أول خط ملاحي منتظم مع أفريقيا..

هل خط الملاحة في القاهرة إلى مومباسا يعزز المصالح الاقتصادية؟

أول خط ملاحة منتظم بين القاهرة وأفريقيا

القاهرة

 افتتحت القاهرة أول خط ملاحي منتظم مع أفريقيا يقدم رحلة أسبوعيا من ميناء العين السخنة بمدينة السويس على البحر الأحمر، قاصدا ميناء مومباسا في كينيا على المحيط الهندي، ومنه إلى داخل القارة. واستقبل هشام توفيق وزير قطاع الأعمال العام المصري الأربعاء وفد المجموعة الفرنسية للبدء في تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع “جسور” الذي يشمل تأسيس شركة للتسويق والوساطة لفتح أسواق جديدة مع الدول الأفريقية.

يأتي الخط ضمن سياسة المشروع المصري (جسور)، بهدف توفير سلسلة متكاملة من خدمات النقل واللوجستيات لفتح أسواق جديدة للتجارة عبر نافذة واحدة للتعامل مع المصدرين والمستوردين، ولا يخلو تعظيم التوجه الاقتصادي من أهداف سياسية، حيث تولي القاهرة اهتماما بدول القارة، بعد أن أدى غيابها طويلا إلى العديد من المشكلات، لامست الخطوط الحمراء التي تتعلق بأمنها المائي، حيث تصاعد التباين حول عملية إنشاء السدود في بعض دول حوض النيل، الذي يمثل شريانا حيويا لمصر.

تنمية بطعم السياسة

تساير مصر توجها إقليميا ودوليا، يجد في الدفع بمزيد من المشروعات التنموية المشتركة، كأداة جيدة لتقليل الخلافات السياسية، ووسيلة لكسر حدة التباعد الذي يأتي نتيجة الهوة العميقة في بعض القضايا، فالتعاون الاقتصادي يتيح المجال للتوافق حول طروحات وتفاهمات تؤدي إلى تحقيق كل طرف لمصالحه من دون إضرار بالآخرين.

ولدى مصر مجموعة من المشروعات الاقتصادية الحالمة داخل دول القارة، لكن مردوداتها السياسية محدودة حتى الآن، لأن غالبيتها من نوعية المشروعات الصغيرة والبعيدة عن المجالات الحيوية التي يمكن أن تؤثر في مسار العلاقات.

وأصبحت دول شرق أفريقيا جاذبة لكثير من المشروعات العربية، وقطعت السعودية والإمارات شوطا طويلا في هذا المجال، بما ساعد على حضورهما السياسي القوي، الذي مكنهما من وضع نواة للسلام والتنمية في منطقة عرفت لوقت طويل بأنها بؤرة للصراعات والنزاعات والحروب بالوكالة.

وأحرز القبول بهذا المبدأ (السلام والتنمية) نتائج كبيرة بين إثيوبيا وإريتريا، وأخذت الخطوات تتزايد في جيبوتي وكينيا، وبات الصومال على مقربة منها جميعا، لأن القوى التي تتقاتل تكاد تخور قواها العسكرية، ما يجعلها تفكر في الاستفادة من المزايا الإستراتيجية التي يمتلكها الصومال في القرن الأفريقي، والتي تؤهله ليصبح مركزا رئيسيا في مجال النقل الإقليمي، ويطوي معه واحدة من أشد صفحات التوتر قتامة في المنطقة، ويقلص من تدخلات الدول التي وجدت في الفوضى أداة لفرض النفوذ.

وتغيرت طرق فرض النفوذ السياسي، ولم تعد القوة العسكرية الوحيدة التي تتحكم في صعوده أو هبوطه، لكن التنمية المستدامة والمشروعات المتكاملة وفي القلب منها النقل، تلقى اهتماما كبيرا من بعض القوى الطامحة إلى القيام بأدوار إقليمية، وهو ما جعل التركيز عليها يتزايد، ويقفز في الآونة الأخيرة قفزات كبيرة، تجلت معالمها في شرق أفريقيا، ما يعني أنها قابلة للانتقال إلى عمق القارة، والتي تفتقر إلى شبكات النقل بمختلف أنواعه.

وصاحب مشروع “جسور” المصري إطلاق تطبيق إلكتروني عبر الهاتف الخلوي يحمل اسم “Gosour” يشمل وسائل التواصل المختلفة والأماكن المتاحة على الخط الملاحي والشحنات الخاصة بالموردين، لتسهيل المهام أمام راغبي التعامل مع السوق الأفريقية عالميا من خلال الخط الملاحي المصري.

التنمية المستدامة والمشروعات المتكاملة تلقيان اهتماما كبيرا من بعض القوى الطامحة إلى القيام بأدوار إقليمية

ويحتاج تطوير العلاقات السياسية مع أفريقيا دعما اقتصاديا كبيرا، حيث توقف الخط الملاحي المصري الذي كان يمتلكه رجل الأعمال المصري مصطفى الأحول، منذ عام 2008، وكان ينطلق من القاهرة إلى دول شرق أفريقيا.

وأرجع الأحول في تصريح لـ”العرب” توقف الخط إلى “ارتفاع تكلفة الشحن وتصاعد ارتفاع مخاطر القرصنة في البحر الأحمر، إلى جانب ضآلة حجم التجارة بين دول القارة”. وأضاف أن هذه المشكلة كانت تدفع للعودة من أسواق شرق أفريقيا إلى القاهرة دون بضائع، وكان يتم شحن السفن العائدة بالرمال لضمان عودتها آمنة، حيث ترتفع مخاطر الملاحة البحرية من القراصنة عندما تكون السفن فارغة.

وتسعى القاهرة إلى تدشين سلسلة من خطوط النقل البري مع أفريقيا، وستعلن عن أول طريق شحن بري للبضائع خلال الربع الثاني من العام المقبل، ويركز على شحن منتجات المشروعات الصغيرة والمتوسطة لمختلف أسواق أفريقيا.

وقال عباس شراقي، خبير الشؤون الأفريقية بجامعة القاهرة، إن تطوير العلاقات السياسية لا يتحقق إلا بالتوازي مع تأسيس مشروعات تنموية، فدول القارة الأفريقية تعاني ضعفا في البنية التحتية، لاسيما الطرق والمواصلات.

وأوضح لـ”العرب” أن تعدد المشروعات وتعديل التشريعات التجارية يعززان من عمق العلاقات السياسية بمرور الوقت، فضلا عن أن مشروع “جسور” يخدم منطقة الشرق الأفريقي، ويساهم في تطوير نظام تخزين البضائع طوال العام بعدد من الدول الأفريقية ويعيد بريق العلاقات المصرية مع دول القارة مجددا.

ويفتح الخط الجديد مباحثات مستمرة مع الدول الست التي سيمر عليها، بدءا من مصر والسودان وإثيوبيا والصومال وتنزانيا وكينيا، وتعد الدولتان الأخيرتان هما الأهم على الخط الملاحي، لأنهما ستكونان محورا مهما لنقل البضائع إلى الدول الأفريقية الحبيسة التي ليست لديها موانئ بحرية.

وأكد عادل اللمعي، رئيس غرفة ملاحة بورسعيد (شمال شرق القاهرة)، لـ”العرب” أنه سيتم تدشين مخازن في هاتين الدولتين لتخزين البضائع بهدف تصريفها إلى العمق الأفريقي، وفق نظام البضاعة الحاضرة. وتزيد هذه الخطوة من التقارب مع هذه الدول نظرا للمصالح الاقتصادية المتوقعة، وأهميتها في توفير البضائع والأدوية وغيرها لهذه الأسواق.

تصحيح المسارات

شهدت العلاقات المصرية الأفريقية أفضل فتراتها السياسية خلال حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، حيث دعمت القاهرة حركات التحرر الوطني والاستقلال في القارة، لكنها تراجعت بعد رحيله، ويحاول الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي إعادة تصحيحها، حيث تمتلك القاهرة خطة طموحة لتطوير علاقاتها مع دول القارة، ما يتطلب دعما اقتصاديا من خلال تحسين النقل البحري والبحري والجوي.

وأكد جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، لـ”العرب”، أنه طالب بأن تسرّع القاهرة من خطواتها لإنجاز طريق القاهرة- كيب تاون، والذي يساهم في تعزيز العلاقات التجارية، وسوف تكون لذلك تأثيرات سياسية كبيرة، لأن الخط يخترق القارة من شمالها إلى جنوبها.

وتعمل القاهرة على تطوير عدد من الموانئ الأفريقية وإيجاد وسائل نقل ميسرة للدول الحبيسة، وإنشاء صناديق تمويلية لبعض المشروعات التنموية، كمدخل مهم لتعميق العلاقات السياسية مع دول القارة.

ويبقى تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي مع أفريقيا تحديا أمام القاهرة، لأنه يحتاج إلى فائض كبير من الأموال، ويمثل عنصرا مهما للدفاع عن الأمن القومي في العمق الأفريقي، ويوفر وسائل ضغط تساعد في حالة انسداد الآفاق السياسية.

ولم تعد الجسور معابر فقط لتعزيز حركة التجارة بين الدول، لكنها أصبحت بنية لتحقيق الأمن السياسي والاجتماعي أيضا، وتحديدا بين الدول المرتبطة بهويات وأيديولوجيات متقاربة، أو داخل نطاق إقليمي موحد.

وبدأت مصر تلتفت إلى أن تعزيز العلاقات السياسية يحتاج إلى شرايين وأطر للتعاون الاقتصادي بين الدول لزيادة جسور الثقة، ووجدت في تدشين شبكات قوية من الطرق والكباري إلى جانب الملاحة الجوية، وسيلة ضرورية لزيادة حضورها المعنوي والمادي