د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):

الردع السياسي العلني: حين يتحوّل دعم المتظاهرين إلى كابوس استراتيجي للملالي

تمهيد: التهديد الذي تجاوز الدبلوماسية

لم يكن تهديد رئيس الولايات المتحدة بالتدخل إذا أقدم النظام الإيراني على إطلاق النار على المتظاهرين السلميين مجرد تصريح عابر في سياق توتر مزمن، بل شكّل تحوّلًا نوعيًا في معادلة الردع السياسي تجاه طهران. فهذه المرة، لم يُصغ التهديد بلغة دبلوماسية مبهمة، بل جاء مباشرًا، علنيًا، ومشروطًا بسلوك النظام تجاه شعبه، وهو ما جعل صداه يتجاوز القاعات المغلقة ليصل إلى الشارع الإيراني وأروقة الحكم في آن واحد.

أولًا: دلالة التهديد في ميزان السياسة الدولية

يكتسب هذا التهديد أهميته من كونه يعيد تعريف مفهوم السيادة حين تُستخدم ذريعة لارتكاب القتل الجماعي. فالرسالة الأساسية لم تكن موجهة فقط إلى الأجهزة القمعية، بل إلى بنية النظام نفسها:  استخدام الرصاص ضد الاحتجاج السلمي لم يعد شأنًا داخليًا محميًا بالصمت الدولي.  هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن استقرار المنطقة لا يمكن فصله عن سلوك النظام تجاه شعبه، وأن سياسة المهادنة لم تُنتج سوى مزيد من العنف والفوضى.

ثانيًا: الارتباك داخل بنية نظام الملالي

أصاب التهديد الأمريكي النظام الإيراني في نقطة ضعفه الجوهرية:  الشرعية المهترئة.  فالنظام الذي اعتاد القمع دون ثمن دولي وجد نفسه فجأة أمام معادلة جديدة، حيث بات إطلاق النار خيارًا عالي الكلفة.  هذا الارتباك انعكس في التخبط الإعلامي، والتناقض في تصريحات المسؤولين، ومحاولات امتصاص الغضب عبر أدوات أمنية أقل علنية. لقد اهتزت صورة النظام كسلطة قادرة على القمع بلا محاسبة، وتزعزعت ثقة أجهزته بقدرتها على المضي في العنف دون تداعيات.

ثالثًا: الأثر النفسي والسياسي على المواطنين

على الضفة الأخرى، شكّل التهديد دفعة معنوية كبيرة للمواطنين الإيرانيين. فالإحساس بأن العالم يراقب، وأن هناك خطوطًا حمراء باتت معلنة، عزّز منسوب الجرأة والصمود في الشارع. لم يعد المتظاهر يشعر بالعزلة المطلقة التي سعى النظام إلى تكريسها، بل برز وعي جديد بأن الدم الإيراني لم يعد رخيصًا في الحسابات الدولية كما كان في السابق.

رابعًا: منظمة مجاهدي خلق ووحدات المقاومة في قلب التحوّل

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور المحوري لـ منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، التي نجحت عبر عقود من العمل السياسي والتنظيمي في كسر احتكار النظام للرواية.  لقد شكّلت وحدات المقاومة العمود الفقري لحالة الاستمرارية في الاحتجاج، وربطت بين الغضب الشعبي والتنظيم الواعي. التهديد الأمريكي، وإن لم يكن ثمرة مباشرة لجهد واحد، إلا أنه يعكس نجاح المعارضة المنظمة في نقل القضية الإيرانية من الهامش إلى صدارة الاهتمام الدولي.

خامسًا: من الردع العسكري إلى الردع المعنوي

الأهم في هذا التهديد أنه لم يُطرح كإعلان حرب، بل كأداة ردع معنوي وسياسي.  فالرسالة كانت واضحة: أي تصعيد دموي سيقابل بتدويل للأزمة، وهو ما يخشاه النظام أكثر من أي مواجهة عسكرية، لأن التدويل يعني سقوط آخر أوراق الحصانة التي احتمى بها لعقود.

الخاتمة: شرخ في جدار الخوف

إن التهديد بالتدخل الأمريكي، لتقديم الدعم الصريح للمتظاهرين، لم يسقط النظام، لكنه أحدث شرخًا عميقًا في جدار الخوف.  لقد أعاد رسم حدود الممكن، ووجّه ضربة نفسية لبنية القمع، ورفع منسوب الثقة لدى المواطنين وقوى المقاومة. ومع تراكم هذا النوع من التحولات السياسية والنفسية، لم يعد السؤال المطروح في مراكز القرار الإقليمي والدولي يدور حول إمكانية سقوط نظام الملالي، بقدر ما بات ينصبّ على المدى الزمني المتبقي لقدرة هذا النظام على الصمود.  فالمعادلة القائمة اليوم تجمع بين شعب بات أكثر تنظيمًا وجرأة، ومعارضة تمتلك رؤية واضحة وبنية نضالية متجذّرة، وبيئة دولية أخذت تدريجيًا تتخلّى عن سياسة الصمت والتغاضي التي وفّرت للنظام هامشًا واسعًا للإفلات من المحاسبة. وفي ظل هذا التداخل المتصاعد بين الضغط الداخلي والتآكل الخارجي للشرعية، يتحوّل استمرار النظام من واقع مفروض إلى رهان هشّ على الزمن، تتناقص فرص نجاحه مع كل موجة احتجاج، وكل كسر جديد لحاجز الخوف، وكل خطوة إضافية نحو تدويل معاناة الشعب الإيراني.