د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):

لحظة إيران المفصلية: صراع البدائل بين التنظيم الحقيقي والضجيج الإعلامي

تقف إيران اليوم عند عتبة تحوّل استراتيجي تتقاطع فيه أزمات الشرعية الداخلية مع ضغوط العزلة الخارجية، في لحظة تتآكل فيها مقومات بقاء نظام الملالي سياسياً واقتصادياً. في هذا السياق، تتكثف المنافسة على تمثيل "البديل". غير أن هذه المنافسة لا تُقاس بحجم الضجيج الإعلامي، بل بعمق القواعد التنظيمية، ووضوح البرنامج السياسي، والقدرة على بناء تحالفات داخلية مستدامة. التحليل الذي نشره موقع يوراسيا ريفيو  للدكتور مجيد رفيع زاده يضع ظاهرة رضا بهلوي تحت مجهر نقدي صارم، معتبراً أن ما جرى في ميونيخ لم يكن أكثر من محاولة لإنتاج شرعية مصطنعة في فراغ سياسي.

فضيحة الأرقام: هندسة الوهم الجماهيري

أحد أكثر عناصر المشهد إثارة للجدل تمثّل في ما وُصف بـ "مسرحية ميونيخ". إذ روّج أنصار رضا بهلوي لرواية تفيد بحضور 250 ألف شخص، في محاولة لتسويق الحدث بوصفه تفويضاً شعبياً عارماً. غير أن التحليل البصري للصور الجوية، وشهادات مراقبين مستقلين، قدّرت العدد بين 20  إلى 30 ألفاً فقط. الفارق هنا ليس رقمياً فحسب، بل سياسياً وأخلاقياً.  فالتضخيم المتعمد للأرقام لا يعكس خطأً في التقدير، بل يعكس استراتيجية تقوم على "صناعة الإدراك" بديلاً عن صناعة الواقع. في سياق صراع على تمثيل شعب يرزح تحت القمع، يصبح تزييف الحجم الجماهيري أداة لتسويق مشروع يفتقر إلى الجذور المؤسسية داخل إيران.

التهرّب من التاريخ: عبء السافاك غير المُعالَج

يُظهر تحليل رفيع زاده أن رضا بهلوي فشل في التعامل مع الإرث السياسي لوالده، الذي ارتبط بجهاز السافاك وبنمط حكم اتسم بالقمع والفساد البنيوي. أي مشروع يسعى لاستعادة الثقة الشعبية مطالب أولاً بمراجعة نقدية صريحة للتاريخ، لا بتجاوزه أو تلميعه. غير أن بهلوي، خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن، تجنّب الخوض في الأسباب البنيوية التي أفضت إلى سقوط النظام الملكي عام 1979. هذا التهرب يضعف مصداقيته، لأنه يتجاهل أن الشرعية في مرحلة ما بعد الاستبداد لا تُبنى إلا عبر المساءلة والاعتراف.

كما واجه المحللون ادعاءاته السابقة بشأن انشقاق عشرات الآلاف من عناصر الأمن لحماية المتظاهرين، وهي مزاعم لم تجد ما يسندها ميدانياً خلال موجات القمع العنيف داخل إيران. في بيئة سياسية مشبعة بالمعلومات المضللة، تصبح الدقة والشفافية شرطين أساسيين لاكتساب الثقة.

الرهان على الخارج: تكرار نموذج الفشل

في نقطة مفصلية، يلفت التحليل إلى أن بهلوي لم يقدّم استراتيجية تغيير تنطلق من الداخل الإيراني، بل كرّر الدعوة إلى تدخل عسكري أمريكي. هذا الطرح يعيد إلى الأذهان نموذج أحمد الجلبي، الذي راهن على القوة الخارجية كمدخل لإعادة تشكيل النظام السياسي في بلاده، بما حمله ذلك من كلفة سيادية واجتماعية باهظة. الرهان على الخارج، وفق هذا المنظور، يُضعف الشرعية الوطنية ويمنح النظام القائم ورقة اتهام خصومه بالارتهان. في السياق الإيراني، حيث الحساسية التاريخية تجاه التدخلات الأجنبية مرتفعة، قد يتحول هذا الخيار إلى عبء استراتيجي لا إلى رافعة تغيير.

خارطة طريق أم تركيز للسلطات؟

رغم تأكيده العلني أنه لا يسعى إلى السلطة، تكشف "خارطة الطريق" التي طرحها بهلوي عن تصور يتركز فيه القرار السياسي والعسكري والقضائي في يد واحدة خلال مرحلة انتقالية. هذا التناقض بين الخطاب والمضمون يثير تساؤلات حول طبيعة النظام المقترح: هل هو انتقال ديمقراطي مؤسسي، أم إعادة إنتاج لسلطة فردية تحت مسمى مختلف؟ كما أن صمته تجاه حملات الترهيب الإلكتروني التي يمارسها بعض أنصاره ضد معارضين آخرين يضع علامات استفهام حول قدرته على فرض معايير ديمقراطية داخل معسكره نفسه.

الخلاصة: البديل يُبنى ولا يُسوَّق

يخلص تحليل رفيع زاده إلى أن التغيير الدائم في إيران لا ينشأ من العروض المسرحية ولا من تضخيم الأرقام، بل من بناء مؤسسات وتحالفات عريضة مستعدة لتحمل كلفة المواجهة داخل البلاد. في لحظة يتآكل فيها نظام الملالي تحت وطأة أزماته، فإن أخطر ما قد يواجه الحركة المعارضة ليس قوة النظام فحسب، بل تشتيت الجهود عبر بدائل غير ناضجة تنظيمياً وسياسياً.

المعادلة واضحة: الشرعية تُكتسب من الداخل، عبر برنامج سياسي محدد، وقاعدة اجتماعية متجذرة، ورؤية انتقالية تضمن تفكيك الاستبداد لا إعادة تدويره. أما تسويق الأوهام في العواصم الأوروبية، فلن يصنع بديلاً، بل قد يمنح النظام القائم فسحة زمنية إضافية عبر إضعاف صورة المعارضة الجادة. وفي سياق صراع طويل على مستقبل إيران، الزمن لا يعمل إلا لصالح من يمتلك المصداقية والقدرة التنظيمية، لا لمن يراهن على الصورة أكثر من الواقع.