د. اشجان الفضلي تكتب لـ(اليوم الثامن):
جذور السعادة.. اكتشف جوانبك المضيئة
في ليلة رمضانية دافئة، اجتمع نخبة من الشخصيات الاجتماعية وشباب المبادرات في مقر شبكة المبادرات المجتمعية والشبابية، في رحلة بحث عن ينابيع السعادة. لم تكن الأمسية مجرد لقاء عابر، بل كانت استكشافًا عميقًا لما يضيء أرواحنا ويجعلنا نبض بالحياة. انطلاقًا من سؤال بسيط، "اكتب شيئًا واحدًا يجعلك سعيدًا"، انطلقت شرارة تفاعل مذهلة ، كشفت عن تنوع مصادر السعادة في قلوب الحاضرين. بين دفء العائلة، ونشوة الإنجاز في العمل المجتمعي، ومتعة الرياضة، ولذة اللحظات البسيطة، تجلت السعادة في أبهى صورها. هذه الأمسية، التي قادتها انا في 11 مارس 2025، لم تكن مجرد فعالية، بل كانت تذكيرًا بأن السعادة ليست وجهة، بل هي رحلة يومية نكتشف فيها جوانبنا المضيئة.
مفهوم السعادة في الفلسفة:
لطالما شغلت السعادة مكانة محورية في الفكر الفلسفي، حيث تباينت الآراء حول طبيعتها ومصادرها. فبينما يرى البعض أنها غاية أخلاقية سامية، يعتبرها آخرون ضربًا من ضروب الحظ. وفي الواقع، يتجلى هذا الترابط بين السعادة والحظ في العديد من اللغات الأوروبية.
أفلاطون: يرى أفلاطون أن السعادة الحقيقية تكمن في الحياة الفاضلة، أي في عيش حياة أخلاقية ملتزمة بالفضيلة، حتى وإن استلزم ذلك تحمل الألم. فمعيار السعادة عنده ليس اللذة، بل الفضيلة.
أرسطو: يوافق أرسطو أفلاطون على أن السعادة مرتبطة بالفضيلة، ولكنه يضيف شرطًا آخر، وهو توفر الحد الأدنى من الضروريات المادية والمعنوية، مثل المأكل والمشرب والمسكن والصحبة الصالحة. كما يرى أن الفضيلة هي الوسط الذهبي بين رذيلتين، مثل الكرم بين البخل والإسراف، والشجاعة بين الجبن والتهور، والتواضع بين الخنوع والكبر.
السعادة في الفكر الإسلامي:
انتقد فلاسفة الإسلام الآراء التي تربط السعادة بالأمور الحسية أو المؤقتة، مؤكدين على أن السعادة ليست وسيلة لغاية أخرى، بل هي غاية في ذاتها. ويرى الفارابي أن السعادة هي "من الخيرات أعظمها خيرًا، ومن بين المؤثرات آثر وأكمل من كل غاية سعى الإنسان نحوها".
خلال الأمسية، تم إجراء استبيان لقياس مستوى السعادة لدى المشاركين، وكشفت النتائج عن التوزيع التالي:
35% من المشاركين يتمتعون بمستوى سعادة مرتفع جدًا.
45% يتمتعون بمستوى سعادة جيدة.
20% يتمتعون بمستوى سعادة متوسط.
لم يسجل أي مشارك مستوى سعادة منخفضًا.
تشير هذه النتائج إلى أن غالبية المشاركين (80%) يتمتعون بمستوى سعادة جيد إلى مرتفع، ومع ذلك، هناك نسبة 20% تحتاج إلى دعم لتعزيز مستوى سعادتهم. ولمساعدة هؤلاء المشاركين على تنمية جوانبهم المضيئة، يمكننا ربط نتائج الاستبيان بفلسفة بعض الفلاسفة كما يلي:
أفلاطون والفضيلة:
يرى أفلاطون أن السعادة الحقيقية تكمن في الحياة الفاضلة. وبناءً على نتائج الاستبيان، يمكننا أن نستنتج أن المشاركين الذين يتمتعون بمستويات سعادة مرتفعة (الفئتان الأولى والثانية) يمارسون الفضائل في حياتهم اليومية. حيث أن 80% من المشاركين لديهم مستويات سعادة مرتفعة وجيدة وهذا يعكس تطبيقهم للفضيلة في حياتهم.
أرسطو والضروريات:
يؤكد أرسطو على أهمية توفر الضروريات المادية والمعنوية لتحقيق السعادة. ويمكن ربط ذلك بنتائج الاستبيان، حيث أن المشاركين ذوي المستوى المتوسط من السعادة (الفئة الثالثة) قد يعانون من نقص في هذه الضروريات.
الفارابي والسعادة المطلقة:
يرى الفارابي أن السعادة غاية في ذاتها، وليست وسيلة لغاية أخرى. ويتفق هذا مع النصائح التي تم تقديمها للمشاركين، والتي تدعو إلى ممارسة الأنشطة التي تجلب السعادة. ويمكننا أن نستنتج أن المشاركين الذين يطبقون هذه النصائح هم أكثر عرضة لتحقيق السعادة المطلقة.2. تطبيق الأفكار الفلسفية في الحياة اليومية:
ممارسة الفضائل:
يمكن للأشخاص تطبيق فكرة أفلاطون من خلال ممارسة الفضائل مثل الصدق والكرم والشجاعة في حياتهم اليومية.
توفير الضروريات:
يمكن للأشخاص تطبيق فكرة أرسطو من خلال العمل على توفير الضروريات المادية والمعنوية لأنفسهم وللآخرين.
السعي للسعادة المطلقة:
يمكن للأشخاص تطبيق فكرة الفارابي من خلال تخصيص وقت للأنشطة التي تجلب لهم السعادة، مثل الهوايات والرياضة وقضاء الوقت مع العائلة والأصدقاء.
اختتمت الأمسية فعالياتها بتقييمات إيجابية غامرة من المشاركين، حيث أجمعوا على روعة وفائدة الجلسة، وخاصةً جلسة الاسترخاء التي نالت استحسانًا كبيرًا وأضفت على الأجواء شعورًا عميقًا بالراحة النفسية. وفي ختام هذه الأمسية المضيئة، قدمت الدكتورة أشجان الفضلي مجموعة من التوصيات القيمة، مؤكدة على أهمية تحديد مجالات التحسين والعمل على تطويرها، وضرورة توفير برامج وورش عمل لتعزيز مهارات إدارة الضغوط وتحسين الصحة النفسية.
لقد كانت هذه الأمسية الرمضانية بمثابة رحلة استثنائية في أعماق الذات، كشفت لنا عن ينابيع السعادة الكامنة في أبسط تفاصيل حياتنا. إنها دعوة للتأمل في جوانبنا المضيئة، والسعي الدائم لتحقيق التوازن والسعادة في حياتنا. وكما أضاءت هذه الليلة دروبنا، نأمل أن تظل جذور السعادة متأصلة في قلوبنا، تنمو وتزهر في كل لحظة.