د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):
إيران بين نهاية نظامين وبداية الجمهورية الديمقراطية: فرصة تاريخية ثانية للشعب الإيراني
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبرز الملف الإيراني مجددًا بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في معادلات الأمن الإقليمي والدولي. وقد اكتسب هذا النقاش زخماً جديداً خلال المؤتمر الدولي "إيران: منعطف تاريخي ودعم إعلان الحكومة المؤقتة"، الذي شاركت فيه السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، إلى جانب شخصيات سياسية غربية بارزة. وفي هذا السياق، قدم السيناتور الأمريكي السابق روبرت توريسيلي قراءة سياسية حادة لطبيعة المرحلة، مؤكداً أن الشعب الإيراني يقف أمام فرصة تاريخية ثانية لإنهاء إرث الدكتاتورية المزدوجة التي حكمت إيران، سواء في عهد الشاه أو في ظل نظام الملالي.
تصريحات توريسيلي لم تكن مجرد تعبير تضامني تقليدي، بل جاءت أقرب إلى تقييم استراتيجي لمسار الأزمة الإيرانية، حيث أشار إلى أن اللحظة الراهنة نادرة في التاريخ السياسي: لحظة تتقاطع فيها الضغوط الداخلية مع التحولات الدولية لتفتح نافذة حقيقية أمام تغيير النظام.
ثورة 1979 بين السرقة التاريخية وإمكانية الاستعادة
يستند هذا التقييم إلى قراءة نقدية لمسار الثورة الإيرانية عام 1979، التي أطاحت بنظام الشاه لكنها انتهت إلى إقامة نظام ثيوقراطي بقيادة رجال الدين. ويرى توريسيلي أن ما حدث آنذاك يمثل "سرقة تاريخية" لإرادة الشعب الإيراني، حيث تحولت الثورة الشعبية إلى نظام مغلق قائم على ولاية الفقيه.
لكن المعطيات الحالية تشير، وفق هذا التحليل، إلى أن تلك الثورة قد تدخل مرحلة استعادة تاريخية. فالتآكل المتزايد في شرعية النظام، إلى جانب الاحتجاجات المتكررة واتساع رقعة المعارضة، يعكس حالة اهتزاز بنيوي عميق داخل بنية السلطة الإيرانية.
وفي هذا السياق، تبرز خطة النقاط العشر التي طرحتها السيدة مريم رجوي بوصفها أحد أهم الأطر السياسية المقترحة لمرحلة ما بعد النظام. هذه الخطة، التي تدعو إلى إقامة جمهورية ديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة، وضمان المساواة الكاملة بين الرجال والنساء، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإقامة علاقات سلمية مع الجوار، تقدم رؤية بديلة تحاول إعادة تعريف موقع إيران في النظام الدولي.
تآكل القبضة الأمنية للنظام
من أبرز النقاط التي شدد عليها توريسيلي أن النظام الإيراني يواجه اليوم تحدياً ميدانياً متصاعداً. فمع تصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية، باتت مؤسسات القوة التقليدية للنظام، وعلى رأسها الحرس الثوري، تتعرض لضربات سياسية وأمنية متزايدة.
هذا التآكل لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية للنظام، حيث تتسع الفجوة بين السلطة والمجتمع. وفي مثل هذه الظروف، تصبح لحظة التحول غالباً نتيجة تغير في ولاءات النخب والطبقات المؤثرة داخل الدولة.
ومن هنا جاءت دعوة توريسيلي المباشرة إلى الإيرانيين في مختلف مواقعهم – من الجنود إلى رجال الأعمال – لاتخاذ قرار واضح بشأن موقعهم في هذه اللحظة المفصلية: الاستمرار في دعم آلة القمع أو الانحياز إلى مستقبل مختلف لإيران.
وحدات المقاومة ومعادلة الشارع
في المقابل، يسلط هذا الخطاب الضوء على الدور المتنامي لما يُعرف بـ وحدات المقاومة التابعة لمنظمة مجاهدي خلق. فوفق الرواية التي تتبناها المعارضة الإيرانية، تشكل هذه الوحدات أحد أهم أدوات تنظيم الاحتجاجات وتحويلها من موجات غضب عفوية إلى حركة سياسية مستدامة.
هذه الديناميكية الميدانية تعكس تحولاً مهماً في طبيعة المعارضة الإيرانية، حيث لم تعد تقتصر على النشاط السياسي في المنفى، بل باتت تمتلك امتدادات تنظيمية داخل المجتمع الإيراني.
الحكومة المؤقتة كإطار للمرحلة الانتقالية
أما السؤال الأكثر حساسية في أي سيناريو لتغيير النظام في إيران فهو: ماذا بعد السقوط؟. وهنا يطرح المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية رؤية واضحة تتمثل في تشكيل حكومة مؤقتة انتقالية تشرف على إدارة البلاد إلى حين إجراء انتخابات حرة.
توريسيلي أكد أن هذا المشروع يقوم على قاعدة سياسية حاسمة:
رفض إعادة إنتاج أي شكل من أشكال الاستبداد، سواء الديني الذي يمثله نظام الملالي أو البهلوي المرتبط بسلالة الشاه. وفي عبارته الصريحة قال: لا لسلالة الشاه، ولا للملالي.
هذه الصيغة تعكس محاولة لبناء شرعية سياسية جديدة قائمة على التعددية والمؤسسات الديمقراطية، بعيداً عن نماذج الحكم الفردي التي طبعت تاريخ إيران الحديث.
إيران ما بعد الملالي: سيناريوهات المستقبل
في ختام خطابه، أبدى توريسيلي ثقة لافتة في قدرة المعارضة الإيرانية على قيادة المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن المجلس الوطني للمقاومة يمتلك ما يكفي من الكوادر والخبرة السياسية لإدارة المرحلة الانتقالية.
ورغم أن مثل هذا التقدير يظل محل نقاش بين المراقبين، فإن المؤكد أن النظام الإيراني يواجه اليوم أخطر أزمة شرعية في تاريخه. فالتحدي لم يعد مجرد احتجاجات اقتصادية أو سياسية، بل بات يتعلق بمستقبل النظام نفسه.
وفي حال استمرار التآكل الداخلي وتوسع الضغوط الدولية، قد تجد إيران نفسها أمام لحظة تحول تاريخية تعيد رسم خريطتها السياسية. لحظة قد يتحقق فيها ما أشار إليه توريسيلي: أن الحوار المقبل حول مستقبل إيران قد يجري في طهران محررة، وليس في قاعات المؤتمرات الدولية.

