د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):

رهانات الفراغ: سقوط "أوهام البديل" وتصاعد أزمة الشرعية في إيران

بينما يعيش النظام الثيوقراطي في طهران واحدة من أخطر مراحل وجوده، تبرز على السطح محاولات يائسة لإعادة تدوير رموز بائدة لم تكن يوماً إلا وجهاً آخر للاستبداد. إن الهجوم اللاذع الذي شنه السياسي الفرنسي فرانسوا أسلينو، مؤسس الاتحاد الشعبي الجمهوري، على الدبلوماسية الفرنسية إثر استقبالها لـ رضا بهلوي، لم يكن مجرد سجال سياسي عابر، بل هو تشريح دقيق لحالة الجهل الاستراتيجي التي تقع فيها بعض الدوائر الغربية بمراهنتها على "جثة سياسية" لفظها التاريخ الإيراني منذ عقود.

إرث الاستبداد: من "السافاك" إلى "الباسيج"

إن القراءة المعمقة للمشهد الإيراني تؤكد أن الساعين لاستعادة عرش الطاووس يتجاهلون حقيقة بنيوية؛ وهي أن الثورة الإيرانية عام 1979 كانت صرخة وجودية ضد التبعية المطلقة للخارج وضد ديكتاتورية السافاك الدموية. إن الضابط رضا خان الذي اغتصب العرش في عام 1925 أسس لسلالة اعتمدت القمع المنهجي وسيلة للحكم، وهو ذات النهج الذي ورثته سلطة الملالي وطورته عبر أجهزتها القمعية الحالية. وبناءً عليه، فإن الشعب الإيراني الذي قدم آلاف الشهداء في مواجهة الاستبداد الملكي والاستبداد الديني، لا يمكن أن يقبل باستبدال جلاد بآخر، أو العودة إلى عصور التبعية والارتهان للقوى الأجنبية.

تحالف الضرورة: "الفلول" في خدمة النظام

تثبت المعطيات الميدانية، ولا سيما التقارير الواردة من شبكات الناشطين في الداخل الإيراني ، أن التحركات التي يقوم بها رضا بهلوي تصب، في نهاية المطاف، في مصلحة نظام الملالي. فمن خلال طرح نفسه كبديل "مشوه" ومنبوذ شعبياً، يمنح بهلوي النظام فرصة ذهبية لتخويف الجماهير من "الردة" نحو حكم الفرد المطلق. والأخطر من ذلك هو سقوط قناع المصداقية عن ابن الشاه بعد تأييده المبطن والصريح لعمليات القصف التي قد تستهدف البنى التحتية الإيرانية، مما كشف عن استعداده للتضحية بدماء الإيرانيين في سبيل طموحات شخصية واهمة. هذا السلوك جعل منه شخصية منبوذة في الداخل، حيث يرى الإيرانيون فيه مجرد "دمية" عاجزة تبحث عن دور في مسرحية لا جمهور لها.

المواجهة العسكرية: مضيق هرمز وهروب النظام للأمام

على الصعيد الجيوسياسي، يمر الوضع العسكري في مضيق هرمز بحالة من الغليان غير المسبوق. يحاول النظام الكهنوتي استعراض عضلاته عبر التهديد بإغلاق الممرات المائية الدولية، في محاولة يائسة لتصدير أزماته الداخلية الخانقة. إن استراتيجية "حافة الهاوية" التي يتبعها الحرس الثوري تعكس حالة من الرعب من البديل الحقيقي والمنظم المتمثل في المقاومة الإيرانية بقيادة السيدة مريم رجوي. يدرك النظام أن الخطر الحقيقي ليس في "الفلول" المقيمة في الخارج، بل في وحدات المقاومة التي تزلزل الأرض تحت أقدام الملالي في كل مدينة وقرية.

البديل الوطني: نحو جمهورية ديمقراطية

تؤكد الرؤية التي تطرحها السيدة مريم رجوي أن مستقبل إيران لا يصنع في أروقة الدبلوماسية "الجاهلة" في الغرب، بل في ساحات النضال داخل إيران. إن مشروع المواد العشر الذي تطرحه المقاومة هو النقيض الجذري لنموذجي الشاه والملالي؛ فهو يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، وإقامة جمهورية ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتنبذ السلاح النووي. إن السقوط النهائي لورقة بهلوي في نظر الإجماع الشعبي الإيراني يعزز من مكانة هذا البديل الديمقراطي المنظم، ويؤكد أن عهد الاستبداد تحت مسمى التاج أو العمامة قد انتهى إلى غير رجعة.

الخلاصة الاستراتيجية

إن الرهان على بقايا النظام البهلوي

هو رهان على الفراغ، وهو ما وصفه أسلينو بدقة بـ "الدبلوماسية الكارثية". على المجتمع الدولي أن يدرك أن نظام الملالي في أضعف حالاته، وأن الشعب الإيراني قد حسم خياره التاريخي بوضوح: لا للعودة إلى الماضي البهلوي، ولا للبقاء تحت وطأة الطغيان الثيوقراطي. إن الخلاص الوحيد يكمن في دعم إرادة الشعب الإيراني لإسقاط الاستبداد المطلق وتأسيس دولة القانون والحرية.