معركة تتجاوز خطوط التماس..

تعز والحديدة في قلب التصعيد.. الحوثيون يختبرون الطريق إلى باب المندب

تحولت هجمات الحوثيين في غرب تعز وجنوب الحديدة من محاولة لاختراق خطوط التماس إلى معركة واسعة هددت طرق المخا وباب المندب، قبل أن تستعيد القوات اليمنية زمام المبادرة. غير أن غياب موقف سعودي حاسم كشف هشاشة التحالفات وتضارب حسابات القوى المناهضة للجماعة.

أسرة يمنية تفر من الحرب في بلدة الكدحة في تعز عقب سيطرة الحوثيون عليها - إعلام يمني محلي

اليمن

دخلت الحرب اليمنية، منذ مطلع سبتمبر/أيلول، مرحلة جديدة من التصعيد في محافظتي تعز والحديدة، بعدما نقل الحوثيون ثقل عملياتهم إلى الجبهة الغربية، وشنوا هجمات برية وصاروخية وبحرية متزامنة، استهدفت مواقع القوات اليمنية المدعومة من السعودية والمقاومة الوطنية والطرق المرتبطة بمدينة المخا، قبل أن تتحول المواجهات إلى معارك مفتوحة امتدت من جبل حبشي ومقبنة إلى حيس وجنوب الجراحي.

وخلال أقل من أسبوع، انتقلت الجبهة من اشتباكات متقطعة إلى واحدة من أعنف جولات القتال منذ سنوات، وسقط عشرات القتلى والجرحى من الطرفين، إلى جانب ضحايا مدنيين، بينما نزحت مئات الأسر من القرى القريبة من خطوط التماس.

 وكشفت المعارك أن هدف الحوثيين لم يكن تحقيق تقدم موضعي فقط، بل الضغط على شبكة الطرق التي تربط مدينة تعز بالساحل الغربي، وتهديد المخا من عمقها البري، وإعادة وضع باب المندب داخل الحسابات العسكرية المباشرة.

وبدأت مؤشرات التصعيد مع الأيام الأولى من سبتمبر، عندما كثف الحوثيون عمليات الاستطلاع بالطائرات المسيّرة والقصف المدفعي على مواقع متفرقة في ريف تعز الغربي وجنوب الحديدة. وبدا أن الجماعة تمهد لهجوم أوسع عبر استكشاف مواقع الدفاع ونقاط الضعف في القطاعات التي تديرها تشكيلات عسكرية متعددة لا تخضع، عملياً، لغرفة قيادة واحدة.

وفي الثالث من سبتمبر، خرجت المواجهات من نطاقها المحدود. فقد شن الحوثيون هجمات على محاور سقم وحاضية والبراشا في مديرية مقبنة، وعلى مناطق الكدحة والبرح وأطراف جبل حبشي، بالتزامن مع تحركات باتجاه المواقع الواقعة جنوب الحديدة. واستمرت الاشتباكات في بعض القطاعات نحو 15 ساعة، واستخدم خلالها الطرفان المدفعية والأسلحة المتوسطة والثقيلة، في وقت دفعت الجماعة بأنساق متعاقبة من المقاتلين لاختراق الخطوط الأمامية.

وتزامن الهجوم البري مع إطلاق 14 صاروخاً باليستياً على مديريات الساحل الغربي في محافظتي تعز والحديدة، وفقاً لما أعلنه المركز الإعلامي للقوات اليمنية. واستهدف معظم الصواريخ مدينة المخا وريفها ومناطق قريبة من الخوخة، بينما رافقت القصف هجمات بطائرات مسيّرة ومحاولات لاستهداف مواقع عسكرية وتحركات برية.

وقالت القوات اليمنية الموالية للسعودية إن الصواريخ لم تحدث أثراً مباشراً في سير العمليات، لكن كثافة الهجوم حملت دلالة تتجاوز حجم الأضرار الميدانية. فاستخدام هذا العدد من الصواريخ في فترة زمنية قصيرة وفر غطاءً نارياً ونفسياً للهجوم، وأجبر القوات المدافعة على توزيع دفاعاتها بين حماية المواقع البرية ومراقبة الأجواء وتأمين المنشآت والطرق الخلفية.

كما حاول الحوثيون إدخال العنصر البحري في المعركة، إذ أعلنت المقاومة الوطنية تدمير زورقين مفخخين، كان أحدهما متجهاً نحو ميناء المخا، فيما تحرك الآخر باتجاه منطقة الفجرة جنوب ميناء الخوخة. وبذلك جمعت العملية الحوثية بين الهجوم البري والقصف الصاروخي والمسيّرات والزوارق المفخخة، في صيغة توحي بأنها صُممت لإرباك منظومة الدفاع على امتداد الساحل، وليس للسيطرة على موقع واحد.

وخاضت المقاومة الوطنية، التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح، مواجهات متواصلة في قطاعات البرح والكدحة وسقم والمناطق المحاذية لجنوب الحديدة. وقال إعلامها العسكري إن قواتها أخمدت مصادر النيران وأفشلت محاولات الاقتراب من مواقعها، كما أعلنت إسقاط عدد من المسيّرات وإعطاب آليات ومقتل قيادات ميدانية حوثية.

لكن مسار المعركة كان أكثر تعقيداً في المواقع التي تدافع عنها قوات محور تعز، الذي تسيطر على مفاصله قيادات عسكرية وسياسية محسوبة على حزب التجمع اليمني للإصلاح (إخوان اليمن). فقد تحدثت مصادر ميدانية عن تقدم حوثي من مقبنة باتجاه أطراف جبل حبشي، وسيطرة الجماعة على مواقع في حمرة والقوز الأسفل والرحبة، فضلاً عن تحركات باتجاه الشراجة والعفيرة وتلال تشرف على طريق الكدحة.

ونفت مصادر عسكرية يمنية، في بداية الهجوم، سقوط مواقع بيد الحوثيين، وقالت إن قوات محور تعز –تشكيلات مسلحة إخوانية تدعمها السعودية- أحبطت محاولات التسلل وحافظت على خطوطها. إلا أن البيانات اللاحقة التي أعلنت استعادة تبة الخزان والمكاحنة وقرية الجنان وجبل نعمان أظهرت، بصورة غير مباشرة، أن الحوثيين نجحوا في السيطرة على بعض هذه المواقع قبل أن تستعيدها القوات اليمنية خلال الهجوم المضاد بحسب مزاعمها.

ولا يبدو التباين بين الروايتين مجرد خلاف إعلامي بشأن وصف المعركة. فهو يعكس حساسية الاعتراف بحدوث اختراق في جبهة تخضع لقوات حكومية كبيرة العدد، ويكشف استمرار التعامل مع المعلومات الميدانية باعتبارها جزءاً من الصراع السياسي بين المكونات المناهضة للحوثيين. وقد أدى تأخر الإقرار بحقيقة ما حدث إلى انتشار روايات متناقضة بشأن حجم التقدم الحوثي والجهات المسؤولة عن خسارة المواقع.

ووفق المعطيات التي ظهرت لاحقاً، حقق الحوثيون في الساعات الأولى تقدماً محدوداً لكنه مهم من الناحية التكتيكية في غرب تعز، مستفيدين من عنصر المفاجأة وكثافة النيران وتوزيع الهجوم على أكثر من محور. 

غير أن هذا التقدم لم يتحول إلى سيطرة مستقرة، بعدما وصلت تعزيزات حكومية وبدأت القوات هجوماً مضاداً لاستعادة المواقع المرتفعة.

وبحلول الرابع من سبتمبر، استعادت قوات المقاومة الوطنية مسنودة بقوات العمالقة تبة الخزان وتبة المكاحنة وقرية الجنان وجبل نعمان في عزلة الشراجة بمديرية جبل حبشي، وواصلت القتال في جبهتي مقبنة والكدحة. وتمثل هذه المواقع نقاط إشراف على الطرق والتحركات العسكرية، ولذلك كان بقاؤها في يد الحوثيين سيمنح الجماعة قدرة أكبر على تهديد طريق تعز–المخا والضغط على المناطق الخلفية للقوات اليمنية.

وفي الحديدة، تركز الهجوم الحوثي على المواقع الواقعة أسفل جبل دباس وفي محيط مديرية حيس. وقالت مصادر عسكرية إن القوات المدافعة اضطرت إلى الانسحاب من بعض النقاط تحت ضغط هجمات كثيفة نُفذت بأنساق متعددة، قبل أن تبدأ المقاومة الوطنية والقوات المشتركة عمليات مضادة لاستعادتها.

ومع اتساع القتال، دخل الطيران الحربي الذي تقول الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض إنها يتبعها، للمرة الأولى خلال هذه الجولة، ونفذ 15 غارة على مواقع وتجمعات وآليات وخطوط إمداد حوثية في جبهات تعز والحديدة.

 وقالت وسائل إعلام سعودية إن التدخل الجوي شكل نقطة تحول، لأنه حد من قدرة الحوثيين على الدفع بتعزيزات مكشوفة، ومنح القوات البرية فرصة لإعادة تنظيم صفوفها والانتقال من الدفاع إلى الهجوم.

وفي الخامس من سبتمبر، أعلنت القوات اليمنية والقوات المشتركة استعادة مديرية حيس في محافظة الحديدة بالكامل، ثم بدأت التقدم باتجاه جنوب مديرية الجراحي، بالتزامن مع تحرك وحدات من المقاومة الوطنية وألوية العمالقة، وتنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة على تعزيزات الحوثيين.

وتكتسب حيس أهمية عسكرية بسبب موقعها الذي يربط جبهات جنوب الحديدة بريف تعز الغربي، كما تمثل قاعدة انطلاق نحو الجراحي ومناطق الداخل التهامي. والسيطرة عليها لا تعني فقط إبعاد الحوثيين عن مناطق جنوب الخوخة، بل تضيق عليهم مساحة المناورة بين الجبهتين، وتضع بعض طرق إمدادهم القادمة من زبيد والجراحي تحت ضغط العمليات البرية والجوية.

وفي جنوب شرقي تعز، توسعت العمليات إلى جبهة حيفان، حيث أعلنت القوات اليمنية السيطرة على تبة الوثرة وتبة سعيد طه في منطقة المفاليس، إلى جانب تباب ذيبان والخضيرة والنجدين. وتطل هذه المواقع على سوق الخزجة وخطوط إمداد تربط مواقع الحوثيين في جنوب تعز بالمناطق الواقعة شمال غربي لحج.

وهذا التوسع الجغرافي يحمل دلالتين متعارضتين. فمن ناحية، يكشف أن الحكومة حاولت منع الحوثيين من حصر المعركة في المحاور التي اختاروها، ونقلت الضغط إلى جبهات أخرى لإجبارهم على تشتيت قواتهم. ومن ناحية أخرى، يرفع احتمال تحول التصعيد إلى حرب واسعة متعددة الجبهات، قد تتجاوز قدرة الأطراف على ضبطها أو إبقائها داخل حدود تعز والحديدة.

وظلت حصيلة القتلى متضاربة بفعل استمرار القتال وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر عسكرية وطبية من الجانبين مقتل أكثر من 120 شخصاً خلال يومي الخميس والجمعة، بينهم 66 من القوات اليمنية و62 من مقاتلي الحوثيين. وفي الخامس من سبتمبر، أفادت تقارير أخرى بمقتل أكثر من 60 شخصاً إضافياً، بينهم 26 من القوات اليمنية و31 حوثياً وعدد من المدنيين.

ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من جميع هذه الأرقام، كما يستخدم الطرفان حصيلة خسائر الخصم في الحرب النفسية. إلا أن عدد القتلى واتساع رقعة المعارك وتدفق الجرحى إلى مستشفيات تعز والحديدة تدل على أن الهجوم لم يكن عملية استطلاع بالقوة، بل مواجهة أُعد لها مسبقاً وجرت بمستوى من الكثافة لم تعرفه هذه الخطوط خلال فترة الهدوء النسبي.

وامتد أثر القتال سريعاً إلى المدنيين. فقد أدى قصف طريق هيجة العبد، الرابط بين تعز وعدن، إلى مقتل مدنيين وإصابة آخرين، فيما استهدف صاروخ مطعماً عند مفرق المخا أثناء وجود مسافرين وعمال بداخله. وتحدثت مصادر محلية عن سقوط ضحايا وأضرار واسعة، في حين دفعت المواجهات مئات الأسر إلى مغادرة القرى القريبة من جبل حبشي ومقبنة وحيس.

وتزيد الطبيعة الجغرافية للمنطقة من المخاطر الإنسانية. فالقرى موزعة بين جبال وأودية وطرق محدودة، وأي قصف للمعابر أو إغلاق للطرق يعزل السكان عن الأسواق والمرافق الصحية. كما أن انتقال المعركة إلى الأراضي الزراعية والمناطق المزروعة بالألغام يهدد بجعل العودة إلى القرى صعبة حتى بعد توقف الاشتباكات.

والهدف العسكري المباشر للهجوم الحوثي يبدو مرتبطاً بمحاولة السيطرة على التلال المرتفعة غرب تعز ووضع طريق الكدحة تحت الضغط. فهذا الطريق يمثل أحد الشرايين التي تصل مدينة تعز بالمخا والساحل، بعد سنوات من الحصار والتعقيدات التي تحيط بالطرق الأخرى. وإذا تمكن الحوثيون من قطعه أو وضعه تحت نيرانهم، فسيكون بوسعهم زيادة عزلة تعز وتهديد الخاصرة الشرقية للمخا في الوقت نفسه.

ومن هنا لا يمكن فصل معارك جبل حبشي ومقبنة عن موقع المخا وباب المندب. فالمخا ليست ميناءً تجارياً فقط، بل مركز القيادة السياسية والعسكرية للمقاومة الوطنية وقاعدة رئيسية للقوات المنتشرة في الساحل الغربي. كما تقع على مسافة قريبة من المضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وتمر عبره حركة واسعة من تجارة العالم والطاقة.

ولا يحتاج الحوثيون إلى السيطرة المباشرة على باب المندب حتى يؤثروا في الملاحة. فامتلاك مواقع مرتفعة ومساحات ساحلية أقرب إلى المضيق يمكن أن يوسع نطاق تشغيل الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، ويمنح الجماعة قدرة إضافية على مراقبة السفن أو تهديدها. ولهذا تتجاوز المعركة حسابات السيطرة المحلية إلى صراع على موقع اليمن في أمن البحر الأحمر.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي المؤقت قد قال إن القوات التي تدعمها السعودية لن تسمح بتحقيق ما وصفه بهدف إيراني للسيطرة على باب المندب. غير أن الحوثيين ينفون العمل لمصلحة طهران، ويقدمون معركتهم باعتبارها مواجهةً مع السعودية لإنهاء ما يصفونه بالعدوان والحصار واستعادة السيادة اليمنية.

وفي مقابلة تلفزيونية مع قناة العربي القطرية، خلال التصعيد، قال عضو المكتب السياسي للحوثيين محمد البخيتي إن جماعته لا تريد رفع السلاح في وجه خصومها الداخليين، وإن عملياتها موجهة ضد السعودية. ودعا القوى المحلية إلى الاحتفاظ بمناطق سيطرتها وأسلحتها وعدم المشاركة في عمليات تخدم الرياض، متعهداً بأن تُحل الخلافات الداخلية لاحقاً عبر الحوار.

لكن هذه الرواية تصطدم بطبيعة العمليات على الأرض. فالهجمات استهدفت مواقع يمنية في تعز والحديدة، وسقط خلالها يمنيون من الطرفين، كما أصاب القصف طرقاً ومنشآت يرتادها مدنيون. وإذا كانت الجماعة تعتبر السعودية خصمها المباشر، فإن اختيارها التحرك ضد القوات المحلية في الكدحة ومقبنة وحيس يحول المواجهة، عملياً، إلى حرب داخلية بصرف النظر عن التوصيف السياسي الذي تمنحه لها.

وقال البخيتي إن القوات اليمنية والمقاومة الوطنية هي التي بدأت القتال استجابةً لتوجيهات سعودية، وإن الحوثيين ردوا على استهداف مطار صنعاء وما وصفه بانتهاك تفاهمات خفض التصعيد. كما ربط الحرب بالمواجهة الإقليمية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واتهم الرياض بالتحرك لحماية مصالح غربية في باب المندب.

ويكشف هذا الخطاب أن الحوثيين يريدون نزع الصفة المحلية عن خصومهم وتصويرهم امتداداً للسعودية، بما يتيح للجماعة مهاجمتهم مع الاستمرار في القول إنها لا تخوض حرباً أهلية. كما يسمح لها بربط معارك تعز والساحل بصراع إقليمي أوسع، وتقديم تحركها باعتباره جزءاً من مواجهة النفوذ الأميركي والإسرائيلي، لا محاولةً لتوسيع السيطرة داخل اليمن.

وفي المقابل، قال المحلل السياسي اليمني الموالي للمعسكر السعودي عبدالستار الشميري إن المواجهة حرب تفرضها الجماعة لتحقيق أهداف إيرانية في البحر الأحمر، وإن المواقع التي هاجمتها لا تضم قوات سعودية أو أميركية أو إسرائيلية، بل قوات يمنية ومدنيين. ورأى أن طهران تسعى إلى بناء مركز ثقل جديد في اليمن لتعويض تراجع نفوذها في ساحات إقليمية أخرى.

وبعيداً عن اللغة الدعائية للطرفين، يمكن قراءة توقيت التصعيد في ضوء ثلاثة عوامل مترابطة. 

الأول هو رغبة الحوثيين في استثمار قدراتهم الصاروخية والبحرية لتحسين موقعهم السياسي، وإظهار أن التهدئة لا تعني تجميد قدرتهم على فتح الجبهات.

 والثاني هو اختبار استعداد القوات اليمنية والمقاومة الوطنية للقتال بعد سنوات من الجمود والانقسامات. 

أما الثالث فهو إدخال باب المندب في أي تفاوض لاحق بشأن مستقبل اليمن وأمن البحر الأحمر.

وقد أظهرت الأيام الأولى أن الحوثيين يمتلكون القدرة على بدء المعركة وتحديد توقيتها، لكنهم لا يملكون ضمان استمرار تقدمهم عندما تنتقل القوات المقابلة إلى هجوم منظم ويحضر الطيران. فقد نجحوا في اختراق مواقع بغرب تعز وجنوب الحديدة، إلا أن القوات اليمنية استعادت معظمها، ثم دفعت بالمعركة شمالاً باتجاه الجراحي وفتحت محاور إضافية في حيفان.

ومع ذلك، فإن فشل الحوثيين في تثبيت جميع مكاسبهم لا يعني انتهاء الخطر. فالجماعة استطاعت تحريك جبهة واسعة واستخدام مزيج من الصواريخ والمسيّرات والزوارق والقوات البرية، وأجبرت خصومها على استدعاء تعزيزات من مناطق أخرى. كما أثبتت قدرتها على تهديد المخا وطرقها الخلفية من دون الحاجة إلى الاقتراب المباشر من المدينة.

وفي الجبهة المقابلة، كشفت المعارك تفاوتاً واضحاً في الجاهزية. فقد بدت وحدات المقاومة الوطنية أكثر تماسكاً في قطاعات الساحل، بينما تعرضت مواقع محور تعز التابع لجماعة الإخوان والمدعوم سعوديا لاختراقات مبكرة قبل وصول التعزيزات. ويعود ذلك جزئياً إلى اختلاف هياكل القيادة والتسليح وطبيعة الانتشار، لكنه يرتبط أيضاً بتداخل الحسابات الحزبية داخل محور تعز وضعف التنسيق بينه وبين القوات الموجودة في الساحل.

ويحتفظ تنظيم الإخوان –ذراع السعودية المحلي- بنفوذ واسع داخل مؤسسات الجيش والسلطة المحلية في تعز، غير أن هذا النفوذ لم ينعكس دائماً على فاعلية الجبهة. فالمحافظة ظلت لسنوات ساحةً للمنافسة بين قيادات عسكرية وحزبية، وتعرضت مواردها للاستنزاف في صراعات داخلية، بينما بقيت خطوط التماس في حالة دفاع مزمن.

وأعاد التقدم الحوثي الأولي طرح أسئلة عن قدرة القوات المحسوبة على التنظيم على حماية الممر الغربي لتعز، وعن مصير الدعم الذي حصلت عليه خلال سنوات الحرب. وفي المقابل، أظهر الهجوم المضاد أن هذه القوات ليست عاجزة عن استعادة المبادرة، لكنها احتاجت إلى تعزيزات وإسناد جوي حتى تتمكن من استرجاع المواقع التي خسرتها.

أما المقاومة الوطنية، فرغم نجاحها في صد هجمات عدة وتدمير الزوارق المفخخة، فإنها تعمل داخل بيئة سياسية معقدة. فهي جزء من مجلس القيادة الرئاسي والمعسكر المناهض للحوثيين، لكنها تحتفظ بقيادة مستقلة نسبياً، ولا تحظى بعلاقة مستقرة مع القوى المهيمنة على تعز أو مع مراكز القرار التي تدير الملف اليمني من الرياض.

وكان لافتاً أن السعودية لم تعلن، خلال الساعات الأولى من الهجوم، موقفاً واضحاً بشأن القصف الصاروخي للمخا أو محاولات التقدم الحوثية. كما لم تتبنَّ رسمياً العمليات الجوية اللاحقة، التي قدمتها البيانات اليمنية باعتبارها غارات نفذها الطيران الحربي اليمني. ولذلك لا تتوافر أدلة معلنة تسمح بنسب الإسناد الجوي مباشرةً إلى القوات السعودية.

ولا يثبت الصمت وحده وجود قرار سعودي بالتخلي عن المخا أو السماح للحوثيين بالتقدم، لكنه يعكس تراجعاً واضحاً في رغبة الرياض في الظهور طرفاً مباشراً في المعركة. فمنذ انتقال الاتصالات السعودية–الحوثية إلى مسار تفاوضي، أصبحت المملكة أكثر حذراً في تنفيذ عمليات قد تعيد استهداف أراضيها أو تهدد التفاهمات المتعلقة بالحدود ووقف الهجمات المتبادلة.

وتبدو الأولوية السعودية، وفق هذا السلوك، مرتبطةً بحماية أراضي المملكة ومنشآتها النفطية واحتواء التهديد الحوثي، أكثر من ارتباطها بإعادة بناء معسكر يمني قادر على حسم الحرب. وهذا التحول يترك القوات المحلية أمام معادلة صعبة: الدفاع عن مواقعها ومنع الحوثيين من الاقتراب من باب المندب، من دون ضمان وجود غطاء إقليمي ثابت إذا توسعت المواجهة.

ويعرف الحوثيون حساسية الرياض تجاه العودة إلى الحرب المفتوحة، ولذلك يمكنهم رفع مستوى الضغط داخل اليمن مع الحرص على إدارة التصعيد تجاه الحدود السعودية. وتتيح لهم هذه المعادلة مهاجمة خصوم المملكة المحليين وتحسين مواقعهم، مع إبقاء باب التفاوض مع الرياض مفتوحاً.

غير أن امتداد القتال نحو باب المندب قد يضع السعودية أمام حسابات مختلفة. فالمضيق لم يعد مهماً للتجارة الدولية فحسب، بل بات أكثر حساسية لصادرات الطاقة وحركة السفن في ظل الاضطرابات الإقليمية. وإذا تحولت المنطقة المحيطة بالمخا إلى منصة دائمة للعمليات الحوثية، فقد تصبح كلفة الحياد السعودي أعلى من كلفة الإسناد المحدود للقوات اليمنية.

ويفسر ذلك احتمال أن يكون التدخل الجوي قد جاء بهدف منع انهيار خطوط الدفاع، من دون التحول إلى حملة عسكرية واسعة. فالرياض تريد إيقاف أي تقدم يهدد الممر الملاحي، لكنها لا تريد، في الوقت نفسه، نسف قنوات الاتصال مع الحوثيين أو العودة إلى نمط الحرب الذي استنزفها سنوات.

وتظهر معارك سبتمبر أيضاً أن اتفاق ستوكهولم، الذي أوقف معركة الحديدة أواخر عام 2018، فقد كثيراً من قدرته على ضبط الواقع الميداني. فقد تجمدت الجبهات بموجب ترتيبات لم تُستكمل، واستفاد الحوثيون من توقف الهجوم آنذاك لتحصين مواقعهم وتطوير قدراتهم الصاروخية والبحرية. واليوم تعود المواجهة إلى جنوب الحديدة، لكن في بيئة عسكرية وإقليمية أكثر تعقيداً.

فالقوات اليمنية لم تعد تعمل تحت قيادة التحالف بالصورة التي كانت قائمة خلال معارك 2018، والحوثيون باتوا يمتلكون وسائل ضرب بعيدة المدى وخبرة أكبر في الحرب البحرية. كما أن الخلافات داخل مجلس القيادة الرئاسي أضعفت القدرة على اتخاذ قرار موحد بشأن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.

وقد يؤدي تقدم القوات اليمنية نحو الجراحي إلى فتح نقاش جديد بشأن حدود العملية. فإذا استمر الهجوم إلى عمق الحديدة، ستبرز القيود السياسية لاتفاق ستوكهولم، واحتمال تدخل الأمم المتحدة للضغط باتجاه وقف القتال. أما إذا توقفت القوات عند استعادة حيس وتأمين جنوب المحافظة، فسيحتفظ الحوثيون بالقدرة على إعادة المحاولة بعد إعادة تنظيم قواتهم.

وتمثل الجراحي نقطة مفصلية في هذا المسار؛ فهي تربط مناطق جنوب الحديدة بزبيد والمناطق الأقرب إلى مركز المحافظة، وتوفر طرق إمداد للقوات الحوثية المتجهة إلى حيس وجبل دباس. والسيطرة على أجزاء منها أو وضعها تحت ضغط ناري يمكن أن يحد من قدرة الجماعة على شن هجمات جديدة جنوباً، لكنه يحتاج إلى قوات كبيرة وتأمين مستمر للطرق والمناطق الريفية.

وتواجه القوات اليمنية، في المقابل، خطر التمدد فوق مساحة واسعة من دون بنية لوجستية موحدة. ففتح محاور في غرب تعز وحيفان وجنوب الحديدة في وقت واحد قد يمنحها أفضلية مؤقتة، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا لم توجد قيادة مشتركة وتغطية جوية واستطلاع مستمر.

ويظل السيناريو الأكثر ترجيحاً، على المدى القريب، استمرار القتال المتقطع مع محاولات كل طرف تثبيت المواقع التي استعادها. ومن المتوقع أن يحتفظ الحوثيون بالضغط الصاروخي والمسيّر على المخا والخوخة، وأن ينفذوا هجمات تسلل محدودة في مقبنة وجبل حبشي وحيس، بدلاً من الدفع الفوري بهجوم شامل جديد.

أما القوات اليمنية والمقاومة الوطنية فستسعيان إلى تأمين المرتفعات المطلة على طريق تعز–المخا، وإبعاد الحوثيين عن جبل دباس، وقطع خطوط إمدادهم باتجاه الجراحي. وقد تتحول هذه العمليات إلى تقدم أوسع إذا استمر الإسناد الجوي ووصلت تعزيزات كافية من ألوية العمالقة وتشكيلات أخرى.

لكن احتمال العودة إلى التهدئة يبقى قائماً، خصوصاً إذا رأت السعودية أن استمرار المعركة يهدد تفاهماتها مع الحوثيين. وقد تمارس الرياض ضغوطاً لوقف تقدم القوات اليمنية بعد تثبيت خطوط أكثر أمناً، مقابل وقف الحوثيين هجماتهم على المخا والملاحة.

والمشكلة أن مثل هذه التسوية ستعيد إنتاج أسباب التصعيد. فوقف القتال من دون معالجة تعدد القيادات داخل المعسكر الحكومي، ومن دون بناء دفاعات مشتركة وتأمين الطرق، سيمنح الحوثيين فرصةً جديدة لاختيار موعد الجولة المقبلة. كما أن تجميد الجبهة عند خطوط رخوة سيبقي المخا وباب المندب تحت التهديد.

وتكشف حصيلة الأيام الستة الأولى من سبتمبر أن الحوثيين أخطأوا في تقدير قدرتهم على تثبيت تقدم سريع، لكنهم نجحوا في إعادة فرض أنفسهم بوصفهم الطرف القادر على فتح الجبهات وتهديد الممرات الاستراتيجية. وفي المقابل، أثبتت القوات اليمنية والمقاومة الوطنية قدرتها على امتصاص الضربة والانتقال إلى الهجوم، إلا أن استجابتها جاءت بعد خسائر كبيرة واختراقات كان يمكن تجنبها.

كما كشفت المواجهات حدود الرهان على أن التهدئة السعودية–الحوثية يمكن أن تتحول تلقائياً إلى سلام داخل اليمن. فغياب الهجمات المباشرة على السعودية لا يعني توقف الحرب، بل قد يدفع الحوثيين إلى نقل الضغط نحو خصومهم المحليين، مستخدمين القوة العسكرية لتحسين شروطهم من دون المخاطرة بمواجهة إقليمية شاملة.

وتبقى السعودية أمام تناقض يتسع مع كل جولة. فهي تريد الاحتفاظ بنفوذها داخل الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي، وتقدم نفسها ضامناً لأمن اليمن والمنطقة، لكنها تتجنب تحمل الكلفة السياسية والعسكرية لحماية القوات التي قامت تدخلاتها السابقة على أساس مساندتها.

وإذا استمرت الرياض في إدارة المواجهة من الخلف، فقد تجد أن القوى المحلية تعيد ترتيب تحالفاتها بصورة مستقلة عنها، أو تدخل في صراعات جانبية تتيح للحوثيين التقدم. كما أن خسارة المخا أو تهديد باب المندب، حتى لو كان احتمالاً بعيداً حالياً، سيشكلان فشلاً استراتيجياً يتجاوز اليمن إلى أمن البحر الأحمر ومكانة السعودية الإقليمية.

ولذلك لا تقاس نتيجة المعركة بعدد التلال التي انتقلت من طرف إلى آخر خلال أيام، بل بقدرة القوات المناهضة للحوثيين على تحويل الهجوم المضاد إلى نظام دفاعي وسياسي متماسك. فإذا استعادت المواقع ثم عادت إلى الانقسام والجمود، سيكون الحوثيون قد حصلوا على ما يريدونه: اختبار الجبهة، كشف نقاط ضعفها، واستنزافها قبل جولة أخرى.

أما إذا أدت المواجهات إلى توحيد غرف العمليات بين محور تعز والمقاومة الوطنية وألوية العمالقة والقوات التهامية، وتأمين طريق تعز–المخا، وبناء قدرة جوية وبحرية مستمرة، فإن هجوم سبتمبر قد يتحول إلى نقطة انعطاف عكسية على الجماعة.

حتى السادس من سبتمبر، تميل الكفة الميدانية إلى القوات اليمنية بعد استعادة معظم المواقع التي تقدم إليها الحوثيون والسيطرة على حيس والتحرك نحو الجراحي. لكن هذا التفوق ما يزال هشاً، والقتال لم يصل إلى نهاية واضحة، فيما يحتفظ الحوثيون بقدرتهم على إطلاق الصواريخ والمسيّرات والزوارق المفخخة والدفع بتعزيزات جديدة.

لقد أعادت المعركة رسم الأولويات أكثر مما أعادت رسم الحدود. فتعز لم تعد جبهةً داخليةً منفصلةً عن الساحل، والحديدة لم تعد ملفاً مجمداً باتفاق دولي، والمخا لم تعد مدينة خلفية آمنة، وباب المندب لم يعد بعيداً عن نيران الحرب البرية.

والخلاصة أن الحوثيين بدأوا الجولة وحققوا اختراقات على حساب القوات التابعة لمحور تعز، قبل أن تستعيد القوات اليمنية والمقاومة الوطنية زمام المبادرة وتدفع بالمعركة إلى جنوب الحديدة. أما السعودية فبقيت حاضرةً في الحسابات وغائبةً عن الموقف العلني، وهو غياب قد يخدم التهدئة معها مؤقتاً، لكنه يترك مستقبل المخا والساحل وباب المندب معلقاً على قدرة قوى يمنية منقسمة على خوض حرب لا تريد الرياض إعلان عودتها إليها.