حوارات وتحليلات

إخوان العتيبي..

تحليل: تاريخ الجماعة السلفية المحتسبة في السعودية

الوقت الثلاثاء 30 أبريل 2019 8:54 م
تحليل: تاريخ الجماعة السلفية المحتسبة في السعودية

اليوم الثامن الستينيات كان نقطة تحول مهمّة في تاريخ المملكة وعلاقتها بجماعات الإسلام السياسي

يعدّ منتصف الستينيات نقطة تحوّل في تاريخ جماعات الإسلام السياسي المصرية، والتي تأثرت بإعدام سيد قطب ورفيقيه؛ عبد الفتاح إسماعيل، ومحمد يوسف هواش، وأيضاً بهزيمة الجيش المصري أمام الأطماع الصهيونية، وتراجع الاحتفاء بالفكر القومي، واقتراب البعض إلى الفكرة الإسلامية، كسبيل للتغيير.

ونتيجة لذلك؛ تأسست مجموعات الجهاد في مصر، وبدأت ملامح جماعة ظهرت لاحقاً، وهي جماعة المسلمين، أو المشهورة إعلامياً باسم "جماعة التكفير والهجرة"، غير أنّ منتصف الستينيات أيضاً كان نقطة تحول مهمّة في تاريخ المملكة العربية السعودية، وعلاقتها بجماعات الإسلام السياسي المعاصرة، نتيجة تأسيس الجماعة السلفية المحتسبة، عام 1966، التي قاد أحد مؤسسيها، عام 1979، عملية مسلحة لاحتلال الحرم المكي، والثورة على نظام الحكم السعودي.
الجماعة السلفية المحتسبة
رصد كتاب "حتى لا يعود جهيمان"، للباحثَين: توماس هيغهامر، وستيفان لاكروا، صعود "الجماعة السلفية المحتسبة"، وتدشينها، فبحسب المؤلفَين؛ تشكّلت المجموعة، التي سميت "جسم"، في المدينة المنورة في أواسط الستينيات، شكّلتها مجموعة صغيرة من طلبة الدين، كانوا يعملون، لبعض الوقت، في مجال الدعوة في الأحياء الفقيرة، ونظراً إلى أنهم تأثروا بالألباني، أصبح لديهم إيمان راسخ بأنّ المذاهب الفقهية، والتيارات الإسلامية في ذلك الوقت، بما في ذلك التيار الرسمي السعودي، أي الوهابية، تحتاج إلى التنقية من البدع والأفكار الخاطئة، كما عملوا على مواجهة التأثير المتزايد لجماعات أخرى موجودة على الساحة في المدينة خلال السبعينيات، وخاصة جماعة التبليغ والدعوة وجماعة الإخوان المسلمين.

كتاب "حتى لا يعود جهيمان"، للباحثَين: توماس هيغهامر، وستيفان لاكروا


ويضيف مؤلفا الكتاب؛ أنّ كلا هذين الهدفين كان يشاركهم فيهما أهم العلماء الموجودين في المدينة في ذلك الوقت؛ كعبد العزيز بن باز، وأبو بكر الجزائري، وقد تواصل الأعضاء المؤسسون لـ "جسم" مع هذين العالمين، وعدّوا ابن باز شيخهم.

كان الدافع المباشر لتشكيل "جسم"؛ هو حادثة سميت "تكسير الصور"، وقعت عام 1965، وكما ورد في كتاب "حتى لا يعود جهيمان": "لقد رأى بعض الدعاة أنّ من واجبهم فرض التمسك بالدين وقواعده بـ "القوة" في أجزاء محددة من المدينة، وكان هذا الجهد الدعوي يتضمن تكسير الصور الموجودة في الأماكن العامة، وفي بداية الستينيات، حدثت بعض الاحتكاكات والمصادمات بين هؤلاء الدعاة المتعصبين والسكان المحليين، وتم تجاهل أفعال هؤلاء المتشددين الذين كانوا يتصرفون دون أيّة صفة رسمية، حتى قيام بعض الدعاة الشباب بتكسير تماثيل لعرض الملابس النسائية، كانت تعرض أقمشة وملابس في وسط المدينة، ونظراً إلى أنهم أتلفوا جزءاً من منشأة تجارية، تم القبض عليهم وإيداعهم السجن لمدة أسبوع تقريباً، هذه المواجهة مع الشرطة ألهمت الناشطين الرئيسين بضرورة تنسيق وتكثيف جهودهم، وبعد فترة ليست بالطويلة من هذه الحادثة، قرروا تأسيس جماعة تشملهم تحت مسمى "الجماعة السلفية"، ثم تواصلوا مع ابن باز وطلبوا موافقته على إنشاء الجماعة.


رحّب ابن باز بالفكرة، واقترح إضافة لقب "المحتسبة" إلى اسمها، وهكذا أصبح ابن باز بمثابة المرشد الروحي الرسمي للجماعة، وعين أبو بكر الجزائري نائباً له".
"جسم" لم يكن لها رئيس رسمي، لكن كان يحكمها مجلس شورى يتكون من 5 أو 6 أعضاء، بمن في ذلك 4 من المؤسسين، إضافة إلى الجزائري.
أيام مع جهيمان
ناصر الحزيمي، أحد الأعضاء السابقين في الجماعة السلفية المحتسبة، ومن المقربين للعتيبي، ذكر في كتابه "أيام مع جهيمان": أنّ الجماعة تأسست بعد حادث "تكسير الصور"؛ حيث تجمعت مجموعة مكونة من ستة أشخاص بعد صلاة العشاء، وقرروا أن يؤسسوا جماعة تقوم بأمور الدعوة والتذكير في المساجد والأماكن العامة، وجميعهم خرجوا من عباءة جماعة "التبليغ والدعوة"، عدا واحد منهم أشار الحزيمي إلى أنه من الإخوان المسلمين.

 يقول الحزيمي في كتابه: "ولأنّهم يرون أّنّ جماعة التبليغ لا تهتم بالتوحيد في دعوتها، كما أنهم كثيراً ما يتساهلون في قضايا الولاء والبراء وقضايا إنكار المنكر، رأوا أنها جماعة لا تدعو على هدي من الكتاب والسنّة، وهؤلاء الستة هم: جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي، وسليمان بن شتيوي، وكان حينها طالباً في الجامعة الإسلامية، وناصر بن حسين العمري الحربي وسعد التميمي، وكلّ منهما طالب في معهد المعلمين حينها، وهناك اثنان لم أدركهما".
 

زادت تدريجياً نشاطات "جسم"، وجذبت أعداداً كبيرة نسبياً من الأتباع

بيت الإخوان


زادت تدريجياً نشاطات "جسم"، وجذبت أعداداً كبيرة نسبياً من الأتباع في المدينة، جاء في كتاب "حتى لا يعود جهيمان": "في بداية السبعينيات، كانوا يجتمعون في منزل بني خصيصاً لهذا الغرض، ليكون مقراً للجماعة، وعرف باسم "بيت الإخوان"، وكان يقع في منطقة الحرة الشرقية بالمدينة، وهي منطقة مشهورة بمحافظة سكانها الدينية الصارمة، وأصبح "بيت الإخوان" نقطة التجمع الطبيعية ومركز إدارة "جسم"، إضافة إلى ذلك، أصبح منتدى للدروس اليومية، والمؤتمرات الأسبوعية، لقد كان يديره أحمد حسن المعلم، وهو صديق مقرب من جهيمان، وطالب يمني سابق في الجامعة الإسلامية بالمدينة".

برزت صور جهيمان العتيبي أثناء حصار مكة واقتحامه وأتباعه للحرم المكّي وادّعاء عودة المهدي المنتظر مطالباً الناس بتقديم البيعة

بمرور الوقت، أصبح هيكل "جسم" التنظيمي أكبر حجماً، وأكثر تعقيداً؛ فقد تم استحداث لجان إدارية جديدة لتنسيق بعض الأمور العملية، مثل: اللجنة المتخصصة في تنظيم سفريات الأعضاء، ولجنة أخرى متخصصة في تنظيم استقبال الضيوف، ولجنة ثالثة متخصصة في تنظيم رحلات إلى القرى لأعضاء الجماعة المسميين بــ "المسافرين الجوالين"، والذين يعملون في الدعوة وتجنيد الأعضاء الجدد.
كما شجعت "جسم" أتباعها على تأسيس فروع مشابهة في مدن أخرى في المملكة، وبحلول عام 1976، كان هناك أعضاء لـ "جسم"، يوجدون بصورة عملية في جميع المدن الكبرى في السعودية.
تطرف أعضاء الجماعة السلفية المحتسبة دفع بعض العلماء للجلوس معهم في محاولة للتخفيف من حدة ذلك التطرف الفكري، وتم تنظيم لقاء في بيت الإخوان، غير أن ذلك اللقاء كان نقطة تحول مهمّة في تاريخ الجماعة، تغيّرت على خلفيته القيادة العامة للتنظيم؛ حيث انتقلت إلى جهيمان العتيبي، وعن تلك الحادثة، المسماة "حادثة السطح"، جاء في كتاب "حتى لا يعود جهيمان": "زارت مجموعة من علماء المدينة "بيت الإخوان" بقيادة أبي بكر الجزائري في محاولة لإقناع أعضاء "جسم" بالتخلي عن تلك الممارسات الغريبة، وكان الشيخ عبد العزيز بن باز قد غادر المدينة في ذلك الوقت، عائداً إلى الرياض، عقد الاجتماع على سطح "بيت الإخوان"، ووقع تصادم عنيف بين الجزائري والمتشدد جهيمان العتيبي. ونتيجة حادثة السطح حدث انشقاق في "جسم": الأقلية، ومن ضمنهم معظم الأعضاء التاريخيين للجماعة، أعلنوا ولاءهم للجزائري، وغادروا "بيت الإخوان"، بينما الأغلبية، التي تتكون من الشباب والمتشددين، احتشدوا حول جهيمان، وأصروا على مواصلة ممارسة أساليبهم".

"أيام مع جهيمان" لناصر الحزيمي

إخوان العتيبي


بعد تلك الحادثة، أصبح العتيبي قائداً للجماعة، وسمّى نفسه وأعضاء جماعته "الإخوان". يوضح ناصر الحزيمي في "أيام مع جهيمان"، تفاصيل نشأة العتيبي: "من المعروف أنّ جهيمان نشأ في إحدى الهجر التي أنشئت لاستقرار البدو وتعليمهم، والذين عرفوا فيما بعد باسم الإخوان، "إخوان من طاع الله"، واسم هذه الهجرة "ساجر"، وكان جميع البدو القاطنين في هذه الهجرة من الإخوان الذين حاربوا مع الملك عبد العزيز، بقيادة سلطان بن بجاد، ثم تمردوا على الملك عبد العزيز، بسبب منهج التحديث الذي انتهجه الملك عبد العزيز، وحاربوه في واقعة "السبلة"، وهزموا أمامه، واستسلم سلطان بن بجاد للملك عبد العزيز وتوفّي بعد ذلك في السجن، بعد مدة، هذه الواقعة ولدت شعوراً بالغبن عند الإخوان عموماً، وعند أهل ساجر خصوصاً، ونشأ جيل ورث بعضهم الضغينة للنظام القائم والتمرد عليه، مثل هذا المحيط المتمرد هو الذي كون نفسية جهيمان، وجعله لا يدين بالولاء للنظام القائم في فتراته المبكرة، خصوصاً أنّ والد جهيمانصديق حميم لسلطان بن بجاد، ومن الذين نصحوه بعدم الاستسلام؛ للملك عبد العزيز".
نشأة العتيبي كانت سبباً في اختيار الاسم، الذي أعاد ملامح جماعة الإخوان مرة أخرى إلى سطح المشهد، والذي برزت صورته بشكل أكبر أثناء حصار مكة، واقتحام العتيبي وأتباعه للحرم المكّي، وادّعائه أنّ المهدي المنتظر بينهم، مطالباً الناس بتقديم البيعه إليه.

المصدر

تحذير

تحذر صحيفة (اليوم الثامن) الصحف والمواقع الالكترونية من إعادة نشر اي مواد خاصة بأي وسائل النشر ورقية او الكترونية ما لم يتم الاشارة الى المصدر.

التعليقات

 

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر

الصحيفة الورقية |

5973a5b41ca45.jpeg

الاعداد السابقة