أحمد شهاب يكتب:

مستقبل الكويت بين الترميم أو التجديد الشامل

الكويت

تكاد كلمة التجديد تكون من أكثر الكلمات تداولا في الحياة السياسية الكويتية منذ خمسة وثلاثين عاما، ولكن أجندة التجديد لا تزال غائبة عن الواقع السياسي بشكل كامل.

خلال السنوات الأخيرة استجابت الحكومة لدعوات التجديد التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي فغيرت عددا من الوزراء في الحكومة، وأحالت عددا آخر من القياديين إلى التقاعد، وأبقت على القلة ممن وجدت في بقائهم ضرورة لتسيير العمل، لكن هذه المبادرة رغم أهميتها لم تنجز تجديدا على أرض الواقع، بل ظلت الحياة السياسية هرمة ومتخلفة كما كانت.

وعلى مستوى البرلمان برزت نداءات التجديد بحدة منذ عدة سنوات، وأصبح في المجتمع تياران أحدهما مع التجديد وآخر ضد التجديد، وانعكس ذلك على نتائج الانتخابات حيث وصلت نسبة التغيير في انتخابات مجلس الأمة عام 2020 إلى 62‎‎ في المئة‎‎ بدخول 31 عضوا جديدا، لكن مع ذلك ظل أداء المجلس يعاني من الهرم والعجز ولم تمده الدماء الجديدة بالشباب والحيوية.

تفكيك هذه الأحجية يتطلب التعرض للعديد من النقاط الأساسية أولها:

شيخوخة النظام السياسي: فمن المؤكد أن التجربة السياسية في الكويت رائدة في مجالها ومحيطها الإقليمي والعربي، ولكن من الآفات التي ابتليت بها أنها فقدت عنصر التجدد داخلها، فالدستور تجمد منذ صدوره بحجة القلق من تداعيات التغيير وانقلاب السلطة عليه، والنظام السياسي سار بصورة رتيبة على مدى 60 عاما، وبدا أن استجابته للتحولات الجارية من حوله بطيئة جدا، حتى أن كارثة بحجم الغزو العراقي عام 1990 لم تحدث تغييرا جوهريا في الإدارة السياسية للبلاد، بل عادت الأمور كما كانت عليه من قبل واستمر الحال إلى يومنا الحاضر.

وما ينبغي الالتفات إليه أن التجديد يعد مدخلا أساسيا لترسيخ الحكم الصالح، وتوفير الشرعية الشعبية للنظام السياسي، لذا فإن تباطؤ وتيرة التغيير ينعكس سلبا على النظام ومقبوليته.

النقطة الثانية جمود التيارات السياسية: على الرغم من ريادة التيارات السياسية الكويتية في العمل المنظم على مستوى الساحة الخليجية وربما العربية، إلا أن جميع التيارات السياسية ظلت على مستواها الذي انطلقت منه ولم يطرأ تجديد جوهري على أفكارها ولا على أنظمتها الإدارية، ولا حتى على رموزها وممثليها.

خذ على سبيل المثال أن أغلب التيارات لا تجري داخلها انتخابات لمجالس إداراتها، أو تجري بصورة صورية وبعيدا عن الرقابة، وتوارث الأجيال يكاد يكون معدوما إلا ما ندر.

هذا الجمود عند التيارات لا يعطل فرص التجديد السياسي في المجتمع فحسب، وإنما ينعكس سلبا على مصداقية أفكارها السياسية، إذ لا يمكن أن تستجيب الحكومة لدعوة التجديد من تيارات عصية على التجديد، ولن تنجح مساعي الإصلاح إذا انطلقت من حناجر ترفض الإصلاح إذا مسّها، ولن يكون لدعوات التغيير صدى إذا انطلقت من توجهات جامدة ومحنطة.

ثالث النقاط هي فكر التجديد: رغم كثرة تداول شعارات التجديد إلا أن الساحة تعاني من قلة المنظرين للتجديد، وأفكار التجديد والتغيير لا تزال مطالبات شعبية لم يتم إدخالها في معامل الفكر والتنظير، ولعل أبرز إشارات ذلك هو عدم وجود أيّ إصدارات أو منشورات فكرية تعالج الشأن الفكري والسياسي بعمق، أو تحاول أن تقدم نظريات وأفكارا جديدة للحالة السياسية أو تقديم خارطة بناء للوطن، بل الأغلب الأعم من تيارات وشخصيات تتركز جهودها في كتابة المقالات اليومية والتغريدات السريعة والتصريحات الصحافية والشو الإعلامي، وهي كلها أدوات لا تسعف في صناعة الوعي أو تجديد الفكر.

رابع النقاط وآخرها، تجديد دون مجدد: تداول أفكار التجديد في الشارع السياسي لا يمكن أن يؤتي ثماره في ظل غياب الشخصيات المجددة، من أولئك الذين يحملون فكر التجديد ويبشّرون به، ومن الواضح أن مثل هذه الشخصيات عددها ضئيل وغير مرحّب به كثيرا، بوصفها شخصيات نظرية وتحمل أفكارا مثالية غير قابلة للتطبيق.

ومن المعلوم أن نجاح الأفكار والنظريات التجديدية يتطلب وجود حامل لها ويفهم تفاصيلها وقادر على صياغتها وتنفيذها كبرنامج عمل على الأرض، أي تحويل الأفكار إلى مشاريع.

من وجهة نظر ثقافية، أجد أن أكبر مشكلة تواجه مشروع التجديد في الكويت أنه يسير في اتجاه ترميم الواقع، وإجراء إصلاحات جزئية، فكل الأطروحات الانتخابية والبرامج الحكومية تركز على ترميم الواقع وترقيعه، من قبيل المطالبة بتغيير نائب وتبديل وزير وخلع رئيس وزراء، أو المطالبة بإصلاح إسفلت الشوارع، أو افتتاح جسر جديد، أو إحالة القياديين للتقاعد أو تعيين وكلاء جدد. ويفخر أصحاب هذه المطالب بها بوصفها إنجازا نوعيا لم يتحقق من قبل.

 بينما التجديد الذي أراه هو أن يطال التغيير الواقع بالكامل؛ تغيير المشهد السياسي والاقتصادي وتقديم رؤية لوطن جديد ينقل البلد عقودا إلى الأمام وينتشله من عقود التخلف التي عاشها.

التجديد لا يمكن أن تتحرك عجلته من النظرية إلى الواقع إلا إذا سار القطار على سكك حديدية صالحة وواضحة المعالم؛ أي الانتقال إلى موقع جديد زمنيا مختلف كليا عن الموقع الزمني الذي تقف عليه الآن.

موقع يعاد فيه التأسيس لمفهوم الدولة والوطن، والعمل السياسي والمشاركة الشعبية وعمل وقوة مؤسسات المجتمع المدني، وتحررها من هيمنة القوانين المقيدة للحريات.

تجديد يعاد فيه بناء الدولة كبنية أساسية وفقا لمقتضيات المدن الحديثة والتكنولوجيا المتطورة، وتحقيق التوازن في الكثافة السكانية وفقا للإمكانات والموارد الموجودة، بحيث يمكن استيعاب التدفق البشري في مشروع النهضة لا أن يكون عبئا عليه.

ومن جهة أخرى، يقصد بالتجديد السعي لإيجاد مفهوم عصري مرن للوظائف، وحل مشكلة التباين الحاد في سلّم الرواتب، وتقييم المنح والعطاءات المالية وفقا للأداء لا المسميات، وإلغاء الوظائف التقليدية التي تعطل مصالح المواطنين، وتوفير وظائف حديثة مستحقة تكون رافعة للوطن.

بمعنى آخر إن ما نطمح إليه من تجديد يتجاوز بمراحل فكرة ترميم الأخطاء وترقيع العيوب، وإنما المطلوب إعادة الاعتبار للدولة في عين مواطنيها، إذ من المعيب على رجال دولة تضع يدها على أحد أكبر الثروات في العالم منذ الخمسينات والستينات أن يتركوها تظل واقفة مكانك سر عند العام 1962.