سيطروا على جزيرة استراتيجية عند النقطة الضيقة..

الحوثيون في قلب باب المندب.. ورقة إيرانية لخنق الطاقة وتحالف سعودي عاجز عن حماية الملاحة

وسّع الحوثيون سيطرتهم على باب المندب بعد استيلائهم على جزيرة ميون، في تقدم يهدد طريقاً حيوياً لشحن النفط. وتقول «الغارديان» إن السعودية أبعدت القوات الجنوبية التي كانت تمثل العمود الفقري لمواجهة الجماعة، بينما لا يزال تحالفها البحري الدولي غائباً عن المشهد.

حلفاء إيران الحوثيون يسيطرون على جزيرة استراتيجية على طريق حيوي لشحن النفط - اليوم الثامن

باتريك وينتور
محرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة «الغارديان» البريطانية.

سيطرت قوات الحوثيين اليمنية المندفعة على جزيرة بريم الاستراتيجية في مضيق باب المندب، موسعةً نطاق سيطرتها على الممر المائي الضيق، الذي يُعد أحد طرق الشحن الحيوية في العالم.

واستولى الحوثيون المتحالفون مع إيران على الجزيرة البركانية بعد مغادرة القوات المتحالفة مع الحكومة، التي تتخذ من عدن مقراً لها وتحظى بدعم الأمم المتحدة، في أحدث انتكاسة ضمن سلسلة مثيرة من التراجعات على امتداد الساحل الغربي لليمن خلال الأيام الأخيرة، بما في ذلك خسارة مدينة المخا الساحلية يوم الخميس.

وشنت السعودية، التي تدعم الحكومة اليمنية الرسمية وتمولها، غارات جوية على مواقع للحوثيين في المخا يوم الجمعة.

ويربط مضيق باب المندب آسيا بأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وتقسم جزيرة بريم، المعروفة أيضاً باسم ميون، الممر المائي إلى قسمين بالقرب من أضيق نقطة فيه. وكانت الإمارات العربية المتحدة، الحليف السابق للسعودية في التحالف المناهض للحوثيين، تبني قاعدة جوية في الجزيرة قبل إنهاء مشاركتها الفعلية في الصراع خلال يناير/كانون الثاني.

وأصبحت السعودية تعتمد بصورة متزايدة على البحر الأحمر وباب المندب لتصدير نفطها الخام، منذ أن بدأت إيران استهداف السفن في مضيق هرمز. وعادةً ما تُشحن نحو 12% من بضائع العالم عبر المضيق.

وقالت السعودية الآن إنها أغلقت خط أنابيب بالغ الأهمية، بعد يوم من تعرضه لهجوم بطائرات مسيّرة، بالتزامن مع سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن على جزيرة بريم.

وقالت المملكة إنها أغلقت خط أنابيب شرق–غرب «إجراءً احترازياً»، وحمّلت مسؤولية الهجوم لعدد من الطائرات المسيّرة التي انطلقت من العراق. وفي بيان نقلته وكالة الأنباء السعودية الرسمية، قالت المملكة إنها لن ترد على الهجوم لمنح الحكومة العراقية «فرصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة».

ويمتد خط الأنابيب، المعروف أيضاً باسم «بترولاين»، لمسافة 1201 كيلومتر، أو 746 ميلاً، من حقل بقيق النفطي في شرق المملكة، بالقرب من البحرين وقطر، إلى مدينة ينبع الساحلية على البحر الأحمر.

وأدى الخط، الذي بُني خلال ثمانينيات القرن الماضي، دوراً مهماً في قدرة السعودية على تصدير النفط بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز خلال الحرب الإيرانية.

ومن شأن السيطرة الحوثية الكاملة على حركة الملاحة في مضيق باب المندب، إلى جانب السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، أن تعزز قبضة القوى المناهضة للغرب على شحنات الطاقة العالمية. وارتفعت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل مع تصاعد القتال في اليمن.

وأشادت إيران بالتقدم الحوثي في بيان رسمي صدر يوم الجمعة، في أول تعليق موسع لها على تجدد القتال داخل اليمن. وترتبط إيران والحوثيون بتحالف منذ صعود الجماعة إلى السلطة داخل اليمن عام 2014.

وأشاد الحوثيون، في بيان، بطرد قوات «العدو السعودي» من ست مديريات في منطقتي تعز والحديدة، والسيطرة على مساحة تبلغ 4500 ميل مربع، واستهداف «سبع فرق عسكرية تابعة لقوات العدو السعودي»، و«قتل وأسر وإصابة» مئات الجنود. وزعموا أيضاً أنهم أطلقوا سراح مئات السجناء «الذين احتجزهم مرتزقة العدو السعودي لسنوات».

وقالت مصادر دبلوماسية بريطانية إنها لا تتوقع، في الوقت الراهن، أن يوافق دونالد ترامب على أي قصف أمريكي لمواقع الحوثيين في اليمن، على الرغم من الطلبات السعودية للقيام بذلك.

وأثارت سرعة تقدم الحوثيين، والانقسامات السياسية في المحافظات اليمنية غير الخاضعة لسيطرتهم، مخاوف في العواصم الغربية من احتمال سقوط عدن، عاصمة الحكومة اليمنية، في أيدي الجماعة. وكانت بريطانيا تتعامل فعلياً مع اليمن باعتباره محمية بريطانية حتى عام 1967.

وقالت وكالة الهجرة التابعة للأمم المتحدة، يوم الجمعة، إن الهجوم الحوثي أودى بحياة أكثر من 500 شخص، وتسبب في نزوح نحو 46 ألفاً

كما يعزز تقدم الحوثيين على امتداد ساحل البحر الأحمر، انطلاقاً من ميناء الحديدة، موقف إيران في محاولتها التوصل إلى اتفاق مع دول الخليج الأخرى بشأن السيطرة المستقبلية على مضيق هرمز، وهي القضية الأساسية محل النزاع بين الولايات المتحدة وإيران.

وتوصلت إيران إلى اتفاق مع سلطنة عمان على مسارات مؤقتة معتمدة، وهي الدولة التي تتقاسم الساحل الجنوبي لمضيق هرمز. ومن المفترض أن تُناقش الصفقة المقترحة خلال اجتماع لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، يُعقد في مدينة صلالة الساحلية العمانية يوم الاثنين.

وإذا وافق مجلس التعاون الخليجي على الاتفاق، الذي يتضمن مساراً مؤقتاً معتمداً للملاحة يخضع بدرجة كبيرة للسيطرة الإيرانية، فسيمارس ذلك ضغطاً على الولايات المتحدة لرفع حصارها بالغ الفاعلية المفروض على موانئ النفط الإيرانية، والذي يلحق أضراراً جسيمة بالاقتصاد الإيراني.

وتوصلت الولايات المتحدة إلى اتفاق مفاجئ لوقف إطلاق النار مع الحوثيين في مايو/أيار 2025، بعد ارتفاع كلفة حملة القصف، وقدم الحوثيون ضمانات سرية بأنهم لن يهاجموا السفن الأمريكية في البحر الأحمر.

وواصلت قيادة الحوثيين، خلال الأسبوع الجاري، تقديم ضمانات مماثلة لجميع السفن، باستثناء ناقلات النفط السعودية.

وفي 14 أغسطس/آب، جمعت السعودية تحالفاً بحرياً دولياً من 14 دولة لحماية حرية الملاحة في مضيق باب المندب وخليج عدن. ولم يظهر حتى الآن أي حضور للتحالف، الذي يضم البحرين وباكستان والصومال وجيبوتي وتركيا ومصر، على الرغم من أن الرياض قد تقول إن تشكيل مثل هذا «التحالف للراغبين» يحتاج إلى وقت.

وبدأ تبادل الاتهامات بشأن سقوط المخا، فيما يخضع دور اللواء طارق صالح، قائد قوات المقاومة الوطنية التي انسحبت من المدينة، للتدقيق. وقال صالح إن الانسحاب كان ضرورياً لإعادة تجميع قواته.

ودعت توكل كرمان، اليمنية الحائزة جائزة نوبل للسلام عام 2011، عبر صفحتها على فيسبوك، الرئيس اليمني رشاد العليمي إلى إقالة صالح وإحالته إلى التحقيق والمحاكمة بتهمتي التآمر والخيانة العظمى.

وقال عمرو البيض، ممثل الشؤون الخارجية في المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو تنظيم سياسي انفصالي، إنه حذر الدبلوماسيين الغربيين مراراً من ضرورة وضع استراتيجية وطنية وإقليمية ودولية شاملة لهزيمة الحوثيين، مضيفاً أن الغارات الجوية المتفرقة لا تكفي.

واتهم البيض السعوديين بعدم الكفاءة الاستراتيجية، وبإبعاد القوات الجنوبية الأكثر حاجةً إليها في محاربة الحوثيين.

وقال: «أصبح الوضع الآن بالغ الخطورة. إن وجود الحوثيين في المضيق يعني أنهم سيكونون قادرين على التحكم في الممرات المائية من دون الحاجة إلى استخدام أسلحة متطورة، وهو ما يتيح لهم نتيجةً لذلك استخدام تلك الأسلحة في أماكن أخرى. ومن المرجح أيضاً أن يوفر لهم هذا التقدم مصدراً جديداً للدخل عبر السيطرة على الموانئ الواقعة على امتداد الساحل الغربي للبحر الأحمر».

ويعرض الحوثيون بالفعل أسعاراً تفضيلية لجذب حركة الملاحة بعيداً عن الموانئ التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية في خليج عدن.

وكان المجلس الانتقالي الجنوبي القوة السياسية والعسكرية المهيمنة في جنوب اليمن حتى يناير/كانون الثاني الماضي، عندما قصفت السعودية قواته وأغلقت تنظيمه السياسي واحتجزت ما يصل إلى 20 من قياداته في الرياض.

وقال البيض إن السعودية لم تفِ قط بوعد قطعته في يناير/كانون الثاني بإجراء حوار بشأن القضية الجنوبية، مضيفاً أن منظمة «هيومن رايتس ووتش» حذرت، في تقرير صدر خلال مارس/آذار، من قمع بعض الاحتجاجات المؤيدة للمجلس الانتقالي في عدن بعنف مفرط.

وقال: «إن خيانة الوعود جعلت سكان الجنوب غير راغبين في مغادرة أراضيهم للقتال ضد الحوثيين في الشمال. واعتمد السعوديون طوال عشرة أعوام على أبناء الجنوب لردع الحوثيين، وكان المجلس الانتقالي الجنوبي، بما يصل إلى 80 ألف جندي تحت تصرفه، العمود الفقري لتلك القوة».

وتواجه السعودية معضلة مألوفة: إما التوصل إلى تسوية تفاوضية مع الحوثيين بشأن مستقبل اليمن، وإما محاولة دفع القوات الحوثية، التي تعاني تمدداً مفرطاً، إلى التراجع.

وعلى الرغم من أن الحوثيين يتحركون بصورة مستقلة عن تعليمات طهران، فإن قتالهم ضد السعودية يصب إلى حد كبير في مصلحة إيران، لأن السعوديين سيكونون على الأرجح أكثر ميلاً، في المقابل، إلى الضغط على واشنطن كي تتراجع عن موقفها تجاه إيران.

وتوجد مخاوف أيضاً في العواصم الغربية بشأن استخدام السعوديين الأسلحة الغربية في اليمن، وما إذا كانت أنشطتهم تتوافق مع القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك التساؤل عما إذا كان يمكن بالفعل اعتبار الضربات السعودية أعمالاً تندرج ضمن الدفاع عن النفس.