الاقتصاد يختبر قدرة النظام..
باحث اقتصادي: الضغوط المعيشية تدفع المجتمع الإيراني نحو نقطة غليان
يرى الباحث علي رضا صداقت أن تزامن الغلاء وتراجع العملة وضعف الأجور وأزمة السكن يدفع المجتمع الإيراني نحو مرحلة شديدة الحساسية، محذراً من أن تقاطع احتجاجات العمال والمتقاعدين والطلاب وأصحاب المتاجر قد يحول المطالب المعيشية المتفرقة إلى حركة سياسية أوسع ضد النظام.
قال الباحث والمحلل الاقتصادي في الشؤون الإيرانية علي رضا صداقت إن الأزمة الاقتصادية في إيران تجاوزت حدود التضخم وارتفاع الأسعار، وباتت تمس الاستقرار الاجتماعي والسياسي مباشرة، في ظل تراجع قدرة الأسر على تغطية احتياجاتها الأساسية واتساع الاحتجاجات المهنية والمعيشية.
وأشار صداقت، في تصريح صحفي، إلى تحذير نشرته صحيفة «سازندگي» في 11 أكتوبر/تشرين الأول من دفع المجتمع الإيراني نحو «نقطة الغليان»، معتبراً أن صدور هذا التوصيف عن وسيلة إعلام تعمل داخل البلاد يعكس انتقال مخاوف الغضب الشعبي إلى داخل النقاش المؤسسي للنظام.
وأوضح أن تراكم القيود الاقتصادية والاجتماعية، من دون تقديم تفسيرات أو حلول مقنعة، يزيد الشعور العام بالاستياء، ويعيد إلى الأذهان احتجاجات عام 2022 التي أظهرت سرعة تحول التوتر الاجتماعي إلى تحركات واسعة ذات مضمون سياسي.
وتزامن ذلك، وفق صداقت، مع إقرار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 12 أكتوبر بأن البلاد تمر بـ«منعطف خطير»، وأن الوضع الاقتصادي قد يكون أشد خطورة من المواجهة العسكرية، بما يشير إلى إدراك السلطة أن مصدر التهديد لا يقتصر على العقوبات والضغوط الخارجية.
وقال صداقت إن أهمية هذا الاعتراف تكمن في انتقاله من توصيف الأزمة باعتبارها نتيجة للحرب والعقوبات إلى الإقرار بتأثيرها المباشر في قدرة الإيرانيين على تحمّل أعباء الحياة اليومية.
وتواجه الأسر الإيرانية ضغوطاً متزامنة تشمل ارتفاع أسعار الغذاء والسكن والدواء، وتراجع قيمة العملة، وضعف الأجور والمعاشات، الأمر الذي يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الدخل والكلفة الفعلية للمعيشة.
وأضاف صداقت أن استمرار هذه الفجوة من دون أفق واضح للتحسن يبدد قدرة الحكومة على طلب المزيد من الصبر، خصوصاً عندما يذهب الجزء الأكبر من دخول الأسر إلى الاحتياجات الأساسية، بينما يبقى الخطاب الرسمي منشغلاً بالحرب والعقوبات والقضايا الأمنية.
وتظهر الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال الأشهر الأخيرة بين المتقاعدين والعمال والطلاب وأصحاب المتاجر أن المطالب الاقتصادية لم تعد معزولة عن السياسة. فكثير من التحركات بدأت بالمطالبة بالأجور أو المعاشات أو خفض تكاليف التعليم، قبل أن تتسع إلى مساءلة طريقة إدارة الدولة للموارد وأولويات الإنفاق.
وقال صداقت إن الاقتصاد يتحول إلى أزمة سياسية عندما ينتقل المواطن من المطالبة بزيادة راتبه إلى التساؤل عن أسباب توزيع الثروة والموارد بهذه الطريقة، وعن الجهات التي تستفيد من الإنفاق العام بينما تتراجع الخدمات والقدرة الشرائية.
وتكمن حساسية المرحلة، بحسب المحلل الإيراني، في احتمال تزامن تحركات فئات اجتماعية متعددة. فالعامل والمتقاعد والطالب وصاحب المتجر يحتجون انطلاقاً من مشكلات مختلفة، لكنهم قد يلتقون عند فقدان الثقة بالحكومة والشعور بانسداد الأفق.
ولا يعني الحديث عن «نقطة الغليان» إمكان تحديد موعد مسبق لانفجار اجتماعي، لكنه يعكس تراكم الشروط التي تسمح بتحول حادث اقتصادي أو قرار حكومي إلى شرارة احتجاجية تتجاوز قطاعاً أو مدينة بعينها.
ويرى صداقت أن المقاومة الإيرانية تراهن على قدرة المجتمع على تنظيم مطالبه وربط الأزمة الاقتصادية بقضايا الحرية والعدالة والسيادة الشعبية، إلى جانب نشاط وحدات المقاومة داخل البلاد، بدلاً من انتظار حرب خارجية أو تسوية سياسية بين طهران والقوى الدولية.
وختم بالقول إن الإنذار الأهم لا يكمن في رقم منفرد للتضخم أو سعر العملة، بل في شعور ملايين الإيرانيين بأن العمل لم يعد يضمن حياة كريمة، وأن المؤسسات القائمة لا تملك القدرة أو الإرادة لتغيير هذا الواقع، وهو ما يجعل كل أزمة معيشية مرشحة للتحول إلى مواجهة سياسية.



