الرياضة

مدرجات صامتة ويمن مكشوف..

خليجي 27.. قيود السفر تُفرغ المدرجات واليمن «حمل وديع» من البداية

تعرض المنتخب اليمني لخسارة قاسية أمام المنتخب الإماراتي في افتتاح مشاركته بخليجي 27 - الاتحاد الإماراتية

جدة

انطلقت النسخة السابعة والعشرون من بطولة كأس الخليج العربي لكرة القدم في مدينة جدة السعودية وسط مفارقة واضحة بين الإمكانات التنظيمية الكبيرة التي سخرتها الدولة المستضيفة، والحضور المحدود في مدرجات عدد من مباريات الجولة الأولى، بالتزامن مع ظروف إقليمية مضطربة وقيود على السفر وارتفاع الكلفة التي يتحملها المشجع القادم من خارج السعودية.

وبينما كانت اللجنة المنظمة تراهن على تحويل جدة إلى ملتقى لجماهير المنتخبات الثمانية، جاءت الصور الأولى من الملاعب لتكشف مساحات واسعة خالية في المدرجات، باستثناء مباراة الافتتاح بين السعودية والكويت التي استقطبت أكثر من 31 ألف مشجع، مستفيدة من وجود المنتخب المضيف ومن ارتباط موعد الافتتاح بالاحتفالات السعودية باليوم الوطني.

أما بقية مباريات الجولة الأولى، فلم تقترب من الرقم المسجل في الافتتاح. ووفق أرقام نشرتها وسائل إعلام خليجية، حضر مباراة العراق وعُمان نحو 5,340 متفرجاً، بينما شهدت مواجهة الإمارات واليمن حضور 10,138 مشجعاً، وتراجع العدد في لقاء قطر والبحرين إلى نحو 4,120 متفرجاً، رغم أن المباراة جمعت منتخباً فاز بكأس آسيا مرتين مع حامل لقب كأس الخليج.

وتشير هذه الأرقام إلى أن المشكلة لم تكن مرتبطة بضعف مباراة واحدة أو غياب جماهير منتخب بعينه، بل بوجود فجوة واضحة بين التوقعات التي سبقت البطولة والقدرة الفعلية على استقطاب الجماهير الخليجية إلى جدة. فالبطولة التي ارتبط تاريخها بالقوافل البرية والرحلات الجماهيرية والاحتفالات في شوارع المدن المستضيفة، افتتحت نسختها الجديدة في ظل واقع إقليمي مختلف، فرضته الحرب والتوترات الأمنية وتعقيدات السفر.

وتقام «خليجي 27» بين 23 سبتمبر/أيلول و6 أكتوبر/تشرين الأول، في وقت تشهد المنطقة تصعيداً عسكرياً واسعاً، شمل تبادل الهجمات بين السعودية والحوثيين، واستهداف العاصمة الرياض ومنشآت نفطية ومدن حدودية، إلى جانب القصف السعودي لمناطق يمنية. وألقت هذه التطورات بظلالها على حركة السفر، ودفعت كثيراً من المشجعين إلى تجنب الرحلات غير الضرورية، خصوصاً العائلات والجماهير القادمة من دول بعيدة نسبياً عن جدة.

وكانت وكالة «أسوشيتد برس» قد أشارت قبل انطلاق البطولة إلى أنها تقام تحت وطأة الحرب الإقليمية وتصاعد الهجمات على السعودية، فيما تحدثت وكالة «رويترز» عن الأثر النفسي الذي تركه تجدد القتال على المنتخب اليمني ولاعبيه، الذين يخشى كثير منهم على عائلاتهم داخل البلاد.

لكن الظروف الأمنية لم تكن العامل الوحيد وراء العزوف. فقد أثارت أسعار التذاكر الأولية انتقادات واسعة، بعدما وصلت بعض الفئات إلى مستويات مرتفعة مقارنة بطبيعة البطولة وقدرة المشجع العادي على حضور أكثر من مباراة، ولا سيما إذا أضيفت إليها كلفة السفر والإقامة والتنقل داخل جدة.

وتراوحت الأسعار التي طُرحت قبل انطلاق البطولة بين 45 و120 ريالاً للفئات العادية في المباريات الرئيسية، فيما تجاوزت أسعار بعض الفئات المميزة 300 ريال. وهذه الكلفة قد لا تبدو كبيرة لمباراة واحدة، لكنها تتحول إلى عبء عندما ترغب أسرة في حضور عدة لقاءات، أو عندما يأتي المشجع من خارج السعودية ويتحمل ثمن تذكرة الطيران والفندق والمواصلات.

وبعد ظهور المقاعد الخالية في الجولة الأولى، تحرك الاتحاد الخليجي لكرة القدم واللجنة المحلية المنظمة بسرعة لتعديل الأسعار. وأصبحت تذاكر دور المجموعات متاحة بخمس فئات، تبدأ من 20 ريالاً، ثم 25 و30 و50 ريالاً، وصولاً إلى 100 ريال لفئة «بريميوم». وقال الاتحاد إن القرار يستهدف توفير خيارات مناسبة وتعزيز الحضور الجماهيري في المدرجات.

ويُعد خفض الأسعار اعترافاً عملياً بأن التسعيرة الأولى لم تكن مناسبة لطبيعة البطولة أو لجمهورها المستهدف. فقد أكدت تقارير صحفية أن القرار جاء عقب الانتقادات التي طالت الأسعار وانعكاسها على الحضور خلال الجولة الافتتاحية، وبعد ظهور مدرجات بعض المباريات بأعداد أقل من المتوقع.

غير أن خفض الأسعار وحده قد لا يكون كافياً لإعادة الروح إلى البطولة. فكأس الخليج لم تكن تعتمد تاريخياً على بيع التذاكر فقط، بل على تسهيلات دخول الجماهير وتنظيم رحلات برية وجوية وحملات تشجيع توفرها الاتحادات الوطنية. وفي النسخة الحالية، بدت حركة المشجعين القادمين من خارج السعودية أضعف من نسخ سابقة أقيمت في الكويت والعراق وقطر والإمارات.

واضطر الاتحاد العراقي لكرة القدم، على سبيل المثال، إلى شراء ألف تذكرة وتوزيعها مجاناً على الجماهير العراقية لدعم المنتخب في مباراته الأولى أمام عُمان، وهي مبادرة تكشف الحاجة إلى تدخل الاتحادات لتحريك المدرجات بدلاً من ترك المهمة كاملة لآليات البيع التجارية.

كما وضعت اللجنة المنظمة قائمة طويلة من المواد المحظورة داخل الملاعب، ضمت 32 بنداً، بينها الحقائب التي تتجاوز حجماً محدداً واللافتات ذات المحتوى السياسي أو التجاري غير المصرح به. ورغم أن معظم هذه القيود ترتبط بإجراءات الأمن والسلامة المعمول بها في البطولات الكبرى، فإن تراكم التعليمات مع تشدد الإجراءات الأمنية والظروف الإقليمية قد يقلل من تلقائية التجربة التي عُرفت بها بطولات الخليج.

وعلى أرض الملعب، جاءت النتائج الأولى متباينة. فقد تعادل العراق وعُمان بهدف لمثله، وافتتحت السعودية مشوارها بفوز صعب على الكويت بهدف وحيد، قبل أن تحسم تأهلها إلى نصف النهائي بالفوز على عُمان بثلاثية نظيفة في الجولة الثانية.

وحقق العراق فوزه الأول بتغلبه على الكويت بثلاثة أهداف مقابل هدفين في واحدة من أكثر مباريات البطولة إثارة حتى الآن، رافعاً رصيده إلى أربع نقاط خلف السعودية المتصدرة بست نقاط، فيما دخل المنتخبان العُماني والكويتي الجولة الأخيرة بحسابات أكثر تعقيداً.

وفي المجموعة الثانية، بدأت الإمارات وقطر البطولة بانتصارين واضحين. فازت الإمارات على اليمن بأربعة أهداف دون مقابل، وتغلبت قطر على البحرين بهدفين نظيفين، لتتصدر الإمارات بفارق الأهداف، بينما وجد اليمن والبحرين نفسيهما تحت ضغط مبكر قبل مواجهتي الجولة الثانية.

وكان المنتخب اليمني الطرف الأكثر انكشافاً في بداية البطولة. فقد وصل إلى جدة قبل بقية المنتخبات، وراهن مدربه الجزائري نور الدين ولد علي على دعم الجالية اليمنية الكبيرة في السعودية، مؤكداً أن كأس الخليج تمثل هدفاً مستقلاً وليست محطة إعداد لكأس آسيا المقبلة.

وقال ولد علي قبل البطولة إنه جهّز فريقه لكأس الخليج بنسبة «400 في المئة»، وإن مواجهة منتخبات تفوق اليمن في التصنيف تمنح اللاعبين دافعاً إضافياً. كما رأى أن اللعب في جدة فرصة نادرة لمنتخب لا يستطيع إقامة مبارياته على أرضه بسبب الحرب، ويخوض معظم استحقاقاته بعيداً عن جمهوره.

لكن هذه النبرة المتفائلة اصطدمت سريعاً بواقع المباراة أمام الإمارات. فقد بدا المنتخب اليمني أقل جاهزية بدنياً وفنياً، وعانى من هشاشة التغطية الدفاعية وضعف الانتقال بالكرة، بينما فرض المنتخب الإماراتي سيطرته مبكراً واستفاد من المساحات والأخطاء ليخرج برباعية نظيفة.

وسجل نيكولاس خيمينيز هدفين، وأضاف لوانزينيو هدفاً، فيما جاء الهدف الآخر بنيران يمنية صديقة. ولم تكن الخسارة مفاجئة بالنظر إلى فارق الإمكانات، لكن الطريقة التي وقعت بها أثارت أسئلة بشأن حقيقة الإعداد الذي سبق البطولة، وقدرة الجهاز الفني على بناء فريق ينافس بدلاً من الاكتفاء بمحاولة تقليل الخسائر.

ظهر اليمن في المباراة الأولى كـ«حمل وديع» داخل مجموعة تضم الإمارات وقطر والبحرين. فمنتخبات المجموعة جاءت بقوائم تضم لاعبين محترفين وبنية فنية مستقرة ودوريات محلية منتظمة، بينما وصل المنتخب اليمني محملاً بتداعيات حرب طويلة، واتحاد محدود الموارد، ومسابقات داخلية متقطعة، ولاعبين يفتقرون إلى الاحتكاك الدولي المستمر.

ولا يمكن فصل الأداء اليمني عن واقع كرة القدم في البلاد. فالمنتخب محروم منذ سنوات من اللعب على أرضه، ويتنقل بين المعسكرات الخارجية وفق الإمكانات المتاحة، ويبدأ كل بطولة تقريباً بجهاز فني جديد أو فترة إعداد قصيرة، ثم يُطلب منه مقارعة منتخبات تنفق عشرات الملايين على الأكاديميات والملاعب والدوريات.

ومع ذلك، لا تستطيع ظروف الحرب تفسير كل شيء. فقد تحولت الأعذار المزمنة إلى غطاء تستخدمه إدارات الكرة لتجنب المحاسبة، بينما بقي المنتخب أسير المشاركة الرمزية. يدخل البطولات بلا مشروع فني واضح، ويتلقى الخسائر، ثم تُقدَّم مشاركة اللاعبين باعتبارها إنجازاً بحد ذاتها.

ومنذ انضمامه إلى كأس الخليج، لم يحقق اليمن اللقب في أي نسخة، وما يزال يبحث عن حضوره التنافسي الأول في بطولة أصبح فيها غالباً الحلقة الأضعف. وتبدو المشكلة أكبر من نتيجة مباراة؛ إنها نتيجة منظومة لا توفر دوريّاً مستقراً، ولا برنامج إعداد طويل المدى، ولا قاعدة اختيار واسعة، ولا مساءلة حقيقية للاتحاد والأجهزة الفنية.

وتزداد صعوبة المهمة عندما يتحول المنتخب إلى مساحة للخطابات السياسية والوطنية بدلاً من معاملته مشروعاً رياضياً. فالحماس الجماهيري لا يعوض غياب التنظيم، والأغاني والشعارات لا تسد الثغرات الدفاعية، والجالية اليمنية الكبيرة في السعودية لا تستطيع وحدها تحويل فريق محدود الإعداد إلى منافس للمنتخبات الخليجية المتطورة.

ويواجه اليمن مساء الأحد المنتخب القطري في الجولة الثانية، في مباراة قد تحدد مصيره مبكراً. ويدخل المنتخب القطري المواجهة بثلاث نقاط وبثقة اكتسبها من فوزه على البحرين، بينما يحتاج اليمن إلى نتيجة إيجابية تبقي على آماله وتمنع تحوله إلى أول المودعين عملياً.

أما المباراة الثانية فتجمع البحرين والإمارات، وتحمل أهمية خاصة لحامل اللقب الذي خسر أمام قطر وأصبح مطالباً بالتعويض، في مواجهة منتخب إماراتي قدم أقوى نتيجة في الجولة الأولى وأظهر جاهزية هجومية واضحة.

وتضع البطولة منظميها أمام اختبارين متوازيين: الأول يتعلق باستعادة الجمهور وإقناعه بأن حضور المباريات يستحق كلفة السفر والوقت، والثاني يتعلق بالحفاظ على القيمة الفنية للبطولة في ظل الفوارق المتزايدة بين المنتخبات.

لقد نجحت السعودية في تجهيز الملاعب والبنية التنظيمية واستضافة المنتخبات، لكن كأس الخليج لا تقاس بنوعية المنشآت وحدها. قيمة البطولة الحقيقية تظهر في المدرجات وفي قدرة الحدث على استعادة طابعه الشعبي، لا أن يتحول إلى مباريات تلفزيونية تُقام داخل ملاعب كبيرة نصف خالية.

أما اليمن، فقد دخل البطولة كما دخل نسخاً سابقة: بجمهور يتطلع إلى مفاجأة، ولاعبين يحاولون تجاوز واقعهم، ومنظومة لم تمنحهم أدوات المنافسة. وكانت الرباعية الإماراتية إنذاراً مبكراً بأن الحماس وحده لا يكفي، وأن المنتخب قد يبقى «حمل وديع» المجموعة ما لم تتغير طريقة إعداده وإدارة كرة القدم اليمنية من جذورها.

ووتزداد مسؤولية الإدارة الرياضية اليمنية مع ابتعاد وزير الشباب والرياضة نايف البكري عن الملفات المرتبطة بالمنتخب وإعداده للبطولة، وانشغاله بأدوار سياسية وعسكرية لا تتصل مباشرة باختصاصات وزارته، في وقت كان يفترض أن تتركز جهوده على متابعة المنتخب وتوفير احتياجاته ومساءلة اتحاد كرة القدم عن مستوى الإعداد والنتائج.

ففي أعقاب الخسارة الثقيلة أمام الإمارات، لم يبرز البكري بصفته المسؤول الأول عن القطاع الرياضي لمناقشة أسباب الظهور الضعيف أو تقديم برنامج لمعالجة الاختلالات، بل ظهر مترئساً اجتماعاً لما سُمي «مجلس تنسيق ودعم الجبهات»، في تحرك جعله يؤدي عملياً بعض مهام وزير الدفاع داخل حكومة المنفى اليمنية.

وناقش الاجتماع، بحسب المعلومات المتداولة، جمع تبرعات مالية من رجال أعمال وتجار يمنيين محليين لتمويل الجبهات والقوات التي تقاتل الحوثيين، في خطوة تكشف انتقال مسؤولية الإنفاق العسكري من الحكومة والدول الراعية إلى القطاع التجاري المنهك أصلاً بالضرائب والجبايات وتدهور الاقتصاد.

وقالت مصادر لـ«اليوم الثامن» إن التحرك جاء بعدما أوقفت السعودية جانباً من دعمها المالي للقوات المناهضة للحوثيين، على خلفية ملفات فساد واسعة طالت أوجه الإنفاق والرواتب والمخصصات العسكرية. وبدلاً من فتح تحقيق شفاف في مصير الأموال السابقة ومحاسبة المسؤولين عن تبديدها، اتجهت حكومة المنفى إلى مطالبة التجار بتمويل جبهات يفترض أن تتحمل الدولة ونفقات الدفاع مسؤوليتها.

ويكشف انتقال وزير الشباب والرياضة إلى إدارة ملف دعم الجبهات مقدار الاضطراب داخل الحكومة وغياب الحدود بين مسؤوليات وزاراتها. فالمنتخب اليمني يخوض بطولة إقليمية من دون إعداد يوازي حجم المنافسة، فيما يغادر الوزير المعني موقعه الطبيعي ليتولى جمع الأموال للحرب، تاركاً الرياضة لاتحاد يعيد إنتاج المشاركات الضعيفة والنتائج الثقيلة من دون مراجعة أو مساءلة.

ولا يقلل دعم الجبهات من أهمية المعركة مع الحوثيين، لكن تحويل وزير الرياضة إلى مسؤول تعبئة مالية وعسكرية يعكس انهيار مفهوم العمل المؤسسي داخل حكومة المنفى. فوزارة الدفاع مسؤولة عن القوات والجبهات، ووزارة المالية مسؤولة عن تدبير الموارد، بينما تتمثل مهمة وزارة الشباب والرياضة في بناء المنتخبات وتطوير المسابقات وحماية مصالح الرياضيين.

وبين منتخب يدخل «خليجي 27» بلا أدوات حقيقية للمنافسة، ووزير يدير ظهره للقطاع ليتولى أدواراً عسكرية ومالية، تبدو الرباعية الإماراتية نتيجة طبيعية لمنظومة وضعت الرياضة في ذيل أولوياتها، ثم تركت اللاعبين وحدهم في مواجهة منتخبات مستقرة فنياً وإدارياً ومالياً.

انتشار تجارة السلاح في عدن والحاكم يشرع في توطين النازحين بـ«الفردوس»


حصري: خالد بن سلمان منع رشاد العليمي من حضور الجمعية العامة.. ثلاثة مصادر تكشف لــ«اليوم الثامن» خفايا اللحظة الأخيرة


السعودية أرادت هزيمة "طارق صالح" في المخا ومستقبله السياسي على المحك (ترجمة)


حكومة المنفى اليمنية تعيد «سبأفون» إلى السوق وتمنحها بنية «عدن نت» مجاناً