د. سامي خاطر يكتب لـ(اليوم الثامن):

استراتيجية "الخيار الصفري".. جدلية الوراثة السياسية ومستقبل التغيير في إيران

   في خضم المخاض العسير الذي تشهده إيران بحثاً عن مخرج من أزماتها الهيكلية تبرز في الفضاء السياسي الإقليمي والدولي نقاشات حادة حول ماهية البديل لنظام الجمهورية الإسلامية، وفي هذا السياق قدم الحقوقي والمدعي العام الأمريكي السابق رودي جولياني قراءة تحليلية مغايرة تضع "فلول نظام الشاه" تحت مجهر النقد الاستراتيجي معتبراً أن إشكالية البديل لا تقتصر على النظام القائم بل تمتد لتشمل القوى التي تحاول الارتكاز على إرث الماضي لفرض قيادة جديدة.

أزمة الشرعية من الوراثة إلى الكفاءة

يرى جولياني أن المأزق الرئيسي الذي يواجه ابن الشاه يكمن في غياب الرصيد النضالي والتنفيذي؛ حيث يقتصر مشروعه السياسي على "الشرعية بالوراثة".. وفي سياق هذا الطرح التحليلي يتم استحضار مفهوم "الفاشية الجديدة" التي تغلف الكائنات الوريثة متجاوزةً بذلك معايير التكنوقراطية والعمل الميداني اللازمين لقيادة دولة في مرحلة انتقالية حرجة.

 إن النقد الموجه هنا يتجاوز الشخص ليطال المبدأ.. فهل يمكن بناء ديمقراطية حديثة عبر أدوات استبدادية عتيقة؟ يجادل جولياني بأن غياب الخبرة الإدارية والانفصال عن معاناة الشعب الإيراني يجعل من الترويج لهذا الخيار مجرد "مهزلة سياسية" تفتقر إلى أسس الاستدامة الوطنية.

الاقتصاد السياسي للارتهان.. سياقٌ تاريخي

يتجاوز التحليل البعد الشخصي ليصل إلى "الاقتصاد السياسي" للحقبة البهلوية؛ حيث يفكك جولياني السردية التي تصور عهد الشاه كفترة ازدهار مطلق واصفاً إياها بـ المنظومة الاستنزافية؛ حيث تم رهن الثروات الوطنية وعلى رأسها النفط مقابل بقاء النظام واستمراره تحت غطاء إقليمي ودولي.

 إن الإشارة إلى الانقلاب على حكومة مصدق الديمقراطية ليست مجرد سرد تاريخي بل هي محاولة لتعرية الجذور التي أدت إلى "التخلف الديمقراطي" في إيران، ووفقاً لهذا المنظور فإن الثروات التي يُقال إنها تُموّل نمط حياة الرفاهية للنخبة السابقة هي في جوهرها "أموال منهوبة"، مما يضع حاجزاً أخلاقياً يحول دون قبول المجتمع الإيراني لعودة هذه الرموز.

الوظيفة السياسية للبديل "المصطنع"

لعل أخطر ما تضمنه هذا المقال التحليلي هو الرؤية الاستراتيجية لـ جولياني حول "الاستخدام الوظيفي" لورقة الشاه إذ يطرح المقال فرضية أن النظام القائم قد لا يجد في بروز ابن الشاه تهديداً وجودياً بل "فرصة استراتيجية"، وإن هندسة خيار العودة إلى الماضي تعمل على امتصاص حماس الثورة وتفتيت وحدة صفوف المعارضة، وخلق انقسام مجتمعي يُشغل الشعب عن هدف إقامة "الجمهورية الديمقراطية".. وبهذا المعنى يصبح الترويج الإعلامي لعودة الشاه بمثابة "طوق نجاة" غير مقصود للنظام الكهنوتي؛ حيث ينجح في إرهاب قطاعات من المجتمع من سيناريو العودة إلى دكتاتورية الماضي.

حتمية القطيعة.. بداية نحو جمهورية ديمقراطية

تخلص المقاربة التحليلية إلى أن المستقبل السياسي لإيران لا يجب أن يكون أسير ثنائية "الاستبداد الديني" و"الاستبداد البهلوي"، وإن الدعوة إلى جمهورية ديمقراطية تستلزم بالضرورة تجاوز هذه الثنائية والبحث عن قيادة نابعة من الإرادة الشعبية الصرفة، وذات سجل نضالي شفاف ومسؤولية مالية واضحة، وإن استمرار الاعتماد على النخب الموروثة يمثل تدويراً للأزمات وليس حلاً لها.

ختاماً.. إن التحدي الذي يواجه المعارضة الإيرانية والمجتمع الدولي هو التمييز بين "التغيير الحقيقي" وبين "السيناريوهات الجاهزة" التي تفتقر إلى قواعد اللعبة الديمقراطية، وإن إصرار جولياني على رفض هذه الازدواجية يعكس قناعة مفادها أن الديمقراطية لا تُستورد من متاحف التاريخ بل تُصنع من خلال كفاح الشعب الذي يرفض الاستبداد بكافة تجلياته سواء كان بعباءة دينية أو بتيجان بهلوية قديمة.

د.سامي خاطر آكاديمي وأستاذ جامعي