حرب على الوعي..

ورقة بحثية: “الوحدة أو الموت” تحولت إلى أداة إكراه نفسي أنتجت قمعًا ممنهجًا منذ 1990

خلصت دراسة صادرة عن مؤسسة اليوم الثامن إلى أن الصراع اليمني لم يقتصر على المواجهة العسكرية، بل اتخذ شكل “حرب نفسية” استهدفت الوعي والإرادة عبر تحويل شعار “الوحدة أو الموت” إلى سردية إكراه وعقاب. الدراسة تربط ذلك بانتهاكات حقوقية وإفقار وإقصاء أسهمت في تفجير الحراك الجنوبي عام 2007.

عدن

أظهرت دراسة سيكو-سياسية صادرة عن مؤسسة اليوم الثامن أن الصراع في اليمن خلال الفترة 1990–2025 لم يكن مجرد تنازع عسكري مباشر، بل تضمن استراتيجيات ممنهجة للسيطرة استهدفت الوعي والإرادة الجمعية عبر ما تصفه الدراسة بـ”الحرب النفسية”، معتبرة أن هذه الممارسة مثلت أحد محركات العنف البنيوي وإدامة الخضوع القسري داخل المجتمع.

وتركز الدراسة، التي حملت عنوان “استراتيجية الحرب النفسية وآليات السيطرة العقابية في اليمن”، على تفكيك سردية “الوحدة أو الموت” بوصفها نموذجًا لتحويل مفهوم سياسي قابل للنقاش إلى “تهديد وجودي” يجرّم أي مطالب حقوقية أو سياسية بوصفها خيانة تستوجب العقاب، ما أدى—بحسب الدراسة—إلى شلل نفسي واجتماعي واسع وترسيخ الامتثال القسري، عبر صناعة حالة من التنافر المعرفي بين القناعات الفردية والخطاب الرسمي.

وقالت الدراسة إن أخطر ما نتج عن توظيف هذه السردية هو الانتقال بها من شعار قومي إلى “برنامج إكراه سردي عقابي ممنهج”، ارتبط بصورة مباشرة بتفاقم الانتهاكات الحقوقية الموثقة وإضعاف المقاومة المجتمعية، خصوصًا في الجنوب، حيث جرى التعامل مع المطالب السياسية بوصفها خروجًا عن “الهوية القسرية” التي فُرضت من أعلى.

وبحسب الملخص التنفيذي للدراسة، فإن آليات السيطرة العقابية تشكلت عبر مسارين رئيسيين: أولهما تقديم السردية بوصفها خيارًا صفريًا لا يحتمل البدائل، بما يسمح بإغلاق المجال العام وفرض منطق الردع، وثانيهما تطبيق ما وصفته الدراسة بعملية “التطهير الوظيفي والإقصاء الهيكلي” كعقاب اقتصادي واجتماعي أدى إلى إفقار ممنهج وتجريد الجنوب من نخبه، معتبرة أن هذا المسار كان أحد العوامل الرئيسية التي فجّرت الحراك الجنوبي السلمي في عام 2007.

واعتمدت الدراسة منهجًا تحليليًا نقديًا مدعومًا بالمنهج التاريخي، ودمجت بين أدوات العلوم السياسية وعلم النفس الاجتماعي لتفسير آليات الخضوع، مستندة إلى نظريات مثل “العجز المكتسب” و”الابتعاد الأخلاقي” و”القيّد المزدوج”، إلى جانب تحليل الخطابات الرسمية والفتاوى وتقارير منظمات حقوقية.

كما قسمت الدراسة الفترة الزمنية إلى ثلاث مراحل، بدأت بمرحلة “الإكراه الصامت” بين 1990 و1994، ثم “الترسيم العسكري والسيطرة” بين 1994 و2011، وصولًا إلى مرحلة “الثورة والحرب السردية” بين 2011 و2025، معتبرة أن أدوات القمع تطورت من الاغتيالات المنظمة إلى شرعنة العنف دينيًا واقتصاديًا، ثم إلى تكثيف الحرب الإعلامية وتجريم المعارضة بوصفها تهديدًا وجوديًا.

وخلصت الدراسة إلى أن المنظومة القمعية في اليمن لم تستند فقط إلى القوة الميدانية، بل إلى دمج الخطاب السياسي والديني والأمني والاقتصادي لإنتاج “سيطرة شاملة” تبرر الانتهاكات وتغطيها أخلاقيًا وقانونيًا، داعية إلى تفكيك المنظومة العقابية بأبعادها الخطابية والقانونية والاقتصادية كشرط لأي مشروع سياسي مستقبلي قائم على التوافق والمواطنة بدلًا من الإكراه والتهديد.