وهيب الحاجب يكتب:

الجنوب.. حوار ومؤامرات

تقارب جنوبي يبدو في الأفق، وإن كان بطيئا إلا أنه يشير إلى انفراجة نوعية في حالة الشتات والفرقة التي رافقت مسيرة الثورة الجنوبية منذ وقت مبكر؛ فكانا (الشتات والفرقة) هما العائق الأكبر أمام تطلعات شعب الجنوب الذي ظل يزداد تماسكا وتلاحما كلما تباعدت قياداته أو اختلفت وتباينت.

لقاءات تشاورية عقدتها خلال الأيام الماضية أكبر ثلاث قوى سياسية داخل الجنوب وهي: «المجلس الانتقالي» و«المجلس الأعلى للحراك الثوري» و«مؤتمر القاهرة»، ما يعني أن هناك آمالا وتطلعات نحو مشروع سياسي قادم سيعطي قضية الجنوب قوة أمام الأطراف اليمنية المتصارعة على السلطة في الشمال والمتناحرة مذهبيا وقبليا وإيدلوجيا دون مشروع سياسي ولا أفق وطني، وسيكون من شأن هذا المشروع الجنوبي أن يقف في وجه تلك المؤامرات التي تحاك ضد مستقبل الجنوب وتستهدف جغرافيته وتسعى إلى إفراغه من وطنييه وكوادره.

 

تطور خطير وصلت إليه العلاقة بين الجنوب والشمال، ومنعطف أكثر خطورة بات اليوم محدقا بواقع الجنوب ومقوماته، قبل أن يكون على مستقبله وعلى مشروعه الوطني وتطلعات شعبه.. إذ لم يعد المطلب الجنوبي باستعادة الدولة والهوية هو الهدف الذي تسعى قوى الشمال إلى ضربه، بل صار الإنسان في الجنوب هدفا للتصفية والقتل، وصار الكادر العسكري والمدني والخبير والمثقف ورجل الدين هو المستهدف والمطلوب لقوى الظلام القادمة من الشمال بهدف تصفية الجنوب من كوادره وإفراغ ما تبقى من ملامح الدولة من رجالاتها العسكرية وخبراتها التي يخشاها المتربصون بالجنوب.. وهو ما يتطلب اليوم تقاربا جنوبيا وتنازلا للآخر وإيمانا بالشراكة الوطنية.

 

تصفية الكوادر الجنوبية بات أكثر وضوحا اليوم، وهو مشروع قديم جديد بدأته قوى التطرف والظلام خلال العامين الأولين اللذين تليا الوحدة، بتصفية المئات من كوادر الحزب الاشتراكي، وكانت المبررات هي «العقيدة والدين والماركسية»..

 اليوم يتجدد المشروع الخبيث ذاته ولكن دون عقيدة ولا دين.. لا مبرر اليوم سوى أنها الحرب التي لازلت مستمرة لقتل وتدمير كل مَن وما هو جنوبي، دون وعي كاف ولا إدراك مسؤول من الجنوبيين الذين لا يزالون مخدوعين بالقومية اليمنية ووهم الوحدة.

 

ما بدأه المجلس الانتقالي من لقاءات تشاورية واستجابت لها بعض المكونات يجب أن تستمر وتمتد إلى كافة القوى العاملة على الأرض وكذلك الشخصيات السياسية الجنوبية، مدنية كانت أم عسكرية، من أجل تأصيل مفاهيم الشراكة الوطنية، وعلى المكونات كافة الاستجابة والاستفادة من الغطاء الذي يمتلكه الانتقالي وكذا من المشروعية النسبية للمجلس وعلاقاته الإقليمية التي لا محالة ستخرج القضية من حالة الانعزال والتقوقع داخل البيت الجنوبي إلى فضاء أوسع.

 

تدمير الجنوب، أرضا وإنسانا، هدف استراتيجي للشريك الغادر، ومشروع خطير يتطلب من الجنوبيين كثيرا من التلاحم وقليلا من التباكي.. فمتى يعي المخدوعون أن «الوحدة» التي كانت محرقة للجنوب ستكون عما قريب مقبرة للجنوبيين؟!