تقارير
أسبوع أعاد الحرب إلى نقطة الصفر..
الحوثيون يطوقون السعودية بالنيران والرياض تبحث خارج اليمن عن قوة إنقاذ
سوريا أرسلت عدداً محدوداً من العسكريين إلى السعودية لتقديم التدريب والمشورة - رويترز مركبة بـ AI
لم يكن الأسبوع الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2026 أسبوعاً عادياً في مسار الحرب اليمنية. ففي ثمانية أيام فقط، انتقلت صافرات الإنذار بين مدن سعودية تفصل بينها مئات الكيلومترات، ودارت معارك على مسافة نحو ثمانين كيلومتراً من عدن، واشتد الحصار المفروض على تعز، وسقط عشرات المدنيين في السوق والمنازل، بينما كانت الرياض توقع اتفاقاً دفاعياً مع دمشق وتبحث عن خبرات عسكرية خارج اليمن لمساعدتها في حرب دخلتها قبل أكثر من أحد عشر عاماً.
المشهد الذي تشكل بين الأول والثامن من نوفمبر لا يعكس جولة تصعيد مؤقتة بقدر ما يكشف انتقال الحرب إلى طور جديد. الحوثيون لم يعودوا يعتمدون على جبهة واحدة أو نوع واحد من السلاح. يهاجمون القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية في الجوف وتعز ولحج، ويطلقون الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة على المدن والمنشآت السعودية، ويختبرون الحدود الجنوبية بعمليات صغيرة، ثم يستخدمون الغارات السعودية وسقوط المدنيين لتعبئة أنصارهم وتبرير استمرار القتال.
وفي الجهة المقابلة، لا تبدو السعودية قادرة على تحويل تفوقها الجوي والمالي إلى سيطرة ميدانية مستقرة. تستطيع اعتراض عدد من الصواريخ، وتشن غارات على مواقع الحوثيين، وتمول قوات محلية متعددة، لكنها لم تتمكن من منع الجماعة من الوصول إلى الساحل الغربي، أو تطويق تعز، أو فتح طريق نحو شمال لحج، أو وضع الرياض والمنطقة الشرقية تحت إنذارات متلاحقة.
كانت بداية نوفمبر امتداداً لتصعيد بدأ قبل أشهر، إلا أن وتيرته خلال الأسبوع الأول أظهرت اتساع المساحة التي يملك الحوثيون القدرة على تهديدها. ففي الأول من نوفمبر، أعلن التحالف اعتراض صاروخ باليستي وطائرة مسيّرة أُطلقا باتجاه المنطقة الجنوبية من السعودية. وفي اليوم التالي، تكررت الهجمات بصاروخ ومسيّرات باتجاه الرياض والجنوب، فيما أطلق الدفاع المدني تحذيرات في أبها وخميس مشيط والطائف ونجران قبل إعلان زوال الخطر.
وفي الثالث من نوفمبر، تحدثت البيانات السعودية عن اعتراض ثلاث طائرات مسيّرة اتجهت نحو مناطق جنوبية وشرقية ومكة. ثم جاء الخامس من نوفمبر بصاروخ باليستي باتجاه منطقة المدينة المنورة، قبل أن تشهد نجران في اليوم التالي اعتراض صاروخين، بالتزامن مع تدمير مسيّرتين باتجاه الرياض ومكة.
وفي السابع من نوفمبر، أعلنت الدفاعات السعودية اعتراض صاروخ مجنح باتجاه منطقة الرياض. وبعد ساعات، قال الحوثيون إنهم نفذوا ست عمليات استهدفت منشآت تابعة لأرامكو ومطار الرياض وقوات ومواقع عسكرية سعودية داخل المملكة وفي اليمن. لم يقدم الحوثيون أدلة مستقلة تثبت إصابة الأهداف التي ذكروها، لكن استمرار التحذيرات واعتراض المقذوفات أكد أن الهجمات لم تكن مجرد بيانات إعلامية.
بلغت المواجهة ذروتها صباح الأحد 8 نوفمبر، حين دوّت انفجارات في العاصمة السعودية بعد تحذير أصدره الدفاع المدني. أعلن التحالف اعتراض صاروخين باليستيين أطلقهما الحوثيون باتجاه الرياض، ثم تحدث عن تدمير صاروخين مجنحين استهدفا العاصمة والمنطقة الجنوبية. وقال شهود لـ«رويترز» إنهم سمعوا دوي انفجارات، قبل أن تعلن السلطات أن الخطر زال.
وفي التوقيت نفسه تقريباً، صدرت إنذارات في الظهران والدمام وبقيق والأحساء. أعلنت السلطات لاحقاً اعتراض صاروخ باليستي باتجاه المنطقة الشرقية ورفع التحذيرات. ولم تكن حساسية تلك الإنذارات مرتبطة بالكثافة السكانية وحدها؛ فالمنطقة الشرقية تضم الحصة الأكبر من احتياطيات النفط والغاز السعودية، إلى جانب مقر شركة أرامكو في الظهران ومنشآت بقيق التي تمثل عقدة أساسية في شبكة معالجة وتصدير النفط.
وقالت «رويترز» إن مقر أرامكو تعرض لأضرار واسعة في هجوم وقع خلال أكتوبر، ما يجعل تكرار الإنذارات في المنطقة رسالة اقتصادية مقصودة. الحوثيون يدركون أن مجرد التهديد المستمر لمنشآت النفط والمطارات لا يحتاج دائماً إلى إصابة مباشرة كي يحقق أثراً. الإنذار وحده يفرض إجراءات أمنية، ويربك الرحلات، ويرفع تكاليف التأمين، ويجبر السعودية على استهلاك صواريخ اعتراض مرتفعة الكلفة في مواجهة مسيّرات أو صواريخ أقل كلفة بكثير.
وبحسب حصيلة نشرتها وسائل إعلام سعودية استناداً إلى بيانات التحالف، اعترضت الدفاعات الجوية ما لا يقل عن 15 صاروخاً وطائرة مسيّرة منذ بداية نوفمبر وحتى صباح الثامن منه. ولا تشمل هذه الحصيلة المقذوفات التي ربما أخفقت في الوصول إلى أهدافها أو لم تعلن السلطات تفاصيلها.
لكن بيانات الاعتراض لا تجيب عن السؤال الأهم: إلى متى تستطيع السعودية البقاء في وضع دفاعي يومي؟ فالدفاع الجوي قد يمنع وقوع كارثة في مدينة أو منشأة، لكنه لا يزيل القدرة التي تنتج الهجمات. كما أن نجاح المنظومات في اعتراض معظم المقذوفات لا يلغي احتمال أن ينجح صاروخ واحد أو مسيّرة واحدة في الوصول إلى هدف حساس.
كان هذا الخلل واضحاً في التقارير الأمريكية التي تحدثت، خلال الأسابيع الماضية، عن تراجع مخزون السعودية من صواريخ الاعتراض، وعن طلب الرياض مساعدة من فرنسا وبريطانيا ومصر وباكستان ودول أخرى لتوفير منظومات وقدرات دفاعية إضافية. وقالت «واشنطن بوست»، نقلاً عن مسؤولين إقليميين، إن المملكة لجأت إلى حلفائها بعد استنزاف جزء من مخزونها، بالتزامن مع تراجع مخزونات أمريكية نتيجة اتساع الحرب الإقليمية.
المشكلة بالنسبة إلى الرياض لا تتوقف عند عدد الصواريخ. الحوثيون يوزعون الهجمات على مساحات متباعدة، من الحدود الجنوبية إلى الرياض ومكة والمدينة والمنطقة الشرقية. وهذا يفرض على السعودية حماية شبكة واسعة من المطارات والموانئ ومحطات الكهرباء والمنشآت النفطية والمقرات العسكرية والمدن الكبرى، بدلاً من تركيز منظوماتها في نطاق جغرافي محدود.
وفوق ذلك، ظهرت مؤشرات على أن الجماعة ربما عادت إلى استخدام العمليات البرية داخل الأراضي السعودية. فقد نشر موقع «ميدل إيست آي» في الثاني من نوفمبر تقريراً نقل فيه عن مسؤول غربي وآخر عربي أن الحوثيين نفذوا غارات محدودة عبر الحدود على مواقع عسكرية سعودية خلال الأشهر الأخيرة، وأن واحدة منها على الأقل وقعت في أواخر أكتوبر.
وبحسب المصدرين، رصدت معدات مراقبة إحدى الغارات، فيما استولى المهاجمون على أسلحة خفيفة تستخدمها قوات حرس الحدود السعودية. ولم تعلن الرياض وقوع هذه التوغلات، كما لم يقدم التقرير صوراً أو أسماء للمواقع المستهدفة، ما يجعل المعلومات منسوبة إلى المصدرين وغير مؤكدة رسمياً.
ومع ذلك، تتفق طبيعة العمليات الموصوفة مع الأسلوب الذي استخدمه الحوثيون خلال السنوات الأولى للحرب: مجموعات صغيرة تتقدم عبر التضاريس الجبلية، تهاجم نقاطاً حدودية، تستولي على أسلحة أو تأسر جنوداً، ثم تنسحب قبل وصول الإسناد. ولا تحتاج هذه العمليات إلى احتلال مناطق واسعة. يكفي أن تثبت الجماعة قدرتها على تجاوز الحدود وإجبار الجيش السعودي على نشر وحدات إضافية في شريط جبلي طويل ومعقد.
وهنا تتكامل الجبهتان الجوية والبرية. فالصواريخ والمسيّرات تستنزف الدفاعات في العمق، بينما تضغط عمليات التسلل على القوات المنتشرة قرب الحدود. وإذا استمرت هذه المعادلة، ستجد الرياض نفسها مطالبة بحماية منشآت الطاقة والعاصمة والمدن المقدسة والحدود في وقت واحد، من دون أن يكون لديها داخل اليمن شريك محلي قادر على نقل المعركة بعيداً عن أراضيها.
في اليمن، كان أخطر تطور خلال الأسبوع هو وصول الحوثيين إلى أقرب نقطة من عدن منذ عام 2015. ففي الثاني من نوفمبر، نقلت «رويترز» عن أربعة مصادر عسكرية أن قوات الجماعة تقدمت إلى مسافة نحو ثمانين كيلومتراً من المدينة، بعد هجوم على مواقع القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية في مديرية المقاطرة.
وقالت المصادر إن الحوثيين سيطروا على مناطق في المديرية بعد هجوم استمر ثلاثة أيام، وأجبروا القوات المدافعة على التراجع نحو طور الباحة، حيث استمر القتال حول أحد المعسكرات. ويهدد هذا التقدم الطريق الرابط بين عدن وتعز، كما يضع شمال لحج ومداخل الجنوب أمام ضغط عسكري لم تشهده المنطقة منذ إخراج الحوثيين من عدن قبل أكثر من عقد.
لا يعني الوصول إلى مسافة ثمانين كيلومتراً أن عدن كانت على وشك السقوط. بين خطوط القتال والمدينة توجد جغرافيا معقدة وقوات جنوبية تملك خبرة في الدفاع عن مناطقها. لكن أهمية التطور تكمن في أن الحوثيين نجحوا في نقل الجبهة من المناطق التقليدية حول تعز والبيضاء والضالع إلى نطاق يلامس الطريق المؤدي إلى العاصمة الجنوبية.
وفي الأول من نوفمبر، كانت المعارك قد اشتدت في طور الباحة والمقاطرة وهيجة العبد ومحيط جبل منيف، وهو مرتفع استراتيجي يشرف على أجزاء واسعة من الشمايتين ومناطق باتجاه عدن. حاول الحوثيون الالتفاف من مسارات فرعية بعد تعثر تقدمهم في بعض المحاور، فيما دفعت القوات المحلية بتعزيزات لوقف الهجوم.
خلال الأيام اللاحقة، أعلنت القوات المناهضة للحوثيين استعادة قرية النيداني وشِعب الصراري وأجزاء من عزلة صنمات ورباط القرن ومواقع أخرى في طور الباحة. وأظهرت هذه التطورات أن خطوط التماس لم تستقر، وأن التقدم الحوثي واجه هجمات مضادة، لكنها لم تُنهِ الخطر على الطريق بين عدن وتعز.
وفي الرابع من نوفمبر، اتسع القتال إلى محاور في لحج والضالع. قال الحوثيون إنهم استهدفوا تجمعات عسكرية في رأس العارة والمضاربة بصواريخ باليستية، وزعموا سقوط قتلى وجرحى بينهم قادة. وفي المقابل، أعلنت القوات المحلية تحقيق تقدم في المقاطرة، بينما تحدثت مصادر محلية عن ضحايا مدنيين في طور الباحة وحيفان.
كما تعرض معسكر في الضالع لهجوم أسفر عن قتلى وجرحى. وتزامن ذلك مع غارات استهدفت مواقع حوثية في الأقروض وصنمات والربيعي وجبل حبشي، وقصف طال مواقع وشبكات اتصالات في البيضاء وصعدة.
هذا الانتشار الواسع للقتال يكشف أن عملية «فجر اليمن»، التي أعلنتها حكومة المنفى اليمنية والقوات التابعة لها في أكتوبر، لم تنتج جبهة واحدة متماسكة. ما يجري على الأرض أقرب إلى سلسلة معارك منفصلة: تقدم محدود في الجوف، دفاع صعب في لحج وتعز، ضربات جوية على صعدة والحديدة، وهجمات حوثية بعيدة المدى على عدن وشبوة والضالع والسعودية.
في الخامس من نوفمبر، احتفى مجلس القيادة الرئاسي بمرور شهر على انطلاق العملية، وأعلن أن القوات التابعة له نفذت 40 ألفاً و761 عملية ضد الحوثيين، وأن نحو عشرين ألفاً من قادة الجماعة ومقاتليها جرى «تحييدهم»، مع تدمير أو إعطاب أكثر من خمسة آلاف مركبة وآلية.
هذه الأرقام، التي نقلتها وكالة الأناضول عن بيان المجلس، لم تؤكدها جهة مستقلة، كما لا تنسجم بسهولة مع خريطة القتال. فإذا كانت القوات المحلية قد أخرجت عشرين ألف مقاتل حوثي من المعركة ودمرت آلاف المركبات خلال شهر، فكيف واصلت الجماعة التقدم نحو لحج، وحصار تعز، وتنفيذ الهجمات في الجوف والضالع، وإطلاق الصواريخ على السعودية؟
يبدو أن عبارة «عملية» استُخدمت لحساب كل رمية أو استهداف أو تحرك، وليس بالضرورة عملية عسكرية مستقلة. كما أن مصطلح «تحييد» قد يشمل القتلى والجرحى أو حتى الأهداف التي يعتقد المهاجم أنه أصابها. لذلك لا يمكن التعامل مع هذه البيانات باعتبارها حصيلة موثقة، بل بوصفها جزءاً من حملة إعلامية تحاول حكومة المنفى من خلالها إظهار وجود حرب شاملة ومنظمة، بينما تكشف الجبهات عن قيادة مجزأة ونتائج متفاوتة.
تعز كانت خلال الأسبوع التعبير الأشد قسوة عن هذا التناقض بين البيانات العسكرية والواقع المدني. فالمدينة ظلت محاطة بمواقع الحوثيين، فيما دارت المعارك في كحلان بصبر والأقروض والكمب وذي البرح وجبل حبشي والصراري وصنمات.
وفي الثاني من نوفمبر، أعلنت القوات المحلية كسر هجوم حوثي على جبهة كحلان، بالتزامن مع غارات استهدفت مواقع في صعدة والحديدة. وقال الحوثيون إن الضربات طالت ميناء رأس عيسى وسفينتين تجاريتين وشركة النفط في باجل وشبكات اتصالات في صعدة، فيما لم تتوافر حصيلة مستقلة للأضرار.
لكن أخطر ما جرى لم يكن في المتاريس. استمرار إغلاق الطرق أدى إلى نقص حاد في الوقود والدقيق والمياه والأدوية والأكسجين الطبي. وقالت الأمم المتحدة إن انعدام الأمن وإغلاق الممرات منعا دخول الإمدادات التجارية والإنسانية، وخفضا إنتاج المياه إلى النصف تقريباً، وهددا بإخراج المستشفيات عن الخدمة.
وذكر مسؤولون محليون أن 120 مركزاً صحياً توقف عن العمل، وأن 66 مرفقاً آخر أصبح قريباً من الإغلاق. كما تعذر وصول برنامج الأغذية العالمي إلى أكثر من 600 ألف شخص يعتمدون على المساعدات. ولم تعد الشاحنات قادرة على استخدام الطرق المباشرة، فيما تعرضت مركبات للحوادث والأضرار خلال محاولتها الوصول إلى المدينة عبر مسارات جبلية بديلة.
وفي السادس من نوفمبر، أصاب صاروخ سوقاً في محافظة تعز، ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين. تبادل الحوثيون والقوات الموالية للسعودية الاتهامات. كل طرف قال إن الآخر نفذ الهجوم، ولم تتمكن وكالات الأنباء الدولية من تحديد مصدر الصاروخ بصورة مستقلة.
تكشف الواقعة مقدار الفوضى التي تحيط بالعمليات. صاروخ يسقط على سوق مكتظ، ثم تبدأ معركة الروايات قبل الانتهاء من انتشال الضحايا. غياب تحقيق مستقل يسمح لكل طرف باستخدام القتلى في خطابه، بينما تبقى هوية المسؤول معلقة.
وفي اليوم التالي، انتقل مركز المأساة إلى محيط صنعاء. قالت وزارة الصحة التابعة للحوثيين إن غارات على قرية الشرية، الواقعة على بعد نحو 15 كيلومتراً شمال شرقي العاصمة، قتلت 33 شخصاً وأصابت 39. وكانت الحصيلة الأولية 27 قتيلاً و36 جريحاً، معظمهم من النساء والأطفال، قبل أن ترتفع مع استمرار البحث تحت الأنقاض.
عرضت قناة المسيرة التابعة للحوثيين صور أطفال جرحى ومنازل مدمرة، واتهم مسؤولو الجماعة السعودية بتنفيذ الغارات ثم استهداف فرق الإنقاذ أثناء محاولتها انتشال الضحايا. لم تعلق الرياض فوراً، ثم قالت السلطات إنها تحقق في الواقعة. ولم تتمكن «أسوشيتد برس» من التحقق بصورة مستقلة من المسؤولية أو ادعاء تنفيذ ضربات لاحقة على المسعفين.
هذه الحادثة أعادت إلى الواجهة المشكلة التي رافقت التدخل السعودي منذ عام 2015. تستطيع الطائرات ضرب مواقع يعتقد أنها مرتبطة بالحوثيين، لكن سقوط المدنيين يمنح الجماعة قدرة على تحويل الخسارة العسكرية إلى مكسب سياسي ودعائي. وكلما ارتفع عدد الضحايا، تراجعت قدرة الرياض على تقديم حملتها باعتبارها دفاعاً عن اليمنيين أو محاولة لاستعادة مؤسسات الدولة.
وفي الوقت نفسه، لا تتوقف الجماعة عن استهداف مناطق مدنية وعسكرية في الجنوب. فقد تعرضت شبوة وعدن ولحج والضالع خلال الأسابيع الماضية لسلسلة ضربات بالصواريخ الباليستية والمسيّرات. وفي الأول من نوفمبر، أصاب صاروخ مركز السقية الصحي في مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج، وفق وزارة الصحة التابعة لحكومة المنفى، ما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة 15، بينهم عاملون صحيون، وتضرر سيارة إسعاف.
وجاء الهجوم بعد سلسلة ضربات استهدفت مطار عدن ومقر وزارة الداخلية ومنشآت خفر السواحل وقصر معاشيق ومناطق عسكرية وسكنية. ونجحت هذه الهجمات في إظهار الجنوب باعتباره ساحة مكشوفة: السعودية تقود الحرب من أراضيها وتحمي مدنها بمنظومات متعددة الطبقات، بينما تفتقر عدن وشبوة ولحج إلى شبكة دفاع صاروخي قادرة على حماية المطارات والمعسكرات والمناطق السكنية.
هذا الاختلال يفسر جانباً من تردد بعض القوى الجنوبية في الدخول في معركة مفتوحة ضد الحوثيين. فالمطلوب منها أن تتحمل القتال والخسائر، بينما تبقى قضيتها السياسية معلقة، ومدنها بلا حماية كافية، وقرار الحرب تحت سيطرة قيادة مقيمة في الرياض.
ومع تعثر القوات المحلية، تحركت السعودية نحو توسيع تحالفاتها الخارجية. ففي الرابع من نوفمبر، استقبل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض، ووقع البلدان اتفاقاً للتعاون بين وزارتي الدفاع. لم تنشر تفاصيل الاتفاق، لكن توقيته، وسط تصاعد الهجمات الحوثية، أعطاه معنى يتجاوز التعاون العسكري التقليدي.
وفي السادس من نوفمبر، كشفت «رويترز»، نقلاً عن مصدرين عسكريين سوريين ومسؤول أمريكي، أن سوريا أرسلت عدداً محدوداً من العسكريين إلى السعودية لتقديم التدريب والمشورة. وقال مسؤول أمريكي إن فرقاً سورية تساعد في تدريب وحدات سعودية ويمنية داخل المملكة لتحسين قدرتها القتالية.
وتحدث المصدران السوريان عن وصول عشرات العسكريين خلال الأسابيع الأخيرة، وأن مهمتهم استشارية وتدريبية، مع احتمال أن تكون صلاحياتهم أوسع. وقال مسؤول سعودي إن تبادل الخبرات يجري في الاتجاهين، وإن السوريين يستطيعون مساعدة المملكة بخبرتهم في قتال الجماعات المسلحة.
لكن دمشق سارعت في السابع من نوفمبر إلى نفي وجود قرار بإرسال قوات إلى اليمن. وقال مسؤول سوري إن الحديث عن انتشار عسكري سابق لأوانه، وإن أولوية دمشق ما تزال الأمن الداخلي وحماية الحدود وإعادة الإعمار. ويشير هذا النفي إلى أن السعودية لم تحصل بعد على موافقة سورية معلنة لنشر قوات في الجبهة اليمنية، وأن النقاش لا يزال يدور حول التدريب والمشورة وما يمكن أن يتطور إليهما التعاون لاحقاً.
يأتي المسار السوري ضمن بحث سعودي أوسع عن المساندة. تركيا صادقت على اتفاق دفاعي مع السعودية وباكستان، ومصر وافقت على تقديم دعم دفاعي للمملكة، بينما تناقش الرياض مع شركائها نشر منظومات اعتراض وخبراء ووحدات مساندة.
لكن جميع هذه الترتيبات تكشف حدودها منذ البداية. معظم الحلفاء مستعدون للمساعدة في حماية الأراضي السعودية، وليس بالضرورة للدخول في حرب برية داخل اليمن. الدفاع عن الرياض أو منشأة نفطية مهمة يمكن تحديدها وضبطها، أما التقدم نحو صنعاء أو قتال الحوثيين في جبال صعدة وتعز والجوف، فهو التزام مفتوح الكلفة والمدة.
وهنا تظهر المعضلة السعودية بوضوح. المملكة لا تعاني نقصاً في الدول التي تعلن التضامن معها، لكنها تعاني غياب قوة يمنية موحدة تستطيع تحويل هذا التضامن إلى تغيير على الأرض. ويمكن لتركيا أو باكستان أو مصر أو سوريا إرسال منظومات وخبراء ومدربين، لكن أياً منها لا يستطيع إصلاح الانقسامات بين القوات اليمنية أو منح حكومة المنفى شرعية وقراراً لا تملكهما.
كما أن الرياض لا تزال تدير المعسكر المناهض للحوثيين من خلال تشكيلات متنافسة: قوات مرتبطة بحزب الإصلاح، ووحدات درع الوطن والطوارئ، وتشكيلات جنوبية أعيد دمجها أو تفكيكها، وقوات في الساحل الغربي والجوف ومأرب لا تخضع فعلياً لقيادة واحدة.
وحين بدأت المعارك الكبيرة، ظهر أثر هذا البناء. لم تخض جميع القوى الحرب بالوتيرة نفسها. بعض الوحدات قاتلت في لحج وتعز والجوف، بينما بقيت تشكيلات أخرى بعيدة عن المواجهة، رغم استمرار حصولها على التمويل والسلاح والغطاء السياسي.
الحوثيون، على العكس، يحتفظون بمركز قيادة واحد وعقيدة عسكرية واحدة، ويستطيعون نقل المقاتلين والصواريخ بين الجبهات وفق أولوياتهم. لا يعني ذلك أنهم أقوى من السعودية من حيث السلاح والموارد، بل إنهم أكثر قدرة على تحويل ما يملكونه إلى قرار ميداني سريع.
وبعد أحد عشر عاماً من التدخل، تجد السعودية نفسها أمام النتيجة التي دخلت الحرب لمنعها. الحوثيون يسيطرون على صنعاء ومناطق واسعة في الشمال والغرب، ويتمركزون قرب باب المندب، ويحاصرون تعز، ويضغطون على شمال لحج، ويقصفون المدن والمنشآت السعودية، ويجبرون الرياض على طلب المساعدة من الخارج.
لا تعني هذه الصورة أن الحوثيين حسموا الحرب. القوات المحلية أوقفت بعض هجماتهم واستعادت مواقع في الجوف وتعز ولحج، كما أن قدرتهم على الاحتفاظ بالأراضي التي تقدموا إليها ستتوقف على الإمداد والحاضنة والقصف الجوي. لكن الأسبوع الأول من نوفمبر أكد أن العملية التي أعلنتها حكومة المنفى لم تستطع حتى الآن انتزاع زمام المبادرة.
ما تحقق هو اتساع الحرب، لا تغيير ميزانها. السعودية تشن مزيداً من الغارات، والحوثيون يطلقون مزيداً من الصواريخ، والقوات المحلية تقاتل في جبهات متباعدة، والمدنيون في تعز وصنعاء ولحج يدفعون الثمن.
والأخطر أن لا أحد من الأطراف قدم تصوراً واضحاً لنهاية هذه الجولة. الحوثيون يربطون وقف هجماتهم برفع ما يسمونه الحصار وإنهاء التدخل السعودي. والرياض تقول إنها تريد استعادة مؤسسات الدولة، لكنها لا تملك شريكاً يمنياً قادراً على حكم الأراضي إذا استعيدت. وحكومة المنفى تعلن أرقاماً ضخمة عن عملياتها، فيما تستمر في إدارة الحرب من خارج البلاد.
بين الأول والثامن من نوفمبر، لم تتغير هذه المعادلة؛ انكشفت بصورة أوضح فقط. الحوثيون أثبتوا أن بإمكانهم نقل الخوف إلى الرياض والمنطقة الشرقية، والسعودية أثبتت أنها تستطيع اعتراض جانب كبير من الهجمات، لكنها لم تثبت أنها قادرة على وقف مصدرها.
أما اليمن، فقد دخل أسبوعاً جديداً من الحرب بمدن محاصرة، وطرق مقطوعة، ومستشفيات بلا وقود، وأسواق ومنازل تحت القصف. وفي غياب قرار سياسي يعالج أسباب الانقسام ويبني قيادة عسكرية حقيقية، لن يكون توسيع التحالفات الخارجية أكثر من وسيلة لحماية السعودية من نتائج الحرب، لا وسيلة لإنهائها.