زياد حافظ يكتب:
لبنان: من الانهيار إلى الصعود
(1) في لقاء افتراضي عقده منتدى "الحوار" في واشنطن والذي يديره الأستاذ صبحي غندور، كان معنا عدد من النخب العربية المقيمة في الولايات المتحدة وكندا ولبنان والأردن والمملكة المتحدة وفرنسا على ما نذكر، وعرضنا فيه مقاربة للمشهد الاقتصادي والمالي اللبناني وعلاقته بالمشهد السياسي المحلّي والإقليمي والدولي. ليس هدفنا تلخيص المقاربة بل التوسع فيما وصلنا إليه في الختام لأننا تطرّقنا إلى بُعد لم نقاربه من قبل وإن كان في ذهننا منذ فترة طويلة. خلاصة المقاربة كانت أن رغم المشهد القاتم السائد حاليا والذي ينذر بالوقوع في هاوية خالية من القاع فإن لبنان يقف على أبواب نهضة اقتصادية لم يشهدها بعد في التاريخ المعاصر وحتى القديم نسبيا. وكل ما يحتاجه هو إرادة فقط لا غير لأن الظروف الموضوعية لتلك النهضة متوفرة وما ينقصها إلاّ القرار الذاتي.
لكن هذا القرار ليس متوفّرا عند الجميع بل فقط عند بعض الفئات ولبنان لا يستطيع أن ينهض إن لم يكن هناك توافق بين مكوّناته السياسية والاجتماعية. صحيح أنه هناك أكثرية تستطيع أن تفرض التغيير ولكن فد يكون ذلك على حساب السلم الأهلي. وهذا ما لا تريده أكثرية اللبنانيين الذين ما زالوا يذكرون ويلات الحرب الأهلية. وهذا الوعي بمخاطر الحرب الأهلية هو ما حمى لبنان من الوقوع في فخ الفتنة التي حاول أعداء لبنان من جرّه إليه.
بطبيعة الحال نتوّقع الاستهزاء من هذا التفاؤل الذي نعتقد (أي التفاؤل) أنه في مكانه والمرتكز إلى قواعد موضوعية قد تغفل عن بال العديد من المحلّلين والتي سنسردها لاحقا. ف"الموضوعية" و"الواقعية" التي يتغنّى بها العديد من النخب التي تملء الفضاء السياسي والإعلامي في لبنان ليست إلاّ التبرير لإعفاء النفس عن الجهد والتفكير كما أن "التشاؤم" أصبح تجارة مربحة وقليلة الكلفة طالما تخدم أهداف خارجية بشكل موضوعي أو ذاتي. فالاستهزاء مثلا من العودة إلى الاقتصاد الإنتاجي انصبّ على التهكم على الزراعة وكأنها عودة إلى الوراء! فالمجتمعات المتقدمة كما يزعم البعض انتقلت من الزراعة إلى الصناعة ثم إلى الخدمات فلماذا العودة إلى الوراء؟ هذا المنطق المغلوط يخفي أن التوجّه نحو اقتصاد منتج هو التوجّه إلى المحاسبة والمسائلة بينما الاقتصاد الريعي يلغي تلك المسائلة والمحاسبة. ويمكن التوسّع في تفسير ذلك إلاّ أنه يخرجنا عن صلب الموضوع الذي نريد التركيز عليه.
الحجة الرئيسية التي يقدمّها المشكّكون هي المشهد الاقتصادي الحالي القاتم والأزمة المالية التي تتفاقم يوما بعد يوم وكأنها قدر وقائمة حتى يوم الدين هي أن خلاص لبنان هو عبر المساعدات الخارجية فقط لا غير. والتشخيص المتشائم للواقع هو كلام حق، إلى حدّ ما، ولكن يراد به باطل على الأقل للحفاظ على البنية القائمة كما هي، وفي الحد الأقصى تنفيذا لأجندات خارجية لا تخدم إلاّ الكيان العدو. والخطورة في ذلك التشخيص هو "ثباته" وأنه غير قابل للتغيير وكأنه منزل أو محفور بالصخر. فهو ليس مُنزلا ولا محفورا بالصخر بل عناصره افتراضية أكثر مما هي عينية. فهي تغيّب الإرادة أو تعتبرها مشلولة ولا حول ولا قوّة لها وهذا غير صحيح موضوعيا. فالتغيير ممكن والإرادة موجودة على الأقل عند بعض القيادات التي تسعى بشكّل جدّي إلى التغيير. لكنها بحاجة إلى حشد توافق مع سائر القوى التي كانت تستفيد من الوضع الحالي الذي وصل إلى طريق مسدود.
ما نريد أن نقوله هو أن الأزمة الاقتصادية والمالية ظاهرها تقني ولكن جوهرها سياسي. فالحلول التقنية موجودة ولكن ينقصها القرار السياسي الذي يصبّ في جوهر الأزمة. وإذا أردنا أن نكون أكثر وضوحا نقول إن أزمة شحّ الدولار والارتفاع غير المسبوق لسعر الصرف والشلل الاقتصادي العام والبطالة الناتجة عن كل ذلك هي ظواهر لأزمة مصطنعة وإن ارتكزت على بعض المعطيات الموضوعية الاقتصادية والمتظافرة مع جائحة الكورونا، لكنها لا تبرّر ذلك الارتفاع لسعر الدولار وما ينجم عن ذلك. فالتحكّم بعرض الدولارات لأسباب لا علاقة لها بالواقع الاقتصادي كضرورة الحفاظ على احتياط كاف لسد الحاجات الاستيرادية من المواد الأساسية كالمشتقات النفطية والدواء وبعض المواد الغذائية الأساسية لا تصمد أمام الحلول التي يمكن تطبيقها وتخفّف الضغط على طلب الدولار والتي عرضناها سابقا كما عرضها العديد من الخبراء في هذا الموضوع. من ضمن تلك الحلول التعامل بالليرة اللبنانية مع المورّدين الذي يقبلون ذلك وخاصة في المشتقات النفطية التي تشكّل الجزء الأكبر من الاستيراد اللبناني وذلك على سبيل المثال وليس الحصر. لكن التحكّم بالعرض للدولار والتلاعب بسعره فرصة للمتحكّمين للثراء غير المشروع وأيضا لفرض المزيد من الضغط السياسي على المقاومة عبر الضغط على المواطنين بشكل عام. فالساحة اللبنانية أصبحت ساحة المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة والمقاومة خدمة للكيان الصهيوني. كلام وزير الخارجية بومبيو وكلام مساعده دافيد شينكر وكلام قائد المنطقة الوسطى كينيت ماكنزي واضح مفاده أن القرارات الأميركية تجاه لبنان هي لمصلحة الكيان فقط لا غير. فالحصار الاقتصادي ومنع وصول الدولار إلى لبنان هو قرار سياسي يغذّي الأزمة الاقتصادية والمالية بل يساهم عمدا في تفاقمها للضغط السياسي على لبنان.
إذا، الأزمة المالية هي أزمة سياسية وحلّها في السياسة عبر ممارسة الضغط المضاد الذي تقوم به المقاومة في لبنان والذي يجب أن تساندها القوى الشعبية والهيئات النقابية. فإطلالات أمين عام حزب الله الأخيرة مكّنت الحكومة من استعمال ورقة الانفتاح "إلى الشرق"، فظهر العراق، لينذر بانفتاح على كل من سورية والجمهورية الإسلامية في إيران والصين وروسيا، ليساهم في تعديل اللهجة الأميركية تجاه لبنان. وهذا الانفتاح إلى تلك الدول المغضوب عليها أميركيا أدّى إلى جنوح نحو الانفتاح الخليجي تجاه لبنان بعدما كان أداة للحصار على لبنان. فخسارة لبنان خسارة استراتيجية لا تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة تحمّلها.
إذا، قوانين الاشتباك السياسي والاقتصادي أصبحت واضحة يضاف إليها التهديد الواضح بقلب الطاولة على الجميع من قبل المقاومة عبر الكلمة المكتوبة والتي ردّدها ثلاث مرّات الأمين العام، أي إذا أردتم قتلنا عبر التجويع فلن نجوع وسنقتلك، سنقتلك، سنقتلك!!! ترجمة هذا التهديد تمّ التبليغ عنها عبر "الوسطاء" الذين أرادوا معرفة ما المقصود. النتيجة كانت واضحة تجلّت في تخفيف حدّة اللهجة الأميركية في مخاطبة الحكومة. كما أن الوفد المفاوض من قبل صندوق النقد الدولي اعتمد بدوره أسلوبا ولغة أكثر دبلوماسية مما كان عليه قبل توقف الحوار مع الحكومة اللبنانية. فالأخيرة استطاعت الاستفادة من ضغط المقاومة لتحسين شروط التفاوض مع الولايات المتحدة والصندوق عبر المباشرة بخيارات بديلة وهذا ما يُسجّل لها رغم البطء والتردّد الذي سبق هذه الخطوة.
ضغط المقاومة يفتح باب المقاومة الاقتصادية كخطوة أولى للخروج من الأزمة وتمهّد لمسار اقتصادي يصون الاستقلال والسيادة الوطنية في الاقتصاد ويفتح مجالات البحبوحة الاقتصادية التي ستعمّ المنطقة تحت شعار إعادة اعمار الدول المنكوبة من الحروب الكونية التي شُنت عليها أي كل من سورية والعراق، وعبر التشبيك الاقتصادي الذي سنعرض فوائده لاحقا.
أما الخيارات الاستراتيجية الاقتصادية الموجودة التي تحمل في طيّاتها الحلول فهي أولا إعادة هيكلة الاقتصاد عبر الانتقال من اقتصاد ريعي بامتياز إلى اقتصاد إنتاجي وهذا ما تبنّته تصريحات رئيس الوزراء الدكتور حسّان دياب. ثانيا، إن إعادة هيكلة الاقتصاد اللبناني تطلّب أيضا المباشرة بإعادة هيكلة الدين العام كخطوة استراتيجية في تصحيح الوضع المالي. ثالثا، من ضمن شروط إعادة هيكلة الدين العام إعادة هيكلة القطاع المصرفي لاسترجاع الثقة التي بدّدها القطاع بسوء إدارته ولا مبالاته لحاجات اللبنانيين بشكل عام والمودعين بشكل خاص. رابعا، ما يرافق هذه الخطوات هو الانفتاح على الدول المستعّدة للتعاون مع الدولة اللبنانية بالعملة الوطنية أي الليرة اللبنانية. ومن ضمن هذه الدول دول الشرق بشكل عام بما فيها دول الكتلة الأوراسية وبطبيعة الحال الدول العربية المجاورة وفي مقدمتها سورية ثم العراق والأردن. أما دول الخليج فهي أيضا مرّحب بها إن كانت على استعداد للتعامل مع الدولة اللبنانية كما أعربت عن ذلك دولة الكويت.
هذه الحلول تطلّب قرارا سياسيا واضحا من قبل الحكومة التي ما زالت تتأرجح بين المضي في تنفيذ خطّتها الإصلاحية والتعامل مع التجاذبات الداخلية وإن كانت في معظمها من رحم القوى التي دعمتها. ولكن عاجلا أم آجلا، والأرجح عاجلا، ستستأنف الحكومة تنفيذ خطّتها رغم العراقيل التي تُوضع بوجهها والتي أشار إليها رئيس الحكومة، ورغم الضغوط الخارجية التي تمارس عليها. فلا خيار إلا عبر الحلول المعروضة أعلاه التي العديد من عناصرها متوفّرة في الخطّة الإصلاحية والمعطوفة على التوجّه الأخير نحو العراق كبداية. بالمقابل، فإن العروض التي يروّجها ما يُسمّى بالمجتمع الدولي غير قابلة للتنفيذ لأنها لن تفي بالغرض لإنقاذ الاقتصاد اللبناني كما أن شروطها غير مقبولة. فهذه الشروط لا تفي بالغرض أولا، لأن قيمة المساعدات المرتقبة منها لا تشكّل إلاّ الجزء الصغير من حجم الأزمة وثانيا، لأن ما تضمّنته تلك الشروط هي خصخصة ما تبقّى من مرافق للدولة. من جهة أخرى إن القطاع العام رغم الثغرات المعهودة فيه اقلّ ضررا من تجاوزات القطاع الخاص فيما يتعلّق بسلامة ومصلحة المواطنين. هذا لا يعني أننا ندعو إلى سيطرة القطاع العام على حساب القطاع الخاص بل القول إن الخصخصة ليست الحل بل هي باب لمشاكل قد تصبح مستعصية على الحل بسبب الجشع الذي يسود في القطاع الخاص وخاصة عند ارباب الطبقة السياسية التي هي جزء من "الفعّاليات الاقتصادية".
فإذا كانت حلول "المجتمع الدولي" غير قابلة للتنفيذ ألاّ بكلفة عالية سياسيا وماليا لن يقبلها اللبنانيون وإذا بالمقابل الحلول التي نقترحها هيا قابلة للتنفيذ وبكلفة مالية واقتصادية أقلّ بكثير من حلول "المجتمع الدولي" فيبدو أن لا مقر من إقرار خطة الحكومة وإن كانت فيها ثغرات لا ترضينا. على الأقل لدى الحكومة خطّة بينما الحكومات السابقة لم يكن لديها إلاّ الخطّة غير المعلنة الا وهي النهب المنظّم عبر الانتقال إلى اقتصاد ريعي والسيطرة على الريع ومصادره. أما القوى التي تعرقل الخطة فستكتشف أن مصلحتها المستقبلية ستكون في تنفيذ الخطة وإن كانت كلفتها التضحية ببعض الرموز حفاظا على سيطرتها على مجريات الأمور. فرفضها للتنازل عن بعض الامتيازات والرموز سياسة قصيرة المدى وسلبياتها أكثر من الإيجابية التي تعتقد أنها ستحصل عليها عبر التمسّك بالوضع القائم. فلا عودة إلى ما قبل 17 تشرين والطريق الأفضل لهذه القوى أن تكون شريكة في التغيير بدلا من أن تكون مصدر العرقلة.
بالنسبة لما يعتقده البعض ب "التفاؤل" غير المبرّر فنحن من مدرسة تعوّدت على مقاربة المشاهد عبر تحديد المخاطر والتحدّيات وتحويلها إلى فرص، وعبر تقوية عناصر القوّة الموجودة وتحييد مواطن الضعف إن لم نستطع تحويلها إلى مواطن قوّة. التشاؤم ليس "واقعية" ولا "موضوعية" بل موقف مسبق لتبرير عدم الجهد.
فما هي العناصر الموضوعية التي تجعل لبنان على أبواب نهضة لم يشهدها في تاريخه المعاصر؟ العنصر الأول هو أن لبنان بلد غني بحد ذاته وذلك دون التطرّق إلى الثروات الغازية والنفطية القادمة. والدليل على أن لبنان غني بالرغم من استغلال المواد الأولية والمعادن في جوفه هو أن الطبقة الحاكمة استطاعت أن تسرق أكثر من 130 مليار دولار على الأقل وفقا لأرقام الدين العام والتقديرات العائدة للهدر والاسراف المبرمج! وما زالت تلك الطبقة تفكّر في وسائل جديدة للنهب (ربما عبر "الخصخصة") مما يدلّ على أن الثروة غير المنهوبة ما زالت موجودة وإلاّ لرحلت تلقائيا تلك الطبقة!
ثانيا، إن التاريخ هو مؤشّر على قوّة لبنان في قدرته على تحويل التحدّيات إلى فرص. ففي التاريخ القديم استطاع الكنعانيون أن يبحروا ويكتشفوا قارات ويبنوا شبكات تجارية واسعة رغم التنافس التآمري المدمّر بين ما يمكن تسميته كونفدرالية المدن كجبيل وصيدا وصور. أما في التاريخ المعاصر استطاع لبنان بسبب موقعه الاستراتيجي أن يكون فعلا جسرا بين الشرق والغرب وبالتالي الاستفادة من عولمة لم تكن تعرف آنذاك وسائل التواصل والنقل والاحتساب التي أصبحت اليوم سمتها. إن الجغرافيا لها دور لا يلغيها التاريخ ولا التطوّرات بل تؤكّدها.
ثالثا، وهنا دور الديمغرافيا التي تتلاحم مع الجغرافيا، فإن الثروة الأساسية في لبنان هي في الطاقة البشرية الموجودة التي استطاعت أن تتكيّف مع أصعب الظروف التي مرّ بها البلد. فالحرب الأهلية التي شهدت انهيار مؤسسات الدولة لم تؤدّ إلى انهيار المجتمع. فالأخير برهن آنذاك وحتى الساعة أنه أقوى من الدولة في مواجهة التحدّيات. صحيح أن التكيّف كان وما زال مكلفا ولكن غريزة البقاء كانت الأقوى والقدرة على التكيّف أمّنت الحد الأدنى رغم الفساد الذي تمّ مأسسته في حقبة الطائف ورغم تقاعس الدولة عن تقديم الخدمات التي كان يجب أن تقدّمها. هذه الطاقة البشرية لم تنجح في التكيّف فحسب بل أيضا ابدعت في العديد من القطاعات. وخير دليل على ذلك هو نجاح اللبنانيين في التنافس مع العقول الدولية سواء في العلوم أو في الاقتصاد والمال أو حتى في السياسة (إلاّ في لبنان؟!؟!؟!). اللبنانيون لم ينجحوا حتى الساعة في إدارة شؤونهم الوطنية لأسباب عديدة لكن ما حصل في 17 تشرين 2019 غيّر الكثير.
صحيح أن انتفاضة تشرين لم تؤدّ إلى نتائج ملموسة في مجال التغيير لكنّها وضعت على الطاولة قضايا كثيرة لم تكن تريد معالجتها الطبقة السياسية. استطاعت الأخيرة استيعاب حدّة الحراك موقّتا ساعدها في ذلك جائحة الكورونا لكن لم تستطع القضاء على جوهر الحراك. المارد خرج فعلا من عنق الزجاجة وبالتالي مهما طال الأمر فإن التغيير آت. لسنا متأكدّين متى سيحصل ذلك كما لسنا متأكدّين أن اللبنانيين سيعودون إلى مبايعة الطقم السياسي بعد كل ما حصل. يمكن للطبقة السياسية تأجيل الاستحقاق ولكنها لا يمكنها ألغاء الخطر عليها إن لم تبادر هي بالإصلاح لضبط إيقاع الإصلاح دون المساس بقضايا تعتبرها جوهرية. وهنا الفرصة، فبعض الإصلاح أحسن من لا إصلاح وبعض الإصلاح سيليه اصلاحا آخرا.
رابعا، هناك من سيهزأ من حصول التغيير. نقول في هذا الشأن ان التغيير آت لأن موازين القوّة في الإقليم تغيّرت لصالح قوى التغيير. فمهما كانت قوّة الدولة العميقة أو المجتمع الطائفي العميق فإنها لن تستطيع أن تصمد أمام التغيير في وجه موازين القوّة الجديدة. ولدينا دليل من تاريخ لبنان المعاصر. فالاحتقان الذي تراكم بعد حصول لبنان على الاستقلال وصل إلى ذروة الانفجار سنة 1958 تزامنا مع تغيير في موازين القوّة الإقليمية. فالمد القومي آنذاك بقيادة جمال عبد الناصر استطاع أن يفرز في لبنان قيادة من داخل النظام أقدمت على إجراء إصلاحات لا لتغيير النظام بل لتثبيته على قواعد أكثر صلابة مما كانت عليه بعد الاستقلال. فبعثة ارفد اشارت إلى الخلل في البنية الاقتصادية واللاتوازن في التنمية بين المناطق ما جعل القيادة السياسية تقدم على إنجازات كبيرة في إنشاء مؤسسات للدولة ما زالت قائمة.
التغيير في موازين القوّة بعد 1967 على الصعيد الإقليمي لصالح ما يمكن تسميته بالثورة المضادة في الوطن العربي وخاصة في مشرقه بعد رحيل جمال عبد الناصر مكّنت البيوت السياسية اللبنانية من الانتفاضة ضد النهج الذي نتج عن إصلاحات التي ارسخها فؤاد شهاب. فكان الصراع بين "النهج" الذي ضمّ آنذاك القيادات السياسية المؤيّدة لتلك الإصلاحات بقيادة الرئيس الشهيد رشيد كرامي وبين تحالف "الحلف الثلاثي" و"تجمع الوسط" الذي ضمّ معظم البيوت والقوى السياسية المناهضة للإصلاح. وبما أن ازداد اختلال ميزان القوّة في المنطقة لصالح الثورة المضادة والكيان الصهيوني كانت كارثة الحرب الأهلية التي استمرّت 15 سنة. حقبة الطائف التي أمّنت حدّا أدنى من الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي عكس موازين القوّة الجديدة التي أفرزتها التحوّلات في المنطقة بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران والتحالف الاستراتيجي معها الذي أقامه الرئيس الراحل حافظ الأسد مقابل القوى التي ظنّت أن عالما جديدا ولد من رحم خرب الخليج وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي ووهم مشاريع السلام في المنطقة. فالوكالة العربية الإقليمية والدولية لسورية أمنّت ذلك الاستقرار حتى 2005 على قاعدة ذلك الوهم في السلام. أما الحقبة التي بدأت مع تحرير لبنان سنة 2000 وبعد اجتياز امتحان العدوان الصهيوني على لبنان بقرار أميركي سنة 2006، وبعد إخفاق المشروع الأميركي في العراق بدأت موازين قوة جديدة ترتسم. أما الحرب الكونية على سورية والعدوان المتكرّر على قطاع غزّة فكانت محاولات لكسر تلك الموازين. فشل هذه المحاولات ثبّت فعّالية الموازين الجديدة التي ستنعكس بشكل مباشر على لبنان.
ما نريد أن نقوله إن تاريخ لبنان المعاصر يُقرأ من خلال قراءة ومعرفة موازين القوّة العربية والإقليمية والدولية. وما كان صحيحا في الماضي البعيد والقريب ما زال قائما حتى الساعة. وبالتالي الموازين الجديدة سينتج عنها قوى في لبنان تقود التغيير.
(2) عرضنا في المقال السابق الأسباب الموضوعية التي ستمكّن لبنان من النهوض والتغيير. فموازين القوّة في المنطقة هي التي ستحدّد الخيارات المتاحة وليست الإملاءات الأميركية. كما أن الظروف الموضوعية الداخلية على الصعيد الشعبي أصبحت أكثر تقبّلا للتغيير بينما الطبقة السياسية التي ما زالت ممسكة بزمام الأمور أصبحت في موقع التراجع الاستراتيجي الذي لا تستطيع تعديله. فهذه القيادات الفاسدة لجأت إلى الاختباء وراء المرجعيات الدينية لتخفي فشلها وانفلات الأمور من يدها. فلا الديمغرافيا اللبنانية ولا الجغرافيا ستسمح لتلك الطبقة الاستهزاء إلى ما لا نهاية بمصالح وحقوق اللبنانيين كما لم يعد ممكنا للمرجعيات الدينية التستّر عن تلك القيادات أو تبنّى مواقفها التي تحول دون تحقيق التغيير المنشود.
اما مرتكزات النهوض الاقتصادي فهي في إعادة هيكلة الاقتصاد والدين العام والقطاع المصرفي. وإعادة هيكلة الاقتصاد تعني الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي وذلك عبر تجفيف مصادر الريع المدمّرة كالفوائد المرتفعة على سندات الخزينة (من هنا ضرورة إعادة هيكلة الدين العام) وعبر مراجعة التنافس المشروع لتثبيت الاقتصاد الحُرّ ما يعني إلغاء الوكالات الحصرية في الاستيراد والاحتكارات غير المشروعة في لبنان. لكن هذا يشكّل الجزء الأول للانتقال إلى اقتصاد إنتاجي.
أما الشق الثاني فهو دعم القطاع الزراعي والصناعي والسياحي والاستشفاء والتربوي والاستثمار في قطاعات تجني القيمة المضافة المرتفعة عبر التكنولوجيا وتطبيقاتها على سائر المكوّنات الاقتصادية المنتجة والتي عرضناها في مقالات سابقة. في هذا السياق فوجئنا في وسائل التواصل الاجتماعي انتشار الاستخفاف بالعودة إلى الزراعة كأنها من سمات التخلّف. نذكّر هؤلاء بمقولة جبران خليل جبران في حديقة النبي: "ويل لأمة تأكل مما لا تزرع وتشرب مما لا تعصر وتلبس مما لا تنسج". والمقولة تتبعها مقولات مشابهة لا تنطبق على لبنان فحسب بل على كل الدول العربية. لكنا ما نذكّر به يلخّص فحوى الاستراتيجية التي نعرضها والمخاطر الناتجة عن عدم تطبيقها. فالويل قد وصل إلينا بسبب فساد الطبقة الحاكمة.
لكن بعيدا عن المماحكة حول ما تحتويه تلك المحاولات المستهزئة بالعودة إلى البديهيات في الإنتاج فإن دعم القطاع الزراعي له عدّة أهداف منها تأمين الحد الأدنى من الأمن القومي الغذائي. فالتلويح بالجوع لأن لبنان يستورد حاجاته الغذائية التي كان ينتج قسما كبيرا منها قبل الحرب الأهلية والتي قضت عليها حقبة الطائف فإن ذلك التهديد والتهويل غير مقبول. فمن سخرية الدهر أصبح لبنان يستورد الألبان والأجبان من دول خليجية بينما مراعيه ومزارعه التي كانت تصدّر تلك المنتوجات إلى الدول الخليج أصبحت مقفلة بسبب السياسات العبثية التي فرضتها الطغمة الحاكمة في حقبة الطائف. أما السبب الثاني هو تثبيت المواطن اللبناني بأرضه سواء من الناحية الاقتصادية أو من الناحية السكّانية أو من الناحية البيئية. كما أن القطاع الزراعي مصدر اقتصادي لاستيعاب البطالة المتفشّية في لبنان والتي تتراوح التقديرات فيها بين 20 إلى 30 بالمائة بين الشباب. طبعا لا بد من سياسة حكيمة في الاستثمار الزراعي كنّا قد أشرنا إلى ذلك سواء في نوع المزروعات صاحبة القيمة المضافة المرتفعة أو لجهة مساحة الأراضي المخصّصة للزراعة بدلا من الاستثمار العقاري فيها.
ما أشار إليه امين عام حزب الله في إحدى إطلالته الأخيرة حول الزراعة في كل بقعة ممكنة حتى الشرفات فما هو إلاّ التأكيد على أهمية القطاع الزراعي وإن لم يتوسّع في التفاصيل. قد يعترض المشكّكون على ذلك بناء على ما يعتقدونه هو فقدان الجدوى الاقتصادية بسبب ارتفاع كلفات البذور أو السماد أو شحّ التمويل المتوسط وطويل الأجل أو حتى حجم السوق الزراعية في لبنان فإن كل ذلك يمكن تبديده عبر سياسات رشيدة ممكنة.
أما القطاع الصناعي فللبنان تاريخ ناجح بالصناعات المتوسطة والصغيرة وصناعة الملبوسات والصناعات الغذائية والمشروبات. تمّ اهمال تلك الصناعات دون أي مبرّر لتفعيل الاستيراد. القطاع الصناعي مصدر أساسي لاستيعاب البطالة واليد العاملة الماهرة في لبنان تجعل المنتوجات اللبنانية من الجودة المرتفعة والمطلوبة. لن يصبح لبنان منافسا للصين بل قطاعه الصناعي قد يكون داعما للبحث التكنولوجي لرفع القيمة المضافة. هذا ما كنّا نقصده بأن الطاقة البشرية من المكوّنات الموضوعية الاستراتيجية في نهوض لبنان.
اما قطاع الخدمات المنتجة فنقصد بذلك القطاع الذي يأتي بقيمة مضافة كبيرة وإن كانت على فترة طويلة. تطوير القطاع التربوي وخاصة في التعليم العالي في البحوث سيجعل لبنان منارة مرّة أخرى للعلم والبحث في المنطقة. كما أن قطاع الاستشفاء يلازم القطاع السياحي. فهناك سياحة طبّية كما هناك سياحة للجيل الثالث، أي طبقة المتقاعدين الأوروبيين الذي يبحثون عن مناخات دافئة في الشتاء. أما الخدمات المالية فستكون في خدمة الإنتاج الفعلي وليس الإنتاج الافتراضي الذي كانت عليها طيلة حقبة الطائف. فكل هذه القطاعات الميزة الأساسية هي نوعية الطاقة البشرية المتوفرة التي قد تجعل من لبنان من أهم مراكز الاستشفاء والتعليم العالي ليس في المنطقة بل ربما في العالم. كل ذلك يساعد على أيقاف الهجرة ويساهم في الاستفادة من تلك الطاقة. طبعا هناك ضرورة في مراجعة نظام التعليم العالي والاستثمار بالجامعة الوطنية ومراكز البحوث العلمية التي يجب أن تطلقها الجامعة الوطنية. فكل ذلك يعني مشاريع استثمارية متوسطة وطويلة المدى تعود بلبنان بفوائد كبيرة وعديدة. وهي أيضا ستكون ركيزة النهوض الشامل في لبنان.
اما الشق الثالث الذي يدعم الانتقال إلى اقتصاد إنتاجي فهو التوجّه شرقا بشكل استراتيجي لأن الوجهة السابقة غربا لم تعد صالحة للبنان. فالجدوى الاقتصادية للمشاريع الاستثمارية في القطاعات الإنتاجية تتعزّز مع توسيع السوق. وهذا التوسيع عنوانه واحد: التشبيك الاقتصادي مع دول الجوار العربية والإقليمية (ومع فلسطين عند التحرير القادم). فالتشبيك الاقتصادي يساهم في تحقيق وفورات الحجم للمشاريع المتوسطة والكبيرة كما يسهّل عملية ترشيد الاستثمارات في القطاعات الأكثر جدوى في النمو والاستدامة.
التوجّه شرقا يفتح المجال للاستثمار العربي والإقليمي في لبنان. فطالما كان لبنان يدعو إلى جلب الاستثمارات فالأخيرة ستأتي إذا ما شعرت أن السوق المستهدف كبير وغير محصور ببقعة جغرافية صغيرة. من جهة أخرى يمكن الاستفادة من تنفيذ مشاريع مشتركة في بناء وإعادة تأهيل العديد من المرافق والبنى التحتية بتمويل محلّي وأو بتمويل من قبل دول صديقة تجد الاستثمار في المنطقة فرصة لا يمكن أن تفوّتها لما تحتوي المنطقة من موارد وقدرات. فإعادة إعمار سورية والعراق قادمة لا مفرّ من ذلك رغم محاولات العرقلة من قبل الدول الغربية والتي ستفشل حتما، فقد تستطيع فقط ابطاءها ولكن لن تستطيع منعها. العالم لم يعد بقبضة الغرب كما تعتقد بعض النخب العربية فالثقل الاقتصادي أصبح في الشرق. ما نراه من مظاهر قوّة في الغرب هي رواسب قوّة اندفاع منقطعة عن أسباب انطلاقها. فالأزمات المالية وجائحة الكورونا كشفت مدى وهن الاقتصادات الغربية ومدى حيوية الاقتصادات الشرقية. موقع "ستاتيستا" نشر مشخّصا مثيرا حول تراتبية حجم الاقتصادات العالمية. ففي عام 2024 ستصبح الصين الدولة الأولى في العالم تليها الولايات المتحدة ثم الهند ثم اليابان ثم اندونيسيا ثم روسيا. المانيا تأتي في المرتبة السابعة يليها البرازيل ثم المملكة المتحدة ثم فرنسا. والسؤال يصبح لماذا على لبنان أن يتمسّك بالتعامل مع دول تراجع دورها وثقلها الاقتصادي وتتجاهل الدول التي أصبحت القدوة الاقتصادية في العالم وترغب في مصادقة لبنان؟
سياسة لبنان المعتمدة من قبل الطغمة الحاكمة مبنية على مفهومين عبثيين: فلبنان يصادق من يعاديه ويعادي من يصادقه! ويختار اقتصاديا ما ينحره بدلا ما يحييه!!! الخيارات السياسية والاقتصادية واضحة مثل ضوء الشمس لكن ما تفكّر به النخب الحاكمة هو غامض ومريب. ف "الإصلاحات" التي ينادي بها الغرب والصندوق الدولي في الاقتصاد اللبناني تعنى شيئا واحدا فقط لا غير: خصخصة كل يمكن خصخصته وإن بشكل تدريجي. فبيع بعض أملاك الدولة لتخفيف الضغط على الدولار هو الحلّ المفضّل لقراصنة المصارف والطبقة السياسية التي ستتقاسمها وفقا للمحاصصة المعهودة وكأن لم يكن شيئا قد حصل طيلة الأشهر العشر الماضية! فلا حراك تشرين الأول 2019 ولا جائحة الكورونا ولا اختفاء الدولار وارتفاع الأسعار حصل فالعودة إلى صيف 2019 هو الحل!
اما على صعيد التحالفات السياسية فلبنان يمعن بالاستسلام لمشيئة العدو وحليف العدو ويعادي كل من يعادي العدو وحلفاءه. وهنا تظهر مجدّدا البدعة السياسية العبثية التي تنادي ب "الحياد" عن محاور الصراعات ألإقليمية وكأن لبنان خارج الإقليم وكأن فحوى الصراعات لا يستهدف لبنان بشكل رئيسي ليس بسبب وجود المقاومة بل بسبب وجود لبنان وما يمثّله من تحدّ للمشروع الصهيوني. فالصراع على لبنان إقليميا ودوليا هو ترجمة الصراع على فلسطين وسورية والعراق شاءت أم أبت بعض النخب السياسية في لبنان. فهناك من يعتقد أن لبنان سيكون بألف خير إن لم يكن في مواجهة الكيان وكأن الكيان صديق للبنان أو لهم! فيتجاهلون عمدا أن الكيان الصهيوني له أطماع في لبنان وأن ما يُسمّونه ب "المجتمع الدولي" منحاز كلّيا للكيان وإلاّ لماذا تخلّف ذلك "المجتمع" عن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي تؤكّد حق لبنان؟ وهل استرجاع الجزء الأكبر من جنوب لبنان وطرد المحتّل الصهيوني بقوّة السلاح أصبح "مصيبة" على لبنان؟ ليس هدفنا في هذه المقاربة معالجة النداء بالنأي عن النفس أو الحياد أو أي طرح سخيف يضرّ بلبنان ولا يحميه من مخاطر أطماع العدو. بل نكتفي بالإشارة أن التشبيك الاقتصادي الذي ندعو إليه بقوّة وباستمرار يعني الخروج عن متاهات النأي بالنفس والحياد الذي لم يستفيد لبنان خلال العقد الماضي. فهل تلك السياسة التي أطلقتها حكومة نجيب الميقاتي والرئيس ميشال سليمان منذ ربيع 2011 أدّت إلى نمو وازدهار اقتصادي؟ تقرير ماكنزي يشير بوضوح أن معدّلات النمو تدنّت بشك ملحوظ منذ تطبيق سياسة النأي بالنفسّ! وهل التخلّي عن رئة لبنان دليل على الحرص على لبنان وأن "سلامة" لبنان في الاختناق الاقتصادي؟ فمقاطعة سورية بحجة واهية أدّت إلى خراب لبنان عبر تحمّل عبء النازحين من سورية وعبر خسارة تجارة الترانزيت تجاه الدول العربية وعبر تجميد الاستثمار بودائع السوريين في المصارف اللبنانية. مع هذه العبقرية السياسية لا عجب أن لبنان يعاني مما هو عليه!
العالم يتجه نحو التكتلات الاقتصادية الكبيرة والإقليمية بدلا من عولمة كادت تقضي على مقوّمات الدول. وللبنان فرصة ذهبية للالتحاق بالكتلة الاوراسية عبر الانضمام إلى طريق الحرير أو طريق الحزام الواحد. لن يحصل ذلك إلاّ عبر التشبيك مع سورية والعراق والجمهورية الإسلامية وتركيا، وإن كانت البداية مع الدول العربية المجاورة. فالمصلحة الاستراتيجية للبنان هي في ذلك التشبيك وفي الانضمام إلى الكتلة الاوراسية. بالمناسبة وقّعت الجمهورية الإسلامية في إيران اتفاقا استراتيجيا مع الصين أفضى إلى استثمار الصين في إيران ما يوازي 400 مليار دولار منها 228 مليار في البنى التحتية التي ستحتوي على سكك حديدية تربط الصين بإيران وبين المدن الكبرى في إيران وصولا إلى الخليج. تُرى ماذا سيحصل للبنان إذا التحق بتلك القاطرة؟ قد لا يحصل على لبنان على ذلك الحجم من الاستثمارات لكن إذا افترضنا عشرة بالمائة فقط فهذا يعني 40 مليار دولار!
تموز 2020
كاتب وباحث اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي



