إياد الشعيبي يكتب:

اليمن الجنوبي.. والسلام مع اسرائيل!!

تقصف الطائرات التركية القرى الكردية في شمال دولة العراق حتى اللحظة، وتحتل تركيا مناطق واسعة في سوريا مساحتها 8835 كم² وتضمّ أكثر من 1000 بلدة، وتتواجد وحداتها العسكرية ومرتزقتها في الجماهيرية الليبية وعاصمتها طرابلس حتى اللحظة، ويمتد نفوذ قواعدها العسكرية حتى قطر والصومال، وتدعم المشاريع المزعزعة في جنوب اليمن، فضلاً عن كونها مقراً رسمياً لأخطر جماعة إسلامية (جماعة الإخوان المسلمين)، وملتقًى لعدد من قياداتها وجملة من المعارضين والمحرّضين السياسيين، الذين يُديرون مساعيهم السياسية والإعلامية التحريضية ضد الدول العربية من على أراضيها، وحتى اللحظة.


لكنّ هذه الدولة "المسلمة"، على الرغم من كل هذه التدخلات الفجّة والانتهاكات الخطرة المنسوبة لسياستها التوسّعية بقيادة الرئيس التركي رجب طيب أرودغان، لا تزال تملك علاقات طبيعية "تطبيع" مع جميع الدول العربية بما فيها السعودية وحكومة اليمن والإمارات ومصر وحتى السلطة الفلسطينية، فضلاً عن استثمارات وتبادل تجاري وسياحي، وعدد من شواهد العلاقات البينية.!


إذن ما هو معيار العلاقات مع أي دولة؟ هل هي الهوية "الدينية"، أم هي قضية الشعب الفلسطيني في صراعه مع إسرائيل "اليهودية"، أم قضية مصالح الدول العربية مترابطة بكل هوياتها الدينية ومختلف جذورها الثقافية والمجتمعية؟


هل يَكمُن خطر النفوذ الحالي في منطقة الشرق الأوسط وقرن أفريقيا، في التوسع التركي العسكري الصريح ضمن أجندة ومشاريع تنظيم الإخوان المسلمين، أم في تطبيع العلاقات الندية مع دولة إسرائيل؟
هل الانتهاكات التي أحدثتها إسرائيل خلال عشرات السنوات في صراعها مع الشعب الفلسطيني واحتلال أراضيه، وتبعاته الإنسانية والسيادية، أكثر شدةٍ مما ألحقته سياسات أردوغان بالعرب ودولهم طيلة السنوات القليلة الماضية، أو ما تسببت به جمهورية إيران "الإسلامية" في العراق وسوريا ولبنان واليمن؟


هل مقاربة المصالح الذي تسعى له إسرائيل مع الدول العربية، يؤثّر على شعوب هذه الدول ويهدد استقرارها وأمنها وسيادتها؟ إذن لماذا يُصرّ البعض على جعل المنطقة دائما ساحة ملائمة للصراعات والخلافات والنزاعات والاقتتال بمختلف خلفياته وجذوره، بديلا عن السلام؟


زاويتا الرفض


ينطلق معظم المعارضين لعملية تطبيع دولتي الإمارات العربية المتحدة والبحرين مع إسرائيل يوم 15 سبتمبر 2020، من زاويتين:


الأولى: تتعلق بجذور القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية عربية تجذّرت في هوية ثقافة الإنسان العربي من منطلق أنّ إسرائيل دولة دخيلة في المنطقة، جاء بها النفوذ الاستعماري على حساب فلسطين وفق سياسات "وعد بلفور"، وضمن اتفاقيات سايس بيكو التي قضت بتقسيم الدول العربية في هيئاتها وشكلها وجُغرافيتها الحالية. 


مرّت القضية الفلسطينية بمنعطفات تاريخية واتفاقيات مختلفة ومتنوّعة بما فيها الحروب مع العرب، سعت خلالها إسرائيل لتعزيز نفوذها في الأرض الفلسطينية على حساب الشعب الفلسطيني، حتى توقيع اتفاق كامب ديفيد مع مصر في سبتمبر 1978، ومن ثمّ مع السلطة الفلسطينية ممثلة بالرئيس الراحل ياسر عرفات فيما عرف بـ "اتفاقية أوسلو" في سبتمبر 1993 في واشنطن، وهو الاتفاق الذي مكّن الفلسطينيين من بعض أرضهم، وأمّن لهم الجغرافيا التي يسيطرون عليها اليوم. لكنّ غياب حل الدولتين، وفق مبادرة السلام العربية (2002)، واستمرار عمليات الضم، يظلّان العنصران الأساسيان في رفض الكثيرين، وخشيتهم من أن يمنح هذا التطبيع العربي الجماعي، الجرأة لإسرائيل لمصادرة المزيد من حقوق الفلسطينيين، والتنصل عن التزاماتها بحلّ الدولتين.


الثانية: ذات بُعد ديني طائفي ينطلق من مبدأ "كراهية اليهود"، الذي تم فيه استغلال القضية الفلسطينية، لشحن الإنسان العربي والمسلم منذ الصغر، وتصوير الإنسان اليهودي على أنه "خطر" يُهدّد بالتهام الجميع، وبالتالي يُصبح مجرد الحديث معه فضلاً عن التعايش والعلاقات أمراً لا يستسيغه الفكر ولا تطمئن له النفس، تم تعزيز ذلك بغسيل فكري منهجي للأدمغة ضد اليهود، ولكل ما يتصل بهم من ناحية أيدلوجية ثقافية دينية، انطلقت أساساً من أحداث وقعت قبل آلاف السنوات، كانت وقوداً مناسبا لعقود من الصراع والتحريض المتبادل القائم على مبدأ الخلاف والهوية الدينية، وهو الأمر الذي تورّط به بالمقابل بعض اليهود أيضاً. 


كلتا الزاويتين يتم استغلالهما معاً من خلال ما يُعرف اليوم بمحور المقاومة أو الممانعة التي تتزعمه تركيا وإيران وأدواتهما في المنطقة قطر والإخوان وحزب الله والحوثيين، فإلباس الخلاف السياسي الوطني غطاء ديني، يُسّهل، بالتأكيد، - وفق نظريتهم- من إقناع وتمكين الأتباع والتحكم بعاطفتهم لتحقيق الاستراتيجيات السياسية بعيدة المدى لهذه الدولتين. 


فلا تتعجب مثلاً إن رأيت أرودغان يُهدّد الإمارات وينتقد البحرين لأنّها طبّعت مع إسرائيل لصالح شعوبها وخدمتهم، بينما المسؤولون الإسرائيليون لدى تركيا يُمارسون رياضتهم الصباحية في شوارع أنقرة أو إسطنبول ويستمتعون بـ "الشاي التركي الشهير" كل صباح. هل هناك استغفال للمنطق والوعي أكبر من ذلك؟


تطرّف اليمن الجنوبي وعودة النزق


انعكست طبيعة هذا اللغط الحاصل بشأن إسرائيل على مواقف بعض الأطراف في جنوب اليمن.


بالعودة السريعة للتاريخ، فقد تبنّت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية مواقف قومية عربية معظمها "متطرّفة" ضد إسرائيل مقارنة بباقي الدول العربية، التي ظلّت مواقفها براغماتية وذكية تتماشى مع مصلحة شعبها بدرجة رئيسية.


ففضلا عن استقبال اليمن الجنوبي لقيادات جبهة النضال الفلسطينية ورموز الحركات المقاومة ضد إسرائيل، وفتح مراكز التدريب لهم في عدن، فقد موّلت دولة اليمن الجنوبي الفلسطينيين بالسلاح السوفيتي النادر في سياق رؤيتها القومية العربية.


فمثلا يقول المسؤول الفلسطيني عباس زكي في مقابلة على قناة الميادين بأنّ الرئيس علي ناصر محمد سلّم المقاومة الفلسطينية سلاح استراتيجي ممنوع ووحيد كان يتواجد لحماية مطار عدن، أثناء فترة رئاسته، وأنّ السوفييت هددوه من مغبة ذلك. لكنّ الرئيس ناصر رد على السوفيت بالقول "اذا لم يصل هذا السلاح إلى المقاومة في فلسطين، فإنه – أي ناصر - سيُلغي كل المعاهدات لأنّ فلسطين هي الشطر الثالث من اليمن."


إذن وفق استراتيجيات عقلية نظام اليمن الجنوبي، فالأولوية دائما هي لحماية الآخرين، وليست لحماية المصالح الوطنية للشعب الجنوبي، ولو تسبب ذلك بخراب مالطا كما يُقال، وهو ما تم عقب ذلك بضياع دولة اليمن الجنوبي عن الخارطة السياسية في 1990، وبقي الشطر الثالث "فلسطين" كما هو.
وفي عام 1977، بعد وقت قصير من خطاب الرئيس المصري أنور السادات أمام الكنيست في القدس الذي حدد مقترحاته للسلام مع إسرائيل، شكلّت منظمة التحرير الفلسطينية وخمس دول عربية ما سّمي حينها "جبهة الصمود والتصدّي" لرفض أي تسوية سلمية مع الدولة اليهودية. 

هذه الدول العربية الخمس وهي، اليمن الجنوبي وسوريا وليبيا والجزائر والعراق، تلاشى معظمها وبقي بعضها يخوض، حتى اليوم، صراعات داخلية وأزمات البحث عن استقرار وكرامة. 


اليوم أيضاً يُكرّر التاريخ نفسه، ولكن في ظل غياب الدولة، بظهور نزَق بعضُ الجنوبيين الغارقين في وهم الصراع العربي الإسرائيلي وشعارات القومية الفجّة، مستخدمين ذات المصطلحات القديمة الرنّانة التي عفت عليها عشرات العقود، دون أدنى تقييم لتبعات سياسات متطرفة سابقة، غاب عنها التوازن، وأدّت بمصير مصالحنا الوطنية والشعبية لدولتنا في ستين داهية.


فمثلمّا يجب أن نتفهم حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة كما هو حق الاسرائيليين في ذلك، تماماً كما نناضل نحن لانتزاع سيادة دولتنا الجنوبية، التي ذهبت ضحية هذه الشعارات القومية، فإنّه يُفترض، لا بل يجب، أن ينطلق موقفنا لأي خطوة للسلام مع دولة إسرائيل، من قاعدة مصالح شعبنا في جنوب اليمن وتحقيق تطلعاته في استعادة دولته وسيادته كاملة غير منقوصة.


فلو أيدّت إسرائيل حقوق الشعب الجنوبي في استعادة دولته المستقلة، فلا مُبرر مطلقاً من رفض أيّ علاقات سلام معها عاجلاً أم آجلاً.