سمير عادل يكتب لـ(اليوم الثامن):

ما وراء "مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي (4-4)

لقد ذكرنا الأسباب الخفية وراء إصدار قانون "مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي"، وذكرنا أيضا أنه جزء من رزمة متكاملة من القرارات والقوانين والسلوك للطبقة الحاكمة من أجل ترسيخ سلطة استبدادية قروسطية، دشنتها منذ أكثر من عام.

وقد تزامن صدور القانون المذكور، مع اغتيال السيدة المعروفة باسم (أم فهد)، الناشطة على شبكات التواصل الاجتماعي، واللغط الذي دار حول اغتيالها.

في هذا القسم سنشرح البعد الاجتماعي للقانون المذكور والمنطق الاجتماعي الذي يكمن ورائه، وهو نفس المنطق وبنفس آليات اغتيال السيدة (أم فهد) والإسقاطات الاجتماعية التي كانت تريد أن ترسلها بنفس منهجية الجهات التي كانت وراء تشريع قانون "مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي" في البرلمان العراقي.

إنَّ العقلية والمنطق الذي يحرك القوى والأحزاب الإسلامية سواء كانت في السلطة أو في المعارضة، هي نفس العقلية والمنطق الذي كانت تتبناه الكنيسة في محاربتها للعلم والمنطق العلمي. وهي نفس المنهجية ــ التي شنت بموجبها الحرب على كوبرنيكوس وغاليليو، لنفي ما ذهبا إليه بأنَّ الأرض كروية وأنها ليست مركز الكون ــ تتكرر اليوم في العراق، ولكن بزي وأبطال وشخصيات مختلفة. وكما قال ماركس إنَّ التاريخ يعيد نفسه مرتين، الأول بشكل تراجيدي، والثاني بشكل كوميدي. وبالفعل يتكرر التاريخ على الساحة الاجتماعية والسياسية العراقية بشكل كوميدي مع مسحة سوداوية.

يقول لنا العلم، أنَّ المثلية ليست خيار أخلاقي ولا خيار اجتماعي ولا خيار سياسي، أي بمعنى آخر، المثلية ليست خيار الإنسان وإنما هي خارج عن إرادته، مثلما يولد الإنسان بلونه وجلده، يولد معه الميل الجنسي. وبغض النظر هناك العديد من الجهلة وشهاداتهم العلمية والأكاديمية مزورة سواء هم مستشارين في أروقة الحكومة وكواليسها أم هم أعضاء في البرلمان، إلا أنَّ تبني تشريع قانون "مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي" ابعد من فقرهم العلمي، أي السعي لفرض مثل هذا القانون، هو سياسة جهنمية من اجل تصفية المخالفين السياسيين كما أوضحنا بالتفصيل في الأجزاء الثلاثة السابقة من الموضوع. ولا ندري كيف ستتصرف الحكومة العراقية، إذا مرر القانون بشكل رسمي، إزاء زيارة رئيس الوزراء ووزير الخارجية الفرنسيان الى العراق وهم مثليين ومتزوجين من بعضهما، فهل شرطة الآداب تعتقلهم في المطار، أم المصلحة الوطنية والقومية العليا للعراق تطبق فتوى عفا الله عما سلف، كما اقتضت المصلحة الوطنية في قتل المئات من المتظاهرين في ساحات الانتفاضة لأنهم طالبوا بوطن خالي من الظلم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ووطن يتمتع فيه الإنسان بقيمته الإنسانية.

أمّا على الصعيد الاجتماعي، فإنَّ هناك سياسة أخرى، وهي سياسة خلط الأوراق، والتعمية على الحقائق الاقتصادية والسياسية التي تحاول عبر اختلاق مثل هذه المواضيع وفرضها على المجتمع. وهي نفس السياسة البعثية التي شرعت بها بعد الانقلاب العسكري عام ١٩٦٨، عندما كان يحاول النظام البعثي ترسيخ سلطته، فتارة اختلق لنا قصة "أبو طبر" لبث الرعب في المجتمع، ومرة أخرى النفخ بهالة بطولات المصارع "عدنان القيسي"، ومرة اختلاق أزمة البيض أو الصحون أو أقداح الشاي والسكائر.. الخ. وكل تلك القصص المفبركة هي من أجل إشغال المجتمع العراقي، وفي ثنايا ذلك وخلف الكواليس، كانت الأجهزة الأمنية للبعث، تعتقل وتعذب وتدهس بالمركبات وتعدم المئات وتذوب المعارضين في أحواض الأسيد. وكان للشيوعيين خاصة واليساريين عامة حصة الأسد في دولاب البعث الدموية.

اليوم تحاول القوى والأحزاب الإسلامية إعادة سيناريو البعث بأكثر الأشكال قباحة وسماجة وسخفا، ومن هذه الزاوية علينا النظر أيضا إلى قصة اغتيال السيدة (أم فهد) وطريقة تصويرها في الطب العدلي، ونشر صورة الجثة وهي عارية على شبكات التواصل الاجتماعي. فبقدر ما يمثل ذاك جزء من سياسة إشغال المجتمع بقضايا ثانوية مثلما أشرنا، وتقوم بالتغطية والتعمية عن كل جرائم الفساد السياسي والمالي والإداري من قبل هذه الأحزاب والقوى السياسية التي فرضت سلطتها بحراب الغزو والاحتلال، بنفس القدر تعكس حالة الشذوذ الأخلاقي لهذه الطبقة الحاكمة. وما نقصده بالشذوذ الأخلاقي هنا، وهو مرحلة اعلى في الانحطاط الأخلاقي الذي يفرض على المجتمع العراقي على قدم وساق. فالأخلاق السائدة في المجتمع هي أخلاق الطبقة الحاكمة كما يخبرنا ماركس.

وببساطة يعني الشذوذ الأخلاقي هو مرحلة الوصول الى معاداة الماهية الإنسانية، والعمل بعكس كل النزعات الإنسانية، وخدش كل مرحلة الرقي التي وصلت إليها الإنسانية بعد أن غادرت الوحشية والبربرية، وتركت القرون الوسطى، ووصل بعض الناس الى مرحلة بلغوا فيها، ترك اكل لحوم الحيوانات الداجنة، لاتساع رقعة الرحمة والإنسانية داخل صفوف واسعة من البشرية، وتلغى في العديد من البلدان، أحكام بالإعدام، بعد أن كانت تلك البلدان تتبوأ مراكز في انتهاكات حقوق الإنسان.

 

إنَّ أبطال الحرب على "الشذوذ الجنسي" يتبنون منطق ومنهجية الشذوذ الأخلاقي، وهي منهجية لتفريغ المجتمع من كل المعايير الإنسانية، كي يتحول أي المجتمع الى عرش لهم لا يمكن لأحد مسه.

والأدهى من كل ذلك، وبدل من تعالي الصرخات ضد هذه الممارسات التي اقل ما توصف بالشائنة، نجد من يسطر لنا إحباطه، ويتهم الشعب العراقي والمجتمع العراقي بالانحطاط والدونية من قبل لفيف من يضعون انفسهم بخانة "المثقفين الثوريين"، أو "الرافضين" للواقع العراقي، وبدلاً من الوقوف في جبهة مناهضة لكل هذه السلوكيات والقرارات والقوانيين، والوقوف بكل جرأة بالدفاع عن هذه الفئات الضعيفة والمهمشة في المجتمع مثل المثليين والمتحولين الجنسيين وبائعات الجسد، نجدهم يضعون رؤوسهم بالوحل وليس الرمال، كي لا تنتكس رايتهم الثورية المكسورة. انهم دون أن يعوا، بأنَّ نشر إحباطهم ويأسهم بدلاً من مسك معول التغيير، فإنَّهم يخدمون الطبقة الحاكمة وسياستها المعادية حتى النخاع للإنسانية.

إنَّ الأحزاب الإسلامية وتحالف المليشيات، يدركون جيدا أنَّ المجتمع العراقي أمام منعطف سياسي خطير يهدد وجودهم وسلطتهم. فسواء أسدل الستار عن الجرائم التي اقترفوها بحق انتفاضة أكتوبر أو لم يسدل عليها، لكنهم يدركون أكثر من غيرهم أنَّه ما زال هناك كشف حساب أو فاتورة يجب دفعها. فكل القرارات والقوانين مثل (المحتوى الهابط ومسودة قانون حرية التعبير والحريات النقابية وأخيرا قانون محاربة البغاء والشذوذ الجنسي)، هي محاولات للانتقام من الانتفاضة، والحيلولة دون اندلاعها من جديد.

لقد خلقت الانتفاضة وعيا جديد في المجتمع، فهي قد مزقت صفحة الأيديولوجيات الطائفية ومنعت هذه الأحزاب والمليشيات من مد اليد الى المستنقع الطائفي وتحضير الأرواح الطائفية في المستقبل.

إنَّ الجيل الذي لم يولد ولم يكبر في عهد نظام صدام، فطم على جرائم الغزو واحتلال العراق وعلى كل جرائم الأحزاب الإسلامية، انه الجيل الذي خرج بصدور عارية تتحدى قناصة (المقاومة والممانعة) التي كانت تقتنص كل من مزق الشعارات الطائفية وكشف للعالم كم هي خاوية، وتركت مقراتها في القلاع التي كانت تحميها المخابرات الإيرانية، وسماها عادل عبد المهدي بالطرف الثالث.

إنَّ الوعي الجديد بالرغم من كل مساعي القوى الإسلامية، بات ينمو داخل المجتمع، وبالرغم من الآلام التي سببتها نهاية الانتفاضة، وهذا الوعي الجديد ترتعب منه الطبقة الحاكمة في العراق.