقف الرحلة باتصال مباشر في اللحظات الأخيرة.
وأضاف المصدر أن القرار لم يكن مرتبطاً بعارض صحي أو تغيير بروتوكولي، بل جاء ضمن تحرك سياسي مقصود لسحب مهمة تمثيل اليمن من رشاد العليمي ومنحها لعبدالله العليمي، الذي حصل على دعم مباشر من الأمير خالد بن سلمان.
وبحسب المصدر، أُبلغ رشاد العليمي بأن عبدالله العليمي سيترأس الوفد اليمني ويلقي كلمة الجمهورية اليمنية أمام الجمعية العامة، فيما بدأت ترتيبات عاجلة لنقل الأخير إلى الولايات المتحدة، من دون إصدار توضيح رسمي للرأي العام اليمني بشأن سبب تغيير رئيس الوفد.
وأكد مصدر دبلوماسي يمني في الولايات المتحدة لـ«اليوم الثامن» المعلومات الواردة من الرياض، وقال إن التأشيرة الأمريكية لعبدالله العليمي جرى استخراجها بصورة عاجلة عبر سفارة الولايات المتحدة لدى السعودية، عقب مخاطبة أجراها مكتب وزير الدفاع السعودي مع السفارة في الرياض.
وأوضح المصدر أن عبدالله العليمي نُقل على متن طائرة سعودية بصورة مستعجلة، بعدما اتُخذ قرار استبدال رشاد العليمي في وقت متأخر، لافتاً إلى أن الجانب السعودي تولى ترتيبات سفره واتصالاته مع السفارة الأمريكية.
ووصف المصدر حصول مسؤول يمني بهذا المستوى على التأشيرة من خلال مخاطبات سعودية مباشرة للسفارة الأمريكية في الرياض، بدلاً من معالجة الطلب عبر القنوات المرتبطة بالبعثة الأمريكية المعتمدة لدى اليمن، بأنه إجراء غير مسبوق يكشف الجهة التي اتخذت قرار الزيارة وحددت هوية ممثل اليمن.
ولم يقتصر دور عبدالله العليمي على حضور الاجتماعات ضمن الوفد، بل ترأس المشاركة اليمنية كاملة، وحضر الجلسة الافتتاحية، وألقى كلمة اليمن أمام الجمعية العامة، وأجرى لقاءات مع مسؤولين دوليين بوصفه أعلى ممثل للسلطة اليمنية في نيويورك.
وكانت وكالة الأنباء اليمنية الرسمية «سبأ» قد أعلنت في 21 سبتمبر/أيلول وصول عبدالله العليمي إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين، وقالت إنه سيلقي كلمة الجمهورية اليمنية، من دون أن تذكر رشاد العليمي أو تفسر سبب غيابه.
وفي اليوم التالي، أكدت الوكالة أن عبدالله العليمي ترأس وفد اليمن في الجلسة الافتتاحية، وأن الوفد ضم وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين أفراح الزوبة، ومندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة عبدالله السعدي، وسفيرة اليمن لدى الولايات المتحدة جميلة رجاء.
ويمثل ذلك تحولاً واضحاً عن الدورات السابقة التي كان رشاد العليمي يحضرها شخصياً ويلقي خلالها كلمة اليمن، بينما يشارك عبدالله العليمي عضواً مرافقاً ضمن الوفد. ففي الدورة الثمانين عام 2025، وصل رشاد العليمي إلى نيويورك برفقة عضوي المجلس عيدروس الزبيدي وعبدالله العليمي، وتولى بنفسه رئاسة الوفد وإجراء اللقاءات الرسمية.
أما في الدورة الحالية، فقد اختفى اسم رئيس المجلس من الوفد بالكامل، وانتقلت مهمته السياسية والدبلوماسية إلى عبدالله العليمي من دون صدور قرار معلن من مجلس القيادة أو بيان يوضح الأساس الدستوري والإجرائي لهذا التغيير.
وقالت المصادر إن ما جرى لم يكن تكليفاً روتينياً، بل رسالة سعودية مباشرة إلى رشاد العليمي مفادها أن بقاءه في رئاسة المجلس لم يعد مضموناً، وأن الرياض بدأت اختبار عبدالله العليمي بوصفه مرشحاً محتملاً لقيادة السلطة خلال المرحلة المقبلة.
وظهر هذا التحول في طبيعة البرنامج الذي نُظم لعبدالله العليمي في نيويورك، إذ لم يتعامل معه الجانب الرسمي اليمني باعتباره عضواً أو موفداً مؤقتاً، بل بصفته رئيس الوفد والمتحدث باسم اليمن أمام الأمم المتحدة والمسؤول عن حشد المواقف الدولية لمساندة السلطة.
وفي كلمته أمام الجمعية العامة، حرص عبدالله العليمي على تقديم إشادة واسعة بالسعودية، مؤكداً وقوف اليمن إلى جانب المملكة وحقها في حماية أراضيها ومواطنيها ومصالحها الوطنية، في خطاب عكس بوضوح طبيعة المهمة التي أوكلتها إليه الرياض والرسائل المطلوب إيصالها في ظل التصعيد العسكري مع الحوثيين.
وقال مصدر دبلوماسي يمني مقيم في مدينة إسطنبول التركية إن العلاقة بين الأمير خالد بن سلمان وعبدالله العليمي تعززت خلال الأشهر الماضية، ولا سيما منذ الحرب السعودية على الجنوب في يناير/كانون الثاني 2026.
وأوضح المصدر أن عبدالله العليمي، وهو أحد أبرز ممثلي حزب التجمع اليمني للإصلاح داخل مجلس القيادة، ظل موجوداً في غرفة عمليات الحرب إلى جانب وزير الدفاع السعودي، وشارك في إدارة الاتصالات السياسية المرتبطة بالعمليات التي استهدفت القوات الجنوبية.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح عبدالله العليمي أحد أبرز حلفاء خالد بن سلمان في مجلس القيادة، وانتقل التنسيق بينهما من إدارة الحرب إلى ترتيبات إعادة تشكيل السلطة اليمنية وتحديد الشخصيات التي ستتولى قيادتها.
وقال المصدر إن وزير الدفاع السعودي بات يدعم صعود عبدالله العليمي إلى رئاسة المجلس، في مقابل تراجع ثقته برشاد العليمي، الذي لم يعد قادراً على إدارة الخلافات داخل المؤسسة الرئاسية أو إنتاج موقف موحد من التطورات العسكرية والسياسية.
وتحدث المصدر عن وجود تباين سابق بين عبدالله العليمي ودوائر سعودية أخرى بشأن تعيين أفراح الزوبة وزيرة للخارجية، موضحاً أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان دعم، عبر السفير السعودي لدى اليمن، اختيار الزوبة للمنصب، رغم معارضة عبدالله العليمي.
ويكشف هذا التباين عن تعدد مراكز إدارة الملف اليمني داخل السعودية، لكنه لا يلغي التقارب المتصاعد بين وزير الدفاع وعبدالله العليمي، الذي ظهر بصورة مباشرة في قرار إرساله إلى نيويورك بدلاً من رئيس المجلس.
وأكدت المصادر أن السعودية تعمل على إعادة هيكلة مجلس القيادة الرئاسي وتقليص عدد أعضائه، بعد وصول صيغته الحالية إلى طريق مسدود نتيجة الخلافات الداخلية وتعدد مراكز القرار والعجز عن إدارة الحرب والموارد والتعيينات الحكومية.
وبحسب المعلومات، تشمل الترتيبات المتداولة إزاحة رشاد العليمي من رئاسة المجلس، وإخراج طارق صالح وسلطان العرادة وعثمان مجلي من تشكيلته، مع الإبقاء على صيغة رئاسية أصغر عدداً وأكثر ارتباطاً بقرار الرياض.
وقالت المصادر إن عبدالله العليمي يتصدر قائمة المرشحين لرئاسة المجلس المعاد تشكيله، مستفيداً من دعم وزير الدفاع السعودي وعلاقاته بحزب الإصلاح وامتداداته الإقليمية، فضلاً عن كونه شخصية مقبولة لدى تركيا.
وترتبط الترتيبات، وفق المصادر، بمحادثات سعودية–تركية أوسع تستهدف تفعيل اتفاقات الدفاع والتنسيق الأمني، في وقت تسعى فيه الرياض إلى استقطاب أنقرة للمشاركة في مواجهة التهديد الحوثي المتصاعد ضد الأراضي السعودية وباب المندب.
وتطالب تركيا، بحسب المصادر، بأن يكون رئيس السلطة اليمنية من الشخصيات المتوافق عليها والقادرة على التعامل مع أنقرة وحلفائها اليمنيين، وهو ما يمنح عبدالله العليمي أفضلية على عدد من أعضاء المجلس الآخرين.
ولا تبدو إزاحة طارق صالح وسلطان العرادة وعثمان مجلي منفصلة عن هذا التوجه. فإعادة بناء المجلس برئاسة عبدالله العليمي ستمنح حزب الإصلاح نفوذاً أكبر داخل السلطة، لكنها ستقلص تمثيل القوى العسكرية والمناطقية التي احتفظت بقدر من الاستقلال عن جناح الحزب خلال الأعوام الماضية.
كما أن استبعاد طارق صالح، إذا نُفذ، سيأتي عقب الهزيمة التي تعرضت لها قواته في الساحل الغربي وسقوط المخا ومناطق استراتيجية قريبة من باب المندب في قبضة الحوثيين، وهي هزيمة تحاول الرياض تحميل قيادته مسؤوليتها رغم محدودية الإسناد العسكري السعودي خلال المعارك.
أما سلطان العرادة، الذي يمثل مركز القوة الرئيسي لحزب الإصلاح في مأرب، فقد يصبح خارج التشكيلة الجديدة إذا اختارت الرياض نقل ثقل الحزب من القيادة المحلية والعسكرية إلى قيادة سياسية مركزية يمثلها عبدالله العليمي.
وتزامنت المعلومات عن إعادة تشكيل المجلس مع دعوة أطلقها القيادي السابق في جماعة الحوثيين علي ناصر البخيتي لإنهاء الصيغة الحالية والعودة إلى نظام الرئيس الواحد، مع تحويل أعضاء المجلس إلى نواب أو مستشارين يتولى كل منهم ملفاً أو منطقة محددة.
وقال البخيتي في تسجيل مرئي بثه عبر منصة «إكس» إن اليمن لم يعد بحاجة إلى مجلس يضم ثمانية أعضاء يتنازعون الأموال والتعيينات والصلاحيات، وإن ظروف الحرب والتفاوض مع الحوثيين تتطلب وجود رئيس يمتلك القرار النهائي.
واقترح أن يتحول طارق صالح إلى مسؤول عن ملف الساحل الغربي، وسلطان العرادة عن مأرب، والخنبشي عن حضرموت، بينما يحتفظ رئيس الجمهورية بصلاحيات القرارات السيادية والتعديلات الوزارية وقيادة الحرب والتسوية السياسية.
واعتبرالقيادي الحوثي السابق علي البخيتي أن الظروف التي أنشأت المجلس تغيرت، داعياً اللجنة القانونية إلى صياغة ترتيبات تعيد لرئيس الجمهورية صلاحياته الكاملة وتضع حداً لتعدد مراكز القرار.
ويمنح توقيت طرح البخيتي أهمية سياسية تتجاوز مضمونه النظري، إذ جاء بالتزامن مع تحركات سعودية لإعادة هندسة مجلس القيادة واختبار عبدالله العليمي في نيويورك. ولا يمكن فصل تصاعد الحديث عن «الرئيس الواحد» عن حالة التمهيد السياسي لصيغة جديدة يجري إعدادها خلف الكواليس.
فالسلطة التي نقلتها السعودية من عبدربه منصور هادي إلى مجلس من ثمانية أعضاء بقرار مفاجئ في أبريل/نيسان 2022 تستطيع إعادة تشكيلها بالطريقة نفسها، ولا سيما أن المجلس ظل طوال فترة وجوده مقيماً في الرياض ومعتمداً على التمويل والحماية والغطاء السياسي السعودي.
ولم ينجح المجلس في التحول إلى مؤسسة قرار مستقلة أو قيادة جماعية متماسكة. وبدلاً من ذلك، توزع أعضاؤه بين قوى سياسية وعسكرية متنافسة، بينما احتفظت السعودية بسلطة الفصل في التعيينات والتحركات والموارد والقرارات الكبرى.
وجاء منع رشاد العليمي من السفر ليكشف حدود موقعه الحقيقي. فرئيس المجلس الذي لا يستطيع مغادرة السعودية لحضور الجمعية العامة من دون موافقة وزير الدفاع السعودي لا يملك عملياً صلاحيات رئيس دولة، كما أن استبداله بعضو آخر عبر اتصال في اللحظة الأخيرة يؤكد أن مركز القرار الفعلي موجود خارج المؤسسة التي يرأسها.
ولا تتعلق القضية بغياب بروتوكولي عن مؤتمر دولي، بل بإعلان سياسي غير مكتوب عن انتهاء مرحلة رشاد العليمي. فقد سُحبت منه منصة الأمم المتحدة، ومُنحت لمنافس يُعد لوراثة موقعه، فيما تولت الرياض ترتيب التأشيرة والطائرة والبرنامج الدبلوماسي للبديل.
كما أن اختيار نيويورك لاختبار عبدالله العليمي يحمل دلالة واضحة؛ فالجمعية العامة توفر له فرصة الظهور بصفة رجل الدولة، وإجراء لقاءات مع مسؤولين دوليين، وتقديم نفسه شريكاً للولايات المتحدة والسعودية والدول الإقليمية قبل الانتقال إلى أي ترتيبات داخلية معلنة.
وتكشف المعلومات أن إعادة تشكيل مجلس القيادة لم تعد فكرة للنقاش، بل مساراً بدأ تنفيذه عبر تقليص دور رئيسه الحالي وصناعة حضور دولي لخليفته المحتمل. وستحدد الأسابيع المقبلة ما إذا كانت الرياض ستنتقل من الإقصاء التدريجي إلى إعلان التغيير بصورة رسمية.
ويظل موقف القوى الجنوبية عاملاً حاسماً في أي صيغة جديدة، خصوصاً أن مجلس القيادة أُنشئ أساساً لاستيعاب المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى العسكرية المسيطرة على الأرض. وأي محاولة لتعيين رئيس واحد من حزب الإصلاح أو من الشخصيات القريبة منه ستعيد إنتاج الصراع حول تمثيل الجنوب ومستقبل قضيته.
كما ستواجه الخطة السعودية أسئلة بشأن مصير القوى المسلحة التابعة لطارق صالح وسلطان العرادة، وما إذا كان إخراجهما من المجلس سيقابله احتفاظهما بنفوذهما العسكري، أم أن الرياض ستعمل على تفكيك قواتهما أو إعادة توزيعها ضمن تشكيلات جديدة.
لكن المؤشر الأكثر وضوحاً حتى الآن هو أن رشاد العليمي لم يغب عن نيويورك بقرار شخصي، بل مُنع من السفر بقرار سعودي، وأن عبدالله العليمي لم يصل إليها بوصفه بديلاً بروتوكولياً، بل بوصفه الشخصية التي اختارها وزير الدفاع السعودي لتمثيل السلطة اليمنية واختبارها في موقع القيادة.
ولم يصدر حتى وقت نشر التقرير تعليق رسمي من مكتب رشاد العليمي أو مكتب وزير الدفاع السعودي أو عبدالله العليمي بشأن المعلومات التي كشفتها المصادر، وتحتفظ «اليوم الثامن» بحق نشر أي رد تتلقاه من الأطراف الواردة أسماؤها.