د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):
الوظيفة السياسية للمعارضة الوهمية: قراءة غربية في دور رضا بهلوي
في تحليل سياسي لافت، تطرح صحيفة "لا فيريتا" الإيطالية قراءة غير تقليدية لدور رضا بهلوي في المشهد الإيراني، معتبرة أنه لا يمثّل تهديداً حقيقياً لنظام الملالي، بل يؤدي – بوعي أو بدونه – وظيفة سياسية تصب في مصلحة بقائه. هذا التوصيف لا ينطلق من موقف أيديولوجي، بل من تحليل واقعي لوظيفة الأدوار السياسية في لحظات التحول الثوري، حيث لا يكون الخطر دائماً في غياب البديل، بل أحياناً في وجود بديل زائف.
"سنوات ضوئية" عن الداخل: فجوة الواقع والشرعية
تشير الصحيفة إلى التناقض الصارخ بين الواقع الاجتماعي والسياسي داخل إيران، وحياة الرفاه التي يعيشها ابن الشاه المخلوع في العواصم الغربية. فبينما يدفع الشباب الإيراني ثمناً باهظاً من الدم والاعتقال والتعذيب، يعيش رضا بهلوي بعيداً عن الداخل منذ أكثر من أربعة عقود، معتمداً على إرث مالي ضخم قُدِّر بنحو 30 مليار دولار.
هذه الفجوة ليست رمزية فحسب، بل سياسية بامتياز؛ إذ تؤكد "لا فيريتا" أن بهلوي يفتقر لأي بنية تنظيمية داخل البلاد، ولا يمتلك شبكات سرية أو قواعد اجتماعية فاعلة، ما يجعل حضوره محصوراً في الظهور الإعلامي والبيانات الصادرة من الخارج، دون امتداد حقيقي في الشارع.
الشرعية الثورية وامتحان انتفاضة 2022
تتوقف الصحيفة مطولاً عند انتفاضة 2022 باعتبارها لحظة كاشفة للوعي الشعبي. فالهتاف الذي دوّى في المدن الإيرانية: "الموت للديكتاتور، سواء كان الشاه أو خامنئي"، لم يكن شعاراً عاطفياً، بل إعلاناً سياسياً حاسماً.
هذا الشعار، بحسب التحليل، نسف الرهان على عودة الملكية، وعبّر عن قطيعة تاريخية مزدوجة مع استبداد العمامة واستبداد التاج. ومن هنا، ترى الصحيفة أن رضا بهلوي فشل في قراءة التحول الجذري في وعي الأجيال الجديدة، التي لم تعد تبحث عن "رمز من الماضي"، بل عن نظام جمهوري ديمقراطي.
مناطق رمادية: تبييض الماضي ومغازلة القمع
تسلّط «لا فيريتا» الضوء على نقاط مثيرة للريبة في خطاب وتحركات بهلوي:
- العلاقة مع الحرس الثوري: إقراره بوجود اتصالات مع عناصر من "الحرس" ودعوته لدمجهم في المرحلة الانتقالية، وهو ما يُنظر إليه شعبياً كـ تجاهل لدماء الضحايا ومحاولة لإعادة تدوير أدوات القمع.
- تلميع جهاز السافاك: محاولات محيطِه إعادة تقديم جهاز "السافاك" بوصفه جهاز "أمن واستقرار"، والاحتفاء بشخصيات مثل برويز ثابتي، بما يعيد إلى الذاكرة الجماعية صور التعذيب والاختفاء القسري.
هذه المقاربات، وفق الصحيفة، لا تمثل مجرد أخطاء خطابية، بل تكشف عن رؤية سلطوية كامنة تتناقض مع مطالب الثورة.
السؤال الجوهري: من المستفيد؟
تختم "لا فيريتا" تحليلها بسؤال مركزي في علم السياسة: من المستفيد من هذا الدور؟
الإجابة واضحة: نظام الملالي. فوجود رضا بهلوي على المشهد يسمح للنظام بتسويق معادلة زائفة: إما بقاء الجمهورية الإسلامية، أو العودة إلى ديكتاتورية الشاه. بهذه الثنائية المصطنعة، يقدّم النظام نفسه كـ "الشرّ الأقل"، ويخيف شرائح من المجتمع ومن الرأي العام الدولي من سيناريو الفوضى أو الانتكاس التاريخي.
خلاصة استراتيجية: إسقاط الثنائية وبناء البديل الحقيقي
تخلص الصحيفة إلى أن رضا بهلوي، في نهاية المطاف، يلعب دوراً هامشياً لكنه وظيفي في استراتيجية بقاء النظام، عبر تشتيت الانتباه عن البديل الحقيقي الذي يتبلور داخل المجتمع الإيراني: جمهورية ديمقراطية، قائمة على فصل الدين عن الدولة، وسيادة القانون، والمساءلة.
لقد أثبت الشعب الإيراني، كما تؤكد "لا فيريتا"، أنه لا يقاتل لاستبدال طاغية بآخر، بل لإنهاء منطق الوراثة والاستبداد معاً. وفي هذا السياق، فإن أخطر ما يواجه أي ثورة ليس القمع وحده، بل البدائل الزائفة التي تُبقي النظام قائماً تحت مسميات مختلفة.
د. سامي خاطر أكاديمي وأستاذ جامعي


