سجال سياسي جديد بعد تصريحات البرهان ورد حاد من قرقاش..
الإمارات ترفض اتهامات الجيش السوداني وتدعو لوقف القتال وحماية المدنيين
قال أنور قرقاش إن اتهامات قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان للإمارات محاولة للتنصّل من مسؤولية إنهاء الحرب، مؤكدًا أن المطلوب دوليًا هو وقف القتال وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان
في تغريدة لافتة جاءت في لحظة سياسية وإنسانية شديدة التعقيد، انتقد أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، تصريحات قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان، معتبرًا أنها تعكس استمرار التنصّل من مسؤولية إنهاء الحرب الدائرة في السودان، في وقت يطالب فيه السودانيون والمجتمع الدولي بشكل متزايد بوقف القتال وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
وقال قرقاش في تغريدته إن الاتهامات التي وُجّهت إلى الإمارات وقيادتها “ادعاءات باطلة” لا تعدو كونها تضليلًا سياسيًا، مؤكدًا أنها لا تغيّر من واقع الأزمة السودانية ولا تبرّر تعطيل مسار السلام، في إشارة واضحة إلى تحميل أطراف خارجية مسؤولية حرب داخلية دخلت عامها الثاني دون أفق للحسم.
وتأتي هذه التصريحات في سياق رد سياسي مباشر على اتهامات أطلقها الجيش السوداني مؤخرًا ضد الإمارات، في محاولة، بحسب مراقبين، لإعادة توجيه الأنظار بعيدًا عن جذور الصراع الداخلي، الذي تفجّر نتيجة صراع على السلطة داخل المؤسسة العسكرية بعد انهيار الترتيبات الانتقالية عقب سقوط نظام عمر البشير.
وبلغة مباشرة أقرب إلى خطاب البيانات الدبلوماسية، أعاد قرقاش توجيه بوصلة النقاش من مربع الاتهام الخارجي إلى جوهر الأزمة، معتبرًا أن المشكلة الأساسية تكمن في عجز القيادات المتحاربة عن تحمّل مسؤولياتها الوطنية، ووضع حد لنزيف الدم والانهيار الإنساني المتواصل الذي يهدد ملايين السودانيين.
ولم تقتصر رسالة المسؤول الإماراتي على نفي الاتهامات، بل ذهبت إلى تفكيك منطقها السياسي، إذ تحمل الإشارة إلى “التنصّل من المسؤولية” دلالة على أن الخطاب الرسمي للبرهان بات يبحث عن شماعات خارجية لتبرير الفشل في إدارة الصراع أو إنهائه، في ظل غياب أي اختراق حقيقي في مسارات التفاوض أو وقف إطلاق النار.
ويرى دبلوماسيون ومحللون أن هذا الطرح ينسجم مع قراءة أوسع تتبناها أطراف إقليمية ودولية، مفادها أن استمرار الحرب في السودان لا يرتبط بتدخلات خارجية بقدر ما هو نتاج صراع نفوذ داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وانسداد سياسي مزمن منذ الإطاحة بالنظام السابق، ما جعل السلاح يحل محل السياسة.
كما تعكس التغريدة تمسّك الإمارات بخطاب يربط بين الحل السياسي والأولوية الإنسانية، إذ شدّد قرقاش على ضرورة وقف القتال وحماية المدنيين وضمان تدفق المساعدات، وهو موقف يتقاطع مع دعوات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية التي تحذّر من كارثة إنسانية غير مسبوقة، تشمل خطر المجاعة وانهيار الخدمات الأساسية في مناطق واسعة من السودان.
ويقدّم موقف قرقاش الإمارات كفاعل إقليمي يسعى، بحسب خطابه المعلن، إلى استقرار السودان وتسريع الوصول إلى حل سياسي، في وقت تُصنَّف فيه الأزمة السودانية كإحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، نتيجة تمسّك طرفي الحرب بمواصلة النزاع المسلح رغم كلفته البشرية والاقتصادية الهائلة.
وفي المقابل، تعكس اتهامات الجيش السوداني للإمارات، ومحاولات تصدير الأزمة إلى الخارج، حالة مأزق سياسي وأخلاقي تعيشها قيادة الجيش، إذ يرى مراقبون أن الاستثمار في خطاب سيادي وتحريضي قد يحقق تعبئة داخلية مؤقتة، لكنه يفاقم عزلة السودان إقليميًا ودوليًا، ويعقّد فرص التوصل إلى تسوية شاملة.
ويخلص مراقبون إلى أن تعطيل مسار السلام لا يعود إلى “مؤامرة خارجية”، كما يروّج الخطاب الرسمي للبرهان، بل إلى رفض الاعتراف بجذور الأزمة، والاستمرار في إدارة الصراع بمنطق القوة لا بمنطق الحلول السياسية.
وفي هذا السياق، تبدو تغريدة أنور قرقاش قراءة سياسية مختصرة لكنها عميقة لتشخيص الوضع السوداني، تضع المسؤولية في موقعها المباشر على عاتق الأطراف السودانية المتحاربة، وتحمل في الوقت ذاته رسالة مزدوجة، نفيًا حازمًا للاتهامات، ودعوة غير مباشرة للجيش السوداني إلى مغادرة منطق التبرير والانخراط في استحقاق إنهاء الحرب، استجابة لإرادة شعب أنهكه الصراع، ولمطالب مجتمع دولي لم يعد يقبل استمرار المأساة.


