ارتباك جوي عند المضيق..
غارات سعودية خاطئة تصيب القوات الجنوبية ومعركة كهبوب تدخل مرحلة الاستنزاف
قالت مصادر عسكرية لـ«اليوم الثامن» إن خمس غارات سعودية أصابت، عن طريق الخطأ، مواقع للقوات الجنوبية في جبهة كهبوب، بالتزامن مع معارك دفاعية لوقف محاولة حوثية لتطويق رأس العارة والسقيا. ونفت المصادر صحة الأنباء المتداولة عن استعادة جزيرة ميون، مؤكدة أن المواجهة الرئيسية تتركز حالياً في المرتفعات المطلة على باب المندب.
صورة جوية لمدينة الملك خالد العسكرية - أرشيف
قالت مصادر عسكرية لـ«اليوم الثامن» إن طائرات حربية سعودية شنت خمس غارات على مواقع تابعة للقوات الجنوبية في منطقة كهبوب المطلة على مضيق باب المندب، بعدما أخطأت في تحديد أهدافها خلال معارك عنيفة تخوضها تلك القوات لوقف تقدم الحوثيين باتجاه المرتفعات الحاكمة للممر البحري.
وأوضحت المصادر أن الغارات أسفرت عن سقوط جرحى في صفوف القوات الجنوبية وتدمير آليات عسكرية كانت متمركزة في المنطقة، من دون تقديم حصيلة نهائية لعدد المصابين أو تحديد الوحدات التي تعرضت للقصف.
ولم تصدر وزارة الدفاع السعودية تعليقاً على الواقعة، كما لم يتسنَّ لـ«اليوم الثامن» التحقق بصورة مستقلة من الظروف التي سبقت الغارات، أو معرفة ما إذا كان القصف ناتجاً عن خطأ في الإحداثيات أم عن ضعف الاتصال بين غرفة العمليات الجوية والوحدات المنتشرة على الأرض.
غير أن تنفيذ خمس غارات على الموقع نفسه، وفق رواية المصادر، يعيد طرح أسئلة بشأن آليات تحديد الأهداف، ومدى امتلاك قيادة العمليات الجوية خريطة محدثة لانتشار القوات الجنوبية التي وصلت إلى كهبوب خلال الأيام الماضية لتعزيز خطوط الدفاع القريبة من باب المندب.
ونفت المصادر العسكرية صحة الأنباء المتداولة عن استعادة القوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية جزيرة ميون من الحوثيين، مؤكدة أن الجزيرة لا تزال خارج سيطرتها، وأن المعارك الفعلية لا تدور فيها أو في محيطها المباشر، بل تتركز في منطقة كهبوب والمرتفعات المتصلة بها.
وقالت المصادر إن الحديث عن استعادة ميون لا يستند إلى وقائع ميدانية، وإن القوات لم تنفذ حتى الآن عملية إنزال بحري أو هجوماً لاستعادة الجزيرة، في ظل استمرار الأولوية العسكرية لتثبيت جبهة كهبوب ومنع الحوثيين من التقدم نحو المناطق الغربية لمحافظة لحج.
وأضافت أن القوات الجنوبية الموجودة في المنطقة تخوض عمليات صد ودفاع، ولم تنتقل بعد إلى مرحلة الهجوم المعاكس، رغم وصول تعزيزات وأسلحة جديدة إلى الجبهة.
وبحسب المصادر، يسعى الحوثيون إلى السيطرة على سلسلة جبال كهبوب لفرض كماشة عسكرية على القوات الجنوبية المتمركزة في رأس العارة والسقيا، وتهديد خطوط الإمداد التي تربط مواقعها بالساحل ومحافظة لحج.
وتشكل كهبوب عقدة عسكرية مهمة بسبب موقعها المرتفع وإشرافها على الطرق المؤدية إلى باب المندب ورأس العارة. ومن شأن سيطرة الحوثيين عليها أن تمنحهم القدرة على مراقبة تحركات القوات الجنوبية واستهداف خطوطها الخلفية، فضلاً عن توسيع نطاق الضغط على الطريق الساحلي والمناطق المحيطة بالمضيق.
كما يمكن للسيطرة على المرتفعات أن تضع القوات الموجودة في رأس العارة والسقيا بين ضغط قادم من الساحل وآخر من الجبال، وهو ما يفسر، وفق المصادر، تركيز الحوثيين على الدفع بمزيد من المقاتلين إلى هذه الجبهة رغم الخسائر التي تعرضوا لها.
وقالت المصادر إن تعزيزات عسكرية جنوبية وصلت إلى كهبوب، وشُيّد خط دفاعي وصفته بأنه «قوي جداً»، مدعوم بأسلحة متطورة ووسائل مراقبة ونيران قادرة على التعامل مع محاولات التسلل والتقدم.
وأضافت أن المهمة الميدانية المحددة للقوات في المرحلة الحالية تقتصر على منع الحوثيين من إحراز تقدم جديد، وتأمين المرتفعات والممرات المؤدية إلى رأس العارة والسقيا، إلى حين استكمال حشد القوات ووضع خطة عمليات مشتركة.
ولا تنفذ القوات الجنوبية، بحسب المصادر، هجوماً برياً واسعاً لاستعادة المواقع التي سيطر عليها الحوثيون في الساحل أو جزيرة ميون، خلافاً لما تتداوله بعض وسائل الإعلام والحسابات المرتبطة بالقوات اليمنية المحلية الموالية للسعودية.
ويعكس اعتماد العمليات على الصد والدفاع حجم التحول الذي طرأ على المعركة خلال أيام. فبعد انهيار خطوط المقاومة الوطنية والقوات الأخرى في المخا وذباب وميون، انتقلت الجبهة جنوباً، وأصبحت القوات الجنوبية مطالبة بمنع الحوثيين من نقل المعركة من الساحل الغربي لشمال اليمن إلى حدود الجنوب الغربية.
وقالت المصادر العسكرية إن الحوثيين دفعوا بمجاميع متتالية باتجاه كهبوب، وحاولوا استغلال المرتفعات والمسارات الجبلية لتنفيذ عمليات التفاف على مواقع القوات الجنوبية. إلا أن خط الدفاع الجديد تمكن، وفق روايتها، من وقف معظم المحاولات وإجبار المهاجمين على التراجع.
وأضافت المصادر أن الحوثيين تكبدوا مئات القتلى والجرحى خلال الهجمات الأخيرة، مستندة إلى معلومات قالت إنها وردت من محافظة الحديدة بشأن وصول أعداد كبيرة من الجثث والمصابين إلى مستشفيات ومراكز طبية خاضعة للجماعة.
ولا تتوفر إحصائية مستقلة للخسائر الحوثية، كما لم تعلن الجماعة أرقاماً تفصيلية لقتلاها. وعادة ما تتكتم الأطراف المتحاربة في اليمن على خسائرها أو تبالغ في أعداد ضحايا خصومها، ما يجعل من الصعب التحقق من الحصيلة الفعلية في ظل استمرار المعارك وصعوبة وصول جهات مستقلة إلى مناطق المواجهة.
وفي موازاة القتال البري، قالت المصادر إن الطيران الحربي شن أكثر من خمسين غارة على مواقع وتحركات حوثية في ذباب وباب المندب ومنطقة العرضي، ضمن محاولة لقطع التعزيزات ومنع الجماعة من تثبيت مواقعها الجديدة.
واستهدفت الغارات، وفق المصادر، آليات ومخازن أسلحة وتجمعات للمقاتلين وطرق إمداد تستخدمها الجماعة لنقل القوات من المخا وذباب باتجاه المرتفعات الجنوبية. ولم يتضح حجم الخسائر الناتجة عن القصف، في حين تحدث الحوثيون عن غارات مكثفة طالت مناطق متعددة في تعز والحديدة.
ويكشف الخطأ الذي أصاب القوات الجنوبية جانباً من المخاطر المصاحبة لتكثيف الضربات الجوية في منطقة تتغير فيها خطوط السيطرة بسرعة. فالمسافة بين مواقع الطرفين ضيقة، وتتحرك الوحدات في تضاريس جبلية معقدة، فيما تعمل تشكيلات متعددة تحت قيادات وغرف عمليات منفصلة.
وتنتشر في الجبهة قوات جنوبية ووحدات من ألوية العمالقة وتشكيلات أعيد دفعها نحو الساحل، إلى جانب بقايا قوات انسحبت من جبهات المخا وذباب. ويزيد هذا التداخل صعوبة التمييز بين المواقع إذا لم تُحدّث الإحداثيات بصورة مستمرة أو تغيب قنوات اتصال مباشرة بين القوات البرية والطيران.
وتأتي واقعة القصف الخاطئ في وقت تتعرض فيه السعودية لهجمات حوثية بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وأعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع أن الجماعة نفذت عملية واسعة استهدفت قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط بعشرات الصواريخ الباليستية والمسيّرات الانتحارية.
وقال سريع إن الهجوم استهدف حظائر الطائرات والرادارات والمدارج ومخازن الذخيرة، وإنه جاء رداً على الغارات السعودية التي قال إنها تجاوزت 300 غارة خلال خمسة أيام.
ولم تعلن السلطات السعودية تفاصيل الأضرار التي خلفها الهجوم الأخير، كما لم يتسنَّ التحقق مستقلاً من الرواية الحوثية بشأن إصابة جميع الأهداف المعلنة. وأطلقت الجهات السعودية تنبيهات طارئة في خميس مشيط وعدد من المدن الجنوبية قبل إعلان انتهاء حالة التحذير.
وكانت قاعدة الملك خالد ومنشآت للطاقة في أبها وجازان قد تعرضت لهجمات سابقة خلال موجة التصعيد الحالية، أسفرت، وفق بيانات سعودية، عن إصابة عشرات المدنيين واندلاع حرائق وتعطل مؤقت لبعض العمليات التشغيلية.
ويضع تزامن الهجوم على قاعدة الملك خالد مع احتدام القتال في كهبوب السعودية أمام معركة مزدوجة: حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية من الصواريخ والمسيّرات، وتوفير غطاء جوي لقوات برية تحاول منع الحوثيين من تثبيت سيطرتهم على محيط باب المندب.
وفي الوقت الذي تستخدم فيه الرياض طيرانها بكثافة لإبطاء التقدم الحوثي، تظهر واقعة إصابة القوات الجنوبية أن زيادة عدد الغارات لا تعوض ضعف التنسيق الميداني. وقد تتحول القوة الجوية إلى عبء على الوحدات المتقدمة إذا لم تُضبط الإحداثيات ومسارات الحركة وآليات طلب الإسناد.
وتحمل الواقعة حساسية سياسية إضافية بالنظر إلى العلاقة المتوترة بين السعودية والقوات الجنوبية منذ حرب يناير/كانون الثاني الماضي. فقد استهدفت الرياض حينها مواقع ووحدات جنوبية وأعادت تشكيل أجزاء من المنظومة العسكرية والأمنية في عدن وحضرموت وشبوة، قبل أن تعود اليوم إلى الاستعانة بقوات جنوبية لوقف الحوثيين عند الحدود الغربية للجنوب.
وتجد هذه القوات نفسها في مواجهة تهديد حوثي يقترب من لحج ورأس العارة، رغم أن المعركة بدأت في مناطق تقع خارج الحدود الجغرافية للجنوب. كما تخوض القتال من دون اتفاق سياسي يحدد هدف الحرب أو موقع القضية الجنوبية في أي ترتيبات لاحقة.
ويزيد سقوط جرحى بنيران الطيران الذي يفترض أن يوفر الغطاء من مخاوف تحول القوات الجنوبية إلى قوة تستخدم لسد الفراغ الذي خلفه انهيار تشكيلات أخرى، من دون منح قياداتها صلاحيات كاملة في التخطيط وإدارة العمليات.
وقالت مصادر طبية لـ«اليوم الثامن» إن مستشفيات في عدن ولحج وأبين تشهد اكتظاظاً بالجرحى والمصابين العسكريين والمدنيين الذين جرى نقلهم من مناطق المعارك في غرب تعز والساحل الممتد من المخا إلى باب المندب.
وأوضحت المصادر أن بعض أقسام الطوارئ والعناية المركزة تعمل فوق طاقتها الاستيعابية، وسط نقص في الأدوية والدم والمستلزمات الجراحية، وتأخر وصول عدد من المصابين بسبب القصف وصعوبة الحركة على الطرق القريبة من مناطق الاشتباك.
ولم تتوفر حصيلة موحدة لعدد الجرحى الذين وصلوا إلى المحافظات الجنوبية، إلا أن تدفق المصابين يتزامن مع موجة نزوح واسعة من مناطق القتال. وتقول المنظمة الدولية للهجرة إن عدد النازحين الجدد اقترب من 94 ألف شخص، تركز معظمهم في تعز ولحج، بينما عبر أكثر من ألفي شخص خليج عدن باتجاه جيبوتي.
ويضع النزوح والضغط على المستشفيات السلطات المحلية في عدن ولحج أمام أزمة إنسانية وخدمية متصاعدة. فالمرافق الطبية تعاني أساساً نقص التمويل وانقطاع الكهرباء وتأخر مستحقات العاملين، ما يجعل قدرتها على استقبال موجات إضافية من المصابين محدودة.
وتتحمل المحافظات الجنوبية بذلك جانباً كبيراً من الكلفة البشرية للمعركة، سواء عبر إرسال القوات إلى الجبهات أو استقبال الجرحى والنازحين، في حين لا تزال القرارات العسكرية والسياسية تصدر من خارج المؤسسات المحلية.
ولا تعني إقامة خط دفاعي قوي في كهبوب أن الخطر على باب المندب انتهى. فالحوثيون ما زالوا يملكون زمام المبادرة في الساحل، ويسيطرون على المخا وذباب وميون، وفق المصادر، كما يمتلكون القدرة على الدفع بتعزيزات جديدة واستخدام الصواريخ والمسيّرات لإضعاف المواقع الدفاعية.
وفي المقابل، يمنح وصول التعزيزات والأسلحة المتطورة إلى كهبوب القوات الجنوبية فرصة لمنع توسع الحوثيين داخل المناطق الغربية للجنوب، شريطة تحسين التنسيق الجوي وتوحيد غرفة العمليات وتأمين طرق الإمداد من عدن ولحج.
ويبقى الانتقال من الدفاع إلى الهجوم مرتبطاً بحجم القوات المتاحة، وقدرة الطيران على عزل الجبهة، ووجود خطة لاستعادة ذباب والمخا وميون. وحتى الآن لا توجد مؤشرات ميدانية تؤكد بدء عملية من هذا النوع، فيما تتركز الجهود على وقف التقدم وتثبيت المواقع.
ولا يعني انتشار الحوثيين في ميون ومحيط باب المندب امتلاكهم قدرة مضمونة على إغلاق المضيق، إذ ما زالت السفن تعبر الممر بمعدلات قريبة من الأيام السابقة. غير أن وجود الجماعة في الجزر والمرتفعات الساحلية يقلص المسافة بينها وبين خطوط الملاحة، ويرفع كلفة التأمين ويمنحها قدرة أكبر على استهداف السفن أو فرض قيود انتقائية على الحركة البحرية.
وتزداد حساسية التطورات بالنسبة للسعودية بعد استهداف خط أنابيب «شرق–غرب»، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، وتوقف أجزاء واسعة منه في وقت تعتمد فيه الرياض على هذا المسار لتجاوز اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
ومع تعثر التحالف البحري الذي أعلنته السعودية في إظهار أثر واضح على الأرض، يصبح خط الدفاع الجنوبي في كهبوب واحداً من أهم الحواجز المتبقية أمام تمدد الحوثيين نحو رأس العارة والسقيا وخليج عدن.
لذلك تتجاوز نتائج معركة كهبوب حدود السيطرة على مجموعة من المرتفعات. فإذا نجحت القوات الجنوبية في تثبيت مواقعها، ستمنع الحوثيين من تحويل مكاسبهم في المخا وميون إلى اندفاع داخل لحج. أما إذا تمكنت الجماعة من اختراق الخط الدفاعي وفرض كماشتها على رأس العارة والسقيا، فستدخل المعركة مرحلة أكثر خطورة، يصبح فيها أمن عدن والساحل الجنوبي جزءاً مباشراً من المواجهة.
وفي الحالتين، كشفت الغارات الخمس التي أصابت القوات الجنوبية أن مشكلة الجبهة لا تقتصر على قوة الحوثيين أو تضاريس كهبوب. فغياب القيادة الموحدة، وتعدد غرف العمليات، وسرعة حشد القوات من دون تنسيق كافٍ، عوامل يمكن أن تهدد المدافعين بقدر تهديد الهجمات الحوثية نفسها.
وبينما يعلن الحوثيون قصف قاعدة الملك خالد ويواصلون الضغط على كهبوب، تبدو السعودية مطالبة أولاً بإثبات قدرتها على إدارة القوات التي تقاتل تحت غطائها، قبل الحديث عن استعادة ميون أو شن هجوم واسع على الساحل. فالمعركة الحقيقية تدور الآن على المرتفعات المطلة على المضيق، والقوات الجنوبية ما زالت في موقع الدفاع، أما استعادة الجزر والموانئ فتبقى، حتى هذه اللحظة، أخباراً متداولة لا تؤيدها الوقائع الميدانية.



