تقارير
واشنطن تترك حليفتها في الميدان..
السعودية تواجه حرب الحوثيين منفردة وترامب يرفض طلبها بالتدخل
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستمع بأهتمام الى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان - وكالات
تواجه السعودية أخطر موجة من الهجمات الحوثية منذ انهيار الهدنة الطويلة، من دون أن تمتلك حتى الآن رداً عسكرياً قادراً على وقف الضربات أو نقل الجماعة من الهجوم إلى الدفاع. فالغارات السعودية المكثفة على اليمن لم تمنع الصواريخ والطائرات المسيّرة من الوصول إلى مطارات المملكة ومنشآتها النفطية، فيما رفضت القوى اليمنية المتحالفة مع الرياض الاندفاع إلى حرب مفتوحة لا تعرف أهدافها ولا حدودها ولا الضمانات السياسية التي ستليها.
وسط هذا المأزق، اتصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طالباً مشاركة عسكرية أمريكية مباشرة ضد الحوثيين. وأفادت وكالة «رويترز»، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، بأن ترامب أجرى اتصالين على الأقل مع ولي العهد، لكنه لم يوافق على تنفيذ ضربات أمريكية، وعرضت واشنطن بدلاً من ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف.
كشف الاتصال الفارق الكبير بين حاجة السعودية إلى تدخل ينقذ موقفها العسكري، وبين حدود الاستعداد الأمريكي للدفاع عنها. فالرياض كانت تريد قوة نارية أمريكية تدخل الحرب وتضرب منصات الصواريخ ومراكز القيادة الحوثية، بينما قدمت واشنطن ما يكفي لمساعدة المملكة على مواصلة الحرب بنفسها، لا ما يكفي لحسمها.
وبعد الهجوم الدموي على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، قال ترامب إنه سيتحدث مع محمد بن سلمان، ووصف ما حدث بأنه «غير مقبول». وعندما سُئل عن احتمال انضمام الولايات المتحدة إلى الضربات السعودية، قال إن إدارته ستدرس الأمر وتتخذ قراراً سريعاً. لكنه لم يعلن دخول الحرب أو إصدار أوامر بتنفيذ ضربات، وبقي الموقف الأمريكي عند حدود التضامن السياسي والبحث في الخيارات.
وجاءت تصريحات ترامب بعدما تعرض مطار الرياض لهجوم أدى إلى مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300، قبل أن يتعرض المطار لهجوم آخر أصاب إحدى صالات الركاب وتسبب في اندلاع حريق وإصابات إضافية. كما أعلن الحوثيون استهداف مطارات ومنشآت اقتصادية أخرى، وحذروا شركات الطيران والمسافرين من استخدام المطارات السعودية.
أظهرت الهجمات أن الحرب لم تعد مواجهة تجري خلف الحدود السعودية أو داخل الجبال اليمنية. لقد انتقلت إلى قلب المملكة، وأصبحت تستهدف صورة الرياض بوصفها عاصمة آمنة للأعمال والاستثمار والطيران الدولي، بالتزامن مع سعي القيادة السعودية إلى تقديم البلاد مركزاً اقتصادياً وسياحياً عالمياً.
وردت السعودية بتكثيف الغارات الجوية على صنعاء وصعدة ومواقع أخرى، لكن القصف، على اتساعه، لم يقدم حتى الآن جواباً عن المشكلة الأساسية: كيف يمكن وقف منصات الإطلاق المتحركة، وإسكات الطائرات المسيّرة، واستعادة المبادرة البرية من جماعة راكمت خبرة عسكرية طويلة، وامتلكت شبكة واسعة من التحصينات والصواريخ ووسائل الهجوم غير التقليدية؟
تستطيع الطائرات السعودية ضرب مواقع ثابتة ومستودعات ومبانٍ ومراكز قيادة، لكنها لا تستطيع وحدها استعادة المدن والجبال والطرق الاستراتيجية. ولذلك تحتاج الرياض إلى قوة برية يمنية تخوض الحرب نيابة عنها، وهي القوة التي لم تنجح في بنائها طوال أكثر من عقد.
أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي المؤقت رشاد العليمي من مقر إقامته في السعودية بدء حرب لاستعادة مناطق الحوثيين، ودعا إلى التعبئة العامة. إلا أن الدعوة لم تُنتج استجابة يمنية واسعة، ولم تتحول إلى حشود قبلية وشعبية قادرة على تغيير ميزان القوة.
القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية موزعة بين تشكيلات وولاءات متعددة، ولا تخضع لقيادة موحدة. ولكل قوة حساباتها السياسية ومناطق نفوذها ومصادر تمويلها. كما لا تثق هذه الأطراف بأن الرياض تمتلك خطة لنهاية الحرب أو تصوراً لما سيحدث إذا دُفع الحوثيون من بعض المناطق.
لا تريد القوى المرتبطة بحزب الإصلاح التضحية بما تبقى من مواقعها وقواتها في مواجهة غير مضمونة، ولا تبدو التشكيلات القبلية في مأرب مستعدة لفتح حرب شاملة، بينما تعرضت قوات طارق صالح لخسائر قاسية في الساحل الغربي. أما القوات الجنوبية، فلا ترى مصلحة في التوجه إلى صنعاء أو صعدة من أجل إعادة إنتاج سلطة يمنية ترفض الاعتراف بحق الجنوب في تقرير مصيره.
وهكذا وجدت السعودية نفسها أمام حلفاء يقبلون الدعم، لكنهم يرفضون دخول معركة كسر عظم وفق الشروط السعودية. وهذه النتيجة لم تظهر فجأة؛ إنها حصيلة سياسة طويلة تعاملت مع القوى اليمنية بوصفها شبكات نفوذ منفصلة، لا مكونات لتحالف سياسي وعسكري يمتلك هدفاً مشتركاً.
وبدلاً من توحيد القوى المناهضة للحوثيين، عمقت الرياض الخلافات بينها. حافظت على علاقتها بجماعة الإخوان المسلمين في اليمن، ودعمت تشكيلات سلفية وقبلية متنافسة، وأبقت مجلس القيادة الرئاسي منقسماً بين ثمانية أعضاء يمثلون مشروعات متعارضة. وحين انفجرت الخلافات، تدخلت السعودية لحماية توازن النفوذ، لا لحسم الاتجاه العسكري ضد الحوثيين.
في يناير/كانون الثاني 2026، ارتكبت الرياض خطأها الاستراتيجي الأكبر عندما شنت حرباً واسعة على القوات الجنوبية، وهي القوات التي كانت جزءاً رئيسياً من التحالف العربي العسكري، وخاضت المعارك الأكثر حسماً ضد الحوثيين والقاعدة وداعش.
استخدمت السعودية الطيران والقوات المحلية الموالية لها لإخراج القوات الجنوبية من مواقع في حضرموت والمهرة ومناطق أخرى، وصادرت أسلحة وآليات كانت مستخدمة في حماية المدن ومكافحة الإرهاب. وأكدت تقارير دولية أن قوات مدعومة سعودياً استعادت مناطق سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي، عقب غارات واشتباكات عمقت الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
قدمت الرياض تلك الحرب بوصفها تحركاً لحماية وحدة اليمن وإعادة سلطة الحكومة، لكنها حطمت، عملياً، جزءاً من القوة البرية التي كان يمكن الاستناد إليها في حماية باب المندب والسواحل الجنوبية ومواجهة أي تقدم حوثي.
لم تؤدِ الحرب السعودية إلى إنشاء جيش بديل أكثر قوة وانضباطاً. بل فككت تشكيلات قائمة ووزعت أسلحتها ومواقعها على قوات طوارئ و«درع الوطن» وتشكيلات أخرى لا تمتلك خبرة القوات الجنوبية نفسها، ولا تجمعها عقيدة عسكرية أو قيادة عمليات موحدة.
وعندما عاد الحوثيون إلى الهجوم، ظهرت نتيجة ذلك القرار. لم تعد الرياض تمتلك داخل الجنوب حليفاً راغباً في القتال معها، ولم تستطع القوات التي قدمتها بديلاً تحقيق اختراق حاسم، بينما رفض قطاع واسع من الجنوبيين أن يتحول أبناؤهم مرة أخرى إلى وقود لحرب سعودية، بعد أشهر فقط من استهدافهم بالطيران وتفكيك قواتهم.
كان الجنوبيون من أكثر الأطراف اندفاعاً في مواجهة الحوثيين عند انطلاق عاصفة الحزم عام 2015. وقد قاتلوا دفاعاً عن عدن ولحج والضالع، ثم تقدموا في الساحل الغربي حتى أبواب الحديدة، وأسهموا في تأمين باب المندب وملاحقة تنظيم القاعدة في أبين وشبوة وحضرموت.
لكن السعودية أرادت الاحتفاظ بقدرتهم العسكرية من دون الاعتراف بمشروعهم السياسي. أرادتهم حلفاء في مواجهة الحوثيين، وخصوماً عندما طالبوا باستعادة دولتهم. وعندما تعارضت مطالب الجنوب مع أولوية الوحدة اليمنية التي تتمسك بها الرياض، اختارت المملكة ضرب حليفها الجنوبي، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف الجبهة التي تواجه إيران وأذرعها.
اليوم تدفع السعودية ثمن هذا الاختيار. فالقوة التي حاربتها في يناير/كانون الثاني كانت ضمن القوى القليلة التي امتلكت حاضنة محلية وخبرة في القتال الميداني. وبعد تفكيكها، بدأت الرياض البحث عن بدائل خارج اليمن.
اتجهت أولاً إلى الولايات المتحدة، لكن ترامب رفض تنفيذ الضربات التي طلبها محمد بن سلمان. ثم عقد ولي العهد اجتماعاً مع قائد القيادة المركزية الأمريكية الأميرال براد كوبر، في محاولة للحصول على دعم عسكري أوسع، من دون أن تعلن واشنطن انتقالها من الإسناد الاستخباراتي إلى المشاركة المباشرة.
كما لجأت الرياض إلى تركيا وباكستان ضمن ترتيبات دفاعية وسياسية إقليمية، وسط حديث عن طلب قوات أو دعم جوي ودفاعي. وظهرت لاحقاً مناقشات سعودية سورية بشأن احتمال إرسال آلاف المقاتلين السوريين إلى اليمن، بما في ذلك وحدات تضم مقاتلين إسلاميين أجانب شاركوا في الحرب السورية.
لا يعكس هذا النشاط الدبلوماسي وجود استراتيجية سعودية متماسكة بقدر ما يكشف البحث العاجل عن أي قوة تستطيع سد الفراغ البري. فخلال أسابيع، طلبت الرياض المساعدة من الأمريكيين، وناقشت الدعم مع الأتراك والباكستانيين، ثم فتحت باب البحث في استقدام قوات سورية.
تبحث السعودية في الخارج عن المقاتلين الذين فقدتهم في الداخل. وبعدما فككت القوة الجنوبية التي كانت تعمل ضمن التحالف العربي، أصبحت تفكر في جلب قوات من سوريا لا تعرف اليمن وجغرافيته ومجتمعه، وقد تحمل معها عقائد الحرب السورية وتناقضاتها المذهبية والتنظيمية.
وحتى إذا وصلت قوات أجنبية، فإنها لن تعالج أصل المشكلة. الحرب ضد الحوثيين لا تحتاج إلى مزيد من الأجساد المسلحة فقط، بل إلى مشروع سياسي قادر على جمع القوى المحلية وإقناعها بأن نتيجة القتال لن تكون العودة إلى النظام نفسه الذي أنتج الانقسامات والحروب.
ولم تقدم الرياض هذا المشروع. فهي ما تزال تتمسك بوحدة يمنية فقدت أسسها السياسية والاجتماعية، وتدير مجلساً رئاسياً عاجزاً من الخارج، وتطلب من القوى المحلية القتال من أجل سلطة لا تستطيع العودة إلى عدن أو ممارسة صلاحياتها بعيداً عن الوصاية السعودية.
أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع الأزمة بمنطق مختلف. اهتمامها الأساسي هو حماية الملاحة الدولية ومنع تعطل صادرات الطاقة، لا إعادة حكومة العليمي إلى صنعاء أو إنقاذ المشروع السعودي في اليمن. ولهذا تقدم لمدينة الرياض صور الأقمار الاصطناعية والمعلومات الاستخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف، لكنها تتجنب إرسال الطائرات والجنود إلى حرب مفتوحة.
ترى واشنطن أن الحوثيين مشكلة ينبغي على السعودية وحلفائها الإقليميين احتواؤها، بينما تركز القوة الأمريكية على المواجهة الأوسع مع إيران وحماية مضيق هرمز والمصالح المباشرة للولايات المتحدة. ووفق هذا التصور، يقع على الرياض تحمل العبء الرئيسي للحرب اليمنية، حتى إن كانت المملكة قد بنت أمنها طوال عقود على افتراض أن الولايات المتحدة ستتدخل عند تعرضها لخطر كبير.
وبهذا المعنى، لم تدر واشنطن ظهرها للسعودية بصورة كاملة؛ فهي لا تزال تقدم السلاح والمعلومات والدعم الدفاعي. لكنها أدارت ظهرها لطلب سعودي محدد: أن تخوض الولايات المتحدة الحرب بدلاً من المملكة أو إلى جانبها.
اتصال محمد بن سلمان بترامب أظهر محدودية العلاقة عندما انتقلت من صفقات التسليح والبيانات السياسية إلى طلب القتال الفعلي. السعودية طلبت ضربات أمريكية، فحصلت على مساعدة في اختيار الأهداف. طلبت شريكاً يدخل المعركة، فتلقت وعداً بدراسة الخيارات.
وفي الأثناء، يستمر الحوثيون في الضغط العسكري والاقتصادي. وصلت هجماتهم إلى مطارات الرياض وأبها والدمام ومنشآت الطاقة، فيما بقيت لديهم القدرة على تهديد البحر الأحمر وباب المندب. وأشارت تقارير «رويترز» إلى أن الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين تقلل فرص تحقيق انتصار سريع، وتجعل الحرب مرشحة لمزيد من الاستنزاف.
لم تعد الأزمة السعودية في نقص الطائرات أو الصواريخ، بل في غياب القوة المحلية والمشروع السياسي. يمكن للرياض تنفيذ مئات الغارات، لكنها لا تستطيع احتلال جبل أو حماية طريق أو استعادة مدينة من الجو. ويمكنها شراء أحدث الأسلحة، لكنها لا تستطيع شراء ولاء مجتمع حاربته أو ثقة حليف فككت قواته.
لقد أضعفت السعودية حلفاءها اليمنيين، وحاربت القوات الجنوبية، وأبقت خصوم الحوثيين متفرقين، ثم أعادت إشعال الحرب قبل أن تضمن وجود قوة برية قادرة على خوضها. وعندما بدأت الصواريخ تسقط على مطاراتها، اكتشفت أن الحلفاء المحليين لا يريدون القتال، وأن الولايات المتحدة لا تريد التورط، وأن عليها البحث عن قوات من خارج اليمن.
هذه هي الخلاصة الأكثر قسوة بالنسبة إلى الرياض: لا تواجه السعودية الحوثيين وحدهم، بل تواجه أيضاً نتائج سياستها. فالجماعة الموالية لإيران تستغل الانقسامات التي صنعتها المملكة داخل المعسكر المناهض لها، وتهاجم دولة أهدرت حلفاءها الحقيقيين، ثم راحت تبحث في واشنطن وأنقرة وإسلام آباد ودمشق عمن يحميها من حرب كانت شريكاً رئيسياً في صناعة شروطها.