"تصعيد الضالع يكشف حدود الحوار ويعيد طرح سؤال الجنوب"..
القصف أثناء التفاوض.. كيف تقوّض غارات السعودية على الضالع مسار السلام في الجنوب
تتجاوز تداعيات التصعيد في محافظة الضالع الإطار المحلي، لتطرح أسئلة مباشرة على الفاعلين الدوليين المعنيين باستقرار اليمن وأمن الإقليم. فاستهداف مناطق مأهولة بالمدنيين بالتوازي مع مسار سياسي مُعلن يقوّض مصداقية أي جهود وساطة ترعاها أطراف إقليمية أو دولية
تصعيد الضالع يكشف حدود الحوار ويعيد طرح سؤال الجنوب - أرشيف
قالت مصادر طبية ومسعفون إن عشرات المدنيين سقطوا بين قتيل وجريح جراء غارات جوية نفذها طيران المملكة العربية السعودية على محافظة الضالع شمال العاصمة المؤقتة عدن، في تصعيد عسكري هو الأوسع منذ أسابيع.
وبحسب المصادر، أسفرت الغارات التي تجاوز عددها 50 غارة جوية عن سقوط نحو 60 ضحية، بينهم نساء وأطفال، وسط تدمير منازل سكنية في عدد من القرى، في وقت لا تزال فيه فرق الإسعاف تعمل في ظروف إنسانية وأمنية معقدة.
ونقلت مصادر محلية أن الغارات استهدفت، فجر الأربعاء، مناطق في قرية زُبيدي، التي ينتمي إليها رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس قاسم الزبيدي. وقالت وزارة الدفاع السعودية إن العمليات تأتي في إطار ملاحقة الزبيدي، متهمة إياه برفض التوجه إلى الرياض.
في المقابل، أكد المجلس الانتقالي الجنوبي أن الزبيدي لم يغادر عدن، ويواصل مهامه من داخل العاصمة المؤقتة، مشرفًا بشكل مباشر على الأوضاع الأمنية وعمل المؤسسات في محافظات الجنوب.
وفي تطور متصل، أفادت مصادر دبلوماسية بأن وفدًا من المجلس الانتقالي الجنوبي، يضم قرابة 60 شخصية برئاسة الأمين العام للمجلس، كان قد وصل إلى الرياض للمشاركة في مشاورات سياسية، قبل أن تنقطع أخبار الوفد بشكل مفاجئ. وأضافت المصادر أن السلطات السعودية قامت باحتجاز أعضاء الوفد ومصادرة هواتفهم وأجهزتهم الإلكترونية، دون صدور توضيح رسمي حتى الآن.
وقال أحد المسعفين في الضالع، في إفادة خاصة، إن غارة جوية أصابت ثلاثة منازل سكنية، ما أدى إلى مقتل 13 مدنيًا، بينهم سبع نساء وطفلان، مشيرًا إلى العثور على جثمان رجل في العقد السادس من عمره قُتل أثناء توجهه لأداء صلاة الفجر قرب أحد المساجد.
وأفاد ناشطون حقوقيون بأن الوضع الإنساني في محافظة الضالع بلغ مرحلة حرجة، في ظل استمرار الغارات وصعوبة وصول الإسعافات، مطالبين بفتح تحقيق دولي مستقل في سقوط الضحايا المدنيين.
وأكد المجلس الانتقالي الجنوبي التزامه بالتعاطي الإيجابي والمسؤول مع مختلف المبادرات السياسية وجهود الحوار، انطلاقًا من قناعته بأن الحوار الجاد يشكّل المسار الأمثل لمعالجة القضايا العادلة، وفي مقدمتها قضية شعب الجنوب.

وفي هذا الإطار، غادر مساء الثلاثاء 6 يناير 2026 وفد من المجلس إلى العاصمة السعودية الرياض، برئاسة الأمين العام الشيخ عبدالرحمن شاهر الصبيحي، وعضوية عدد من أعضاء هيئة رئاسة المجلس، للمشاركة في مؤتمر مرتقب يتناول قضية شعب الجنوب، في خطوة تعكس انفتاح المجلس واستعداده للتفاعل البنّاء مع أي مسار سياسي يراعي تطلعات الجنوبيين وحقوقهم المشروعة.
وفي الوقت ذاته، يواصل الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي مهامه من العاصمة عدن، إلى جانب المواطنين، متابعًا بشكل مباشر عمل المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، بما يضمن استقرار الأوضاع الأمنية، واستمرار عمل مؤسسات الدولة، والحفاظ على الأمن والاستقرار في عدن وبقية محافظات الجنوب.
وأشار المجلس إلى أنه، وفي الوقت الذي كان يُؤمَل فيه أن تسود أجواء التهدئة والحكمة، نفّذ الطيران السعودي غارات جوية على مناطق في محافظة الضالع، أسفرت – بحسب إفادات أولية – عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال، في تصعيد وصفه المجلس بالمؤسف، ولا ينسجم مع مناخ الحوار المعلن.
كما أعرب المجلس عن قلقه إزاء تعذّر التواصل مع وفده الذي وصل إلى الرياض منذ ساعات، وعدم توفر معلومات رسمية حتى الآن بشأن مكان تواجده أو ظروفه، معتبرًا أن هذا الأمر يثير تساؤلات جدية تتطلب توضيحًا عاجلًا.
ودعا المجلس السلطات في السعودية إلى الوقف الفوري للقصف الجوي، وضمان سلامة وفده المتواجد في الرياض، وتمكينه من التواصل دون تأخير، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لتهيئة بيئة إيجابية لأي حوار جاد وذي معنى. كما ناشد المجلس الأطراف الإقليمية والمجتمع الدولي الاضطلاع بدور فاعل لوقف التصعيد، وضمان احترام المبادئ الإنسانية والقانونية، بما يسهم في دعم مسار السلام والاستقرار.
قال مصدر دبلوماسي جنوبي في الولايات المتحدة الأمريكية إن القصف الجوي السعودي الذي استهدف مساكن مدنيين في محافظة الضالع لا يمكن فصله عن السياق السياسي الراهن، واصفًا إياه بأنه «محاولة إخضاع بالقوة عبر القصف وقطع قنوات الاتصال، ثم المطالبة بالطاعة سياسيًا».
وأضاف المصدر أن المجلس الانتقالي الجنوبي لم يتوجه إلى الرياض “طلبًا للإذن”، بل بهدف طرح قضية شعب الجنوب على طاولة سياسية معلنة، معتبرًا أن الرد على ذلك تمثّل في غارات استهدفت مدنيين. وقال إن «من يقصف أثناء الدعوة إلى الحوار لا يسعى إلى تسوية سياسية، بل إلى كسر الإرادة وفرض وقائع بالقوة».
واعتبر المصدر أن انقطاع التواصل مع وفد مشارك في مؤتمر أُعلن عنه رسميًا في المملكة العربية السعودية يرقى إلى احتجاز سياسي، مشيرًا إلى أن الروايات التي تحدثت عن “هروب القيادة” سقطت أمام الوقائع على الأرض، حيث لا يزال رئيس المجلس متواجدًا في عدن ويشرف على الأوضاع الأمنية والمؤسسات العامة. وأضاف أن الغارات على الضالع تمثل، من وجهة نظره، «رسالة ترهيب سياسية تهدف إلى فرض سقف قسري للحوار».
وأوضح المصدر أن المجلس اختار المسار السياسي، لكن الرد جاء باستخدام القوة العسكرية، معتبرًا أن ذلك يشكل «تقويضًا مباشرًا لمسار السلام»، مضيفًا أن «الحوار الذي يبدأ بقصف النساء والأطفال يُعد جريمة سياسية قبل أن يكون خطأً عسكريًا».
وأشار إلى أن الجنوب قدّم، بحسب تعبيره، مبادرة سياسية عقلانية، إلا أن الرد تمثل في نسف الثقة علنًا، مؤكدًا أن أي عملية سلام جادة يجب أن تبدأ بوقف إطلاق النار وضمان التواصل، لا باستخدام التصعيد كأداة تفاوض.
وختم المصدر بالقول إن التطورات الأخيرة تكشف، في تقديره، عن نية إقصاء المجلس لا التفاهم معه، محذرًا من أن استخدام مؤسسات سياسية وبيانات اتهام عقب القصف يشكل «محاكمة سياسية مسبقة» لتبرير الإقصاء. ودعا المجتمع الدولي إلى موقف واضح، مؤكدًا أن الصمت إزاء هذه الممارسات قد يُفهم على أنه قبول بتقويض مسار السلام، ومشددًا على أن أي حوار مستقبلي لن يكون «بوابة لإذلال سياسي»، وأن استمرار التصعيد سيحمّل الأطراف المسؤولة تبعات تفجير المسار السياسي برمّته.
وتشير مصادر حقوقية إلى أن طبيعة الغارات الجوية، واستهدافها مناطق مأهولة بالسكان، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، قد يرقى إلى انتهاك محتمل لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب في النزاعات المسلحة، وهو ما يستدعي، بحسب هؤلاء، إجراء تحقيق مستقل وشفاف لتحديد المسؤوليات والوقوف على ملابسات ما جرى، دون إصدار أحكام مسبقة.
وتتجاوز تداعيات التصعيد في محافظة الضالع الإطار المحلي، لتطرح أسئلة مباشرة على الفاعلين الدوليين المعنيين باستقرار اليمن وأمن الإقليم. فاستهداف مناطق مأهولة بالمدنيين بالتوازي مع مسار سياسي مُعلن يقوّض مصداقية أي جهود وساطة ترعاها أطراف إقليمية أو دولية، ويضع شركاء المملكة العربية السعودية أمام تحديات متزايدة في تبرير استراتيجياتهم الأمنية، لا سيما في ظل التدقيق المتنامي من قبل الأمم المتحدة والجهات الحقوقية الدولية.
وعلى مستوى الأمن الإقليمي، يثير التصعيد مخاوف جدية بشأن استقرار جنوب اليمن، بوصفه جزءًا من منظومة أمن أوسع تشمل البحر العربي وخطوط الملاحة المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب، وهي ممرات حيوية للتجارة العالمية وأمن الطاقة. أي انزلاق إضافي نحو الفوضى في هذه المناطق قد ينعكس سلبًا على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، الذين يضعون أمن الممرات البحرية ومكافحة الإرهاب العابر للحدود في صدارة أولوياتهم الاستراتيجية.
أما بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، فإن استمرار التصعيد يحمل تداعيات غير مباشرة تتعلق بأمن الحدود الجنوبية لأوروبا، سواء عبر تنامي مخاطر الإرهاب، أو تفاقم تدفقات الهجرة غير النظامية، أو اتساع شبكات الجريمة المنظمة المرتبطة بمناطق النزاع. وفي هذا السياق، قد تجد العواصم الأوروبية نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم مواقفها تجاه المسار السياسي في اليمن، ومدى جدوى دعم مقاربات أمنية لا تُظهر انسجامًا بين الخطاب الدبلوماسي والممارسة الميدانية.
وعلى صعيد أوسع، يعكس ما يجري في الضالع نموذجًا متكررًا في النزاعات المعاصرة، حيث يُستخدم التصعيد العسكري كأداة ضغط سياسي، وهو ما يهدد بتآكل الأعراف الدولية الناظمة لإدارة الصراعات. وإذا ما استمر هذا النمط دون مساءلة أو تصحيح، فإنه قد يرسّخ سابقة خطيرة تُضعف من قدرة المجتمع الدولي على فرض معايير واضحة للحوار، وتحوّل مسارات السلام من أدوات تسوية إلى أطر شكلية تُدار تحت التهديد.


