محمد أبوالفضل يكتب:
معتقلو تركيا ومصر: بين تهم الإرهاب والظلم
كشفت مظاهرات عارمة في تركيا عن ازدواجية بالغة في خطاب جماعة الإخوان، تعبر عن ألاعيب سياسية لا يتورعون عن القيام بها مهما بلغت إخفاقاتهم. ولا يستطيعون التنازل عنها حتى أصبحت جزءا من حياتهم، وأفقدتهم الحد الأدنى مما يمكن أن تتمتع به أي جماعة سياسية من مصداقية.
فقد وصفوا المؤيدين لعمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو والمحتجين على ممارسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأنهم حفنة من “الإرهابيين” والخارجين عن القانون، عقب ارتفاع أصواتهم لمواجهة إجراءات تعسفية اتُّخذت ضد زعيم معارض.
لم نجد صوتا إخوانيا يندد بإلقاء القبض على العشرات من المتظاهرين أو يلوم السلطات التركية المتعسفة بحق الرجل وأنصاره، مع أن الحدث كبير وجرت وقائعه على بعد أمتار من أماكن إقامة قادة وكوادر في إسطنبول وأنقرة ومدن تركية أخرى، جميعهم ينتمون للإخوان، واختفى الحدث تقريبا من على منصاتهم ووسائل الإعلام التابعة لهم والمتحالفة معهم، بينما إذا خرج أشخاص لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين في مصر تحولوا في الخطاب الإخواني إلى تظاهرة حاشدة.
وإذا احتج العشرات من العمال في مصنع على مديرهم بإحدى مدن دلتا مصر أصبحوا معترضين على نظام الحكم فيها وليس على تصرفات مديرهم، ويتم إضفاء طابع سياسي على الموقف ونسج قصص تشير إلى حجم الظلم الذي وقع على العمال، واختلاق حالة عاطفية تدين جهاز الشرطة الذي تتخيل الإخوان أنه انهال على هؤلاء العمال البسطاء ضربا، وفي الوقت الذي قدمت لنا فيه مواقع التواصل الاجتماعي صورا وفيديوهات لتجاوزات الشرطة في إسطنبول بحق متظاهرين مسالمين، أغمضت الجماعة جفونها، وكأنها لم تشاهد تجاوزا واحدا بأم عينيها.
الميليشيات الإلكترونية التابعة لجماعة الإخوان لم تتمكن من تجاهل قضية أكمل إمام أوغلو، وفسرتها بالشكل الذي يتواءم مع مصالح الرئيس أردوغان، وتبنت رؤيته كاملة في توجيه انتقادات نحو خصمه اللدود
وإذا تم اعتقال بعض الصحافيين في مصر لأسباب سياسية وجنائية مختلفة، باتوا من المظلومين والمقهورين من دون التفات إلى طبيعة الخطأ الحقيقي الذي ارتكبوه، وإذا حدثت انتهاكات بحق هؤلاء في تركيا يمر الأمر وكأن شيئا لم يكن، أو يتم تقديم صياغات تبريرية قد تصل إلى حد وصفهم بـ”حفنة من المجرمين المأجورين.”
بالطبع أرفض اعتقال أيّ صحافي بسبب رأي أبداه أو كلمة كتبها على صفحته الخاصة، طالما لا تخالف القوانين في مصر أو تركيا أو أيّ مكان في العالم، وهذا حديث آخر يستحق الوقوف عنده بالتفصيل، لكن يجب مراعاة أن الحكومة المصرية أفرجت عن الكثير من المعتقلين مؤخرا، وأن التضخيم الذي تمارسه جماعة الإخوان له أهداف سياسية مغرضة. جزء منه يرمي للضغط على النظام المصري، ومحاولة تشويه صورته أمام الرأي العام الدولي بأي شكل، وعبر طريقة انتقائية.
فكل ما يهم الجماعة هو المضي قدما في الدفاع عن أنصارها والجهات الداعمة لها، وعدم الالتفات إلى ما ترتكبه هي أو أيّ جهة تدور في فلكها من تجاوزات. فقد كشف التعامل مع الاحتجاجات في تركيا وآليات المحاكمة التي نصبت لعمدة إسطنبول عن سقوط ذريع للجماعة التي قدمت نفسها كمدافعة عن المقهورين، وارتدت جلباب المظلومية منذ سنوات طويلة ولا تزال تعيش فيه، وتناست أن هناك مواقف عديدة كشفت متاجرتها، وتحول الظلم الواقع على غيرها إلى افتراء، وتولت قلب الحقائق التي لا تتناسب مع أهدافها وقدمت سرديات حسب الطلب. وترى عدم السماح بالتظاهرات خارج القانون ظلما بالغا في مصر، وفي تركيا تطبيق لروح القانون.
أكدت قضية عمدة إسطنبول عمق الفجوة في الخطاب السياسي الذي تتبناه الجماعة وعدم الاستعداد للمراجعة، فهي لم تستطع أن تنطق بكلمة واحدة تحفظ ماء وجهها وتعترف مباشرة أن ما يجري مع الرجل لا يتناسب مع قواعد الحريات التي تتشدق بها ولا يتسق مع مبادئ الديمقراطية التي انتخب بموجبها أو المنطق في دولة يروّج لها قيادات الإخوان على أنها نموذج في الحفاظ على الحقوق الإنسانية لمواطنيها وأنها توفر لهم دوما حماية سياسية ولا تمانع من تنظيم احتجاجات في ميادينها.
ولو جرى خرق أيّ من هذه المحددات في مصر، كانت الجماعة أقامت سرادق عزاء كبير في أحد ميادين إسطنبول، وتولت وسائل إعلامها تضخيم ما يمكن أن تعتبره فضيحة إنسانية في القاهرة، وناشدت منظمات حقوقية دولية للتدخل والضغط على السلطات المصرية. كل ذلك غاب في حالة تركيا، وحدث ما هو أخطر من الصمت، حيث لا تزال أبواق جماعة الإخوان لم تستوعب صدمة عمدة إسطنبول وما يمثله من تهديد سياسي لهم في المستقبل، وربما يخرج أحدهم ممن يقيمون خارج تركيا بتوجيه انتقادات خفيفة ذرا للرماد في العيون.
التضخيم الذي تمارسه جماعة الإخوان في مصر له أهداف سياسية مغرضة ويرمي للضغط على النظام المصري ومحاولة تشويه صورته أمام الرأي العام الدولي بأي شكل وعبر طريق انتقائية
تثبت حركة الإخوان كل يوم حجم التناقضات التي تعتمل داخلها، وحوّلتها إلى ما يشبه شبحا سياسيا خسر رهاناته، وفقد البوصلة التي يمكن أن توجهه إلى الطريق الصحيح، وترى الجماعة كل حدث لا يتسق مع مصالحها خطأ، ومعايير الخطأ عندها شخصية ومزاجية ومتقلبة بامتياز، فعندما يقع خطأ في تركيا يتم تبريره أو تجاهله أو تقزيمه، وعندما يقع في مصر يتم تفسيره على أنه مؤامرة مكتملة الأركان وتسليط الضوء عليه وتضخيمه بما يحوله إلى قضية أخلاقية.
كم مرة ركزت جماعة الإخوان على موقف مصر من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ونالت منه، وكم مرة جاءت روايتها متسقة مع أهداف إسرائيل، وكم مرة تحدثت عن موقف تركيا من هذه الحرب، وكم مرة تجاهلت الدور المصري الداعم للقضية الفلسطينية عموما، وكم مرة جاءت على ذكر المساعدات المادية التي قدمتها تركيا لإسرائيل في خضم هذه الحرب؟
لست في حاجة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، لأنها جلية ولم تعد خافية على الكثيرين ممن يتابعون سلوك جماعة الإخوان ويعرفون خباياها وقدرتها العجيبة على خلط الأوراق، وارتفاع مستوى انتهازية قادتها السياسية التي عمدتهم عن التفرقة بين الإرهابيين والمظلومين، والتظاهرات السياسية والعمالية، حيث وضعتهم دائما في سلة واحدة، وتقوم بالتفرقة وفقا لحساباتها الضيقة التي تتغافل أن تعدد وسائل الإعلام جعلت من الصعوبة التحكم فيها وإخفاء ما يجري في الشوارع عن كاميرات منصات التواصل الاجتماعي النشطة.
لذلك لم تتمكن الميليشيات الإلكترونية التابعة لجماعة الإخوان من تجاهل قضية أكمل إمام أوغلو، وفسرتها بالشكل الذي يتواءم مع مصالح الرئيس أردوغان، وتبنت رؤيته كاملة في توجيه انتقادات نحو خصمه اللدود، وكالت الاتهامات له على تصرفات لم يرتكبها، وامتدحت تسييس القضاء في تركيا بينما صدّعت المصريين بالتقليل من أهمية قضائهم والتشكيك في أحكامه، بغرض تبرئة عدد كبير من قادتها وكوادرها وأنصارها ممن صدرت في حقهم أحكام مشددة بالسجن خلال السنوات الماضية.