محمد أبوالفضل يكتب:
تشويش متعدد الوجهات: تعقيدات القضية الفلسطينية
تواجه القضية الفلسطينية تشويشا متعدد الاتجاهات السياسية والأمنية، فبعد أن هدأت عاصفة تهجير سكان قطاع غزة إلى مصر والأردن، طفا على السطح اقتراح أميركي – إسرائيلي خبيث بترحيلهم إلى السودان أو الصومال أو إقليم أرض الصومال شبه الانفصالي، ولا يعني ما رشح من ردود رافضة من الجهات الثلاث أن الملف أغلق، فبعد أن أوحى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدم طلب مغادرة سكان غزة، سرت تكهنات بأنه قصد عدم خروجهم قسريا، لكنه لن يمانع في خروجهم طوعيا.
ودخلت القضية الفلسطينية منعطفات كثيرة على مدار العقود الماضية، وفي جميع مراحلها شهدت تجاذبات ولغطا وتباينا في الرؤى من جانب الفلسطينيين والعرب والإسرائيليين والأميركيين، كان من الممكن مناقشته والحوار حوله، بسبب وجود حد أدني من الثوابت في الأدبيات التي تم تداولها.
وبعد عملية طوفان الأقصى والحرب المدمرة على غزة، شهد الوضع تطورات غير مسبوقة في زاوية التخلي عن أي قواعد جرى التفاهم عليها أو حولها، من قبيل التمسك بالشرعية والدولية، والسعي نحو تدشين حل الدولتين كطريق للتفاوض، والحديث عن شكل السلام المقترح، والحد المطلوب أو المرغوب من كل طرف. الآن قفز الأمر إلى مستويات بعيدة عن المنطق كي يتم إعدام القضية الفلسطينية والتخلص من أصحابها.
قدمت مصر من خلال خطتها لإعادة إعمار غزة طرحا شاملا للقضية يتجاوز حدود القطاع، وحصلت على دعم كبير من القادة في القمة العربية الطارئة بالقاهرة، وتخيل الكثير من المراقبين تجاوز العراقيل الرئيسية التي وضعها مقترح ترامب بشأن التوطين عندما تراجع وقال إنه مجرد توصية، لكن ما يعلمه هؤلاء المراقبون أن إسرائيل بنت تصوراتها على المقترح الأول لترامب ، وتعمل منذ الإعلان عنه على تنفيذه عبر إجراءات محددة، مصحوبة بإغراءات وحوافز، دون أن تتوقف عن إرهاق حركة حماس التي تتفاوض معها عبر الوسيطين المصري والقطري في تفاصيل دقيقة، كلما تم تجاوز إحداها ظهرت أخرى. يضاف إليها الحوار الأميركي المباشر مع حماس، والذي تواصل سرا لعدة أسابيع ثم توقف بعد أن بنت عليه الحركة بيوتا من رمال.
من الخلافات الطويلة حول صفقة تبادل الأسرى إلى التوقيع عليها في يناير الماضي جرت مياه كثيفة بينهما، زاد تدفقها مع انتهاء المرحلة الأولى منها وغياب الدخول مباشرة في المرحلة الثانية ثم الثالثة، واخترعت إسرائيل خطة جديدة تنسف ما قبلها وتهيئ الأجواء لوضع خطة بديلة، أعلن عن محتواها المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في الدوحة الأربعاء الماضي، ويدور حولها جدل الآن، فقد وضعت إسرائيل وحماس جملة من الخطوط الحمراء حول الخطة الجديدة، يحتاج تجاوزها إلى مفاوضات ومناورات ومساومات، وتهديدات أميركية موجهة للحركة الفلسطينية.
التكتيك الإسرائيلي يعتمد على الاستغراق في التفاصيل مع وضع عناوين وبنود يشوبها قدر عال من الإبهام، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكّن تل أبيب من تقديم تفسيرات خاصة بها وتتناسب مع أهدافها
يعتمد التكتيك الإسرائيلي على الاستغراق في التفاصيل مع وضع عناوين وبنود يشوبها قدر عال من الإبهام، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تمكّن تل أبيب من تقديم تفسيرات خاصة بها وتتناسب مع أهدافها، ونقلت هذا التكتيك إلى الإدارة الأميركية، التي تقدم مقترحات وأفكارا ورؤى ثم تتراجع عنها، منها ما تبنته وتفاخرت به ويتعلق بصفقة تبادل الأسرى بمراحلها الثلاث التي اعتبرها ترامب نفسه إنجازا لإدارته قبل أن تطأ قدماه البيت الأبيض إلى أن انقلب عليها وقام مبعوثه الشخصي ستيف ويتكوف بتقديم خطة جديدة غامضة، تتطلب مفاوضات مضنية، وأخذ ورد، وتحذيرات وتهديدات، تفسيرات تنسف ما جرى التفاهم حوله الفترة الماضية.
يرمي الحديث عن مكان يؤوي سكان غزة بعيدا عن أرضهم إلى العودة لأصل مقترح ترامب، ويؤكد أن الفكرة لم تغب عن ذهن من أطلقها، ولن يتوقف عن إيجاد بديل عن مصر والأردن قد يكون مريحا أكثر منهما، وإن كان متعبا ومرهقا فهو لا يلغي المبدأ أو القناعة التي ينطلق منها، وهي لا جود للفلسطينيين على أرضهم، وأن إسرائيل لن تقبل بالمساحة الجغرافية الحالية التي يراها الرئيس ترامب محدودة، ما يفسر صمته أو موافقته على توغل قوات الاحتلال كثيرا في الضفة الغربية ولبنان وسوريا.
تريد إسرائيل شغل الدول العربية المعنية بالقضية الفلسطينية ومحاولة صرف أنظارها عنها بطرح قضايا فرعية، كي لا يستطيع العرب ملاحقة إجراءاتها، ولدى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قدرة عالية على إرهاق خصومه وجرهم إلى قضايا جديدة كلما باتت القضية التي يتفاوض عليها قريبة من نقطة النهاية، ما يحتاج إلى صبر وخبرة وحنكة في التعامل معه، لأن منهج التشويش الذي يمارسه يمثل ضغطا معنويا كبيرا، في وقت تتقلص فيه درجة الاهتمام السياسي بغزة، وتتراجع فيه نسبة التعاطف الإنساني مع سكانها في خضم التطورات الإقليمية المتلاحقة.
اختراع طريق ثالث، أو دولة تقبل تهجير شريحة من الفلسطينيين إليها يذكرنا بما حدث مع اليهود أنفسهم قبل أكثر من قرن، عندما ضجت بهم أوروبا وبحثت لهم عن وطن بديل يؤويهم في أفريقيا، ولأسباب عديدة استقروا في فلسطين، وتوسعوا وانتشروا وتغوّلوا فيها إلى الدرجة التي طردوا منها السكان الأصليين، ولن تقبل أيّ دولة عربية أو غير عربية باستضافة كتلة بشرية بهذه الطريقة خوفا من أن تمثل تهديدا عليها في المستقبل، ورفضا للمشاركة في خطة تريد اقتلاع الفلسطينيين من جذورهم.
إذا كان الرئيس ترامب يتعاطف مع سكان غزة عليه محاسبة من تسبب في معاناتهم الحالية، وبدلا من أن يقوم بالنيل من الجلاد (إسرائيل) ينهمر على الضحية بالنفي. وإذا كانت المعلومات التي وصلت إليه بناء على استطلاع رأي أجرى على سكان غزة قبل عملية طوفان الأقصى وقال إن نحو ثلثهم يريدون مغادرة القطاع، فهناك أكثر من مغالطة في هذه المسألة، منها أن رحيلهم نتيجة عذابات الاحتلال الإسرائيلي الذي يحاصرهم برا وبحرا وجوا أكثر منه رفضا لحكم حماس، وعندما يتوارى التضييق والخناق والحصار لن يغادروا وطنهم، والذي تمسكوا به بعد نحو 15 شهرا من القتل في صفوفهم وتدمير مظاهر الحياة كافة في غزة.
النقطة المهمة الأخرى، أن من استطلع رأيهم ووافقوا على المغادرة، غالبيتهم اختاروا الهجرة إلى الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وبريطانيا، ولم يختاروا مصر والأردن والسودان والصومال وأرض الصومال، بمعنى أنهم يريدون حياة مريحة تماما إذا قرروا ترك أرضهم وهي دلالة بقدر ما توحي بالرغبة في الهجرة، لكن مضمونها الحقيقي ينطوي على تمسك بالأرض – الوطن، لأن حلم الهجرة إلى دول غربية يكاد يتلاشى، مع الحملات التي تشن ضد المهاجرين، ولو جاؤوا بصفة شرعية.
لن يستطيع الفلسطينيون صد التشويش الذي يمارس عليهم من اتجاهات مختلفة ومنعه إلا بوقف الانقسامات في صفوفهم التي أصبحت النافذة التي تدخل منها إسرائيل، والحجة التي تستخدمها كثيرا لتبرير تصوراتها السلبية. وقد وضعت الخطة المصرية – العربية نواة من أجل تقويض التشويش وتصويب المسارات، ينقصها الحصول على توافق وتفاهم فلسطيني عام يسد الثغرات التي تتسلل منها إسرائيل.