د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):

صراع الدولة والهوية في إيران

في إيران، لا تسير السياسة وحدها، بل تمشي معها العقيدة كظل لا ينفصل. هنا، لا يمكن فهم الدولة دون فهم الفكرة التي قامت عليها، ولا يمكن قراءة المعارضة دون تفكيك علاقتها بهذه الفكرة. النظام الذي تأسس بعد الثورة الإيرانية 1979 لم يبنِ نفسه كسلطة سياسية تقليدية، بل كتركيبة هجينة تمزج بين الشرعية الدينية والهيمنة الأمنية، حيث تتقاطع سلطة الولي الفقيه مع مؤسسات الدولة لتشكّل نموذجًا يصعب اختراقه من الداخل.

هذا النموذج لا يكتفي بإدارة المجال السياسي، بل يعيد تعريفه. الانتخابات، على سبيل المثال، لا تُفهم بوصفها آلية تداول سلطة، بل كأداة لإعادة إنتاج النظام ضمن حدود مرسومة مسبقًا. في هذا السياق، يصبح التنافس محكومًا بسقف غير مرئي، وتتحول السياسة إلى مساحة مراقَبة أكثر منها مجالًا مفتوحًا. لذلك، كل دورة انتخابية لا تغيّر قواعد اللعبة، بل تعيد تثبيتها.

في المقابل، تتشكل المعارضة في بيئة غير متكافئة. في الداخل، تواجه تضييقًا مستمرًا، حيث تُعاد صياغة النشاط السياسي في قالب أمني، وتُربط أي محاولة تنظيم باتهامات تمس “الأمن القومي”. أما في الخارج، فالمشهد أكثر تعقيدًا. تيارات متعددة، من أنصار النظام الملكي السابق إلى جماعات منظمة مثل منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، تتحرك ضمن فضاء مفتوح ظاهريًا، لكنه مشحون بصراعات الشرعية والتمثيل.

المفارقة هنا لافتة: بينما يفرض النظام مركزية صارمة في الداخل، تعاني المعارضة في الخارج من تشتت يكاد يوازي تلك المركزية في تأثيره العكسي. الصدامات بين التيارات المختلفة، والشعارات المتبادلة، ليست مجرد انفعالات لحظية، بل تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بسؤال: من يمثل إيران المستقبل؟ هذا السؤال، رغم بساطته الظاهرية، هو أحد أعقد مفاتيح فهم المشهد.

في العمق، يستخدم النظام أدواته الأمنية والقضائية ليس فقط لضبط المجال العام، بل لإعادة تشكيله. القضاء، الذي يفترض أن يكون سلطة مستقلة، يتحول في كثير من الأحيان إلى امتداد للقرار السياسي، يمنح الغطاء القانوني لإجراءات ذات طابع أمني. هنا، لا يعود القمع استثناءً، بل يصبح جزءًا من بنية الحكم، يُستخدم بمرونة تتناسب مع حجم التحدي.

لكن القصة لا تتوقف عند الداخل. إيران، بوصفها فاعلًا إقليميًا، تحمل هذا التوتر إلى خارج حدودها. سياساتها في المنطقة، وعلاقاتها المتشابكة، لا يمكن فصلها عن بنيتها الداخلية. كلما اشتد الضغط في الداخل، زادت الحاجة إلى توسيع المجال الحيوي خارجيًا، والعكس صحيح. إنها معادلة توازن دقيقة، لكنها محفوفة بالمخاطر، لأن أي اختلال في أحد الطرفين ينعكس مباشرة على الآخر.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل التحولات الاجتماعية العميقة داخل المجتمع الإيراني. جيل جديد، أكثر اتصالًا بالعالم، أقل ارتباطًا بالسرديات الأيديولوجية التقليدية، وأكثر حساسية تجاه القضايا الاقتصادية والحريات الفردية. هذا الجيل لا يتحرك بالضرورة ضمن أطر سياسية منظمة، لكنه يشكّل ضغطًا صامتًا يتراكم ببطء، ويعيد تشكيل المزاج العام.

السؤال الحقيقي هنا ليس ما إذا كان النظام قادرًا على الاستمرار، بل كيف يستمر. هل يواصل الاعتماد على أدوات الضبط التقليدية، أم يجد نفسه مضطرًا لإعادة تعريف علاقته بالمجتمع؟ وفي المقابل، هل تستطيع المعارضة، بتنوعها وتشظيها، أن تتحول من حالة احتجاج إلى مشروع سياسي متماسك؟

في النهاية، يبدو المشهد الإيراني كلوحة غير مكتملة، تتداخل فيها خطوط السلطة مع ظلال الهوية، وتتصارع فيها الرغبة في الثبات مع ضغط التغيير. لا أحد يملك الإجابة الكاملة، لكن المؤكد أن هذا الصراع، بتعقيداته الداخلية وامتداداته الخارجية، سيبقى أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في معادلات المنطقة لسنوات قادمة.