من صراع داخلي إلى معضلة إقليمية مفتوحة..

تقرير: الجيش والدعم السريع.. صراع مفتوح يهدد بتفكك الدولة السودانية

حرب السودان لم تعد مجرد صراع داخلي بل تحولت إلى أزمة إنسانية عابرة للحدود، في وقت يتراجع فيه الاهتمام الدولي بشكل لافت، بينما تتعمق الانقسامات داخل الجيش وتتزايد مخاطر تفكك الدولة مع استمرار القتال وغياب أي أفق سياسي للحل

أرشيفية لعناصر من الجيش السوداني في كردفان

الخرطوم

حذر السفير الأميركي السابق في الخرطوم ألبرتو فيرنانديز من استمرار تجاهل المجتمع الدولي للحرب في السودان، التي تدخل عامها الرابع دون أي أفق سياسي واضح، في ظل تعثر مسارات التسوية وتصاعد التعقيدات الداخلية، وعلى رأسها تنامي نفوذ التيارات الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية، وهو ما يطرح تحديات استراتيجية متزايدة أمام مستقبل البلاد.

وفي تحليل نُشر على موقع "ريل كلير وورلد" بالتزامن مع انعقاد مؤتمر برلين، أشار فيرنانديز إلى أن الحرب في السودان، رغم حجمها الإنساني الكارثي، لا تحظى بالاهتمام الدولي الكافي، مقارنة بصراعات أخرى مثل أوكرانيا وغزة، لافتاً إلى أن هذا التهميش يرتبط بعوامل جيوسياسية، من بينها الموقع الأفريقي للسودان الذي غالباً ما يقع خارج أولويات الأجندة الدولية.

ويرسم التحليل صورة قاتمة للوضع الإنساني، حيث يُتوقع أن يحتاج نحو 33.7 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، وهو رقم يفوق ما شهدته مناطق نزاع أخرى مجتمعة، فيما بلغ عدد النازحين واللاجئين نحو 14 مليون شخص، في حين تسببت الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة في سقوط مئات الضحايا المدنيين منذ بداية العام الجاري.

ويشير فيرنانديز إلى أن الجيش السوداني يتبنى خيار الحسم العسكري، ويعتبر أن أي وقف لإطلاق النار قد يحرمه من تحقيق انتصار يراه قريباً، مستشهداً بتصريحات قياداته التي تؤكد اقتراب نهاية التمرد. في المقابل، تسعى قوات الدعم السريع إلى الصمود والحفاظ على وجودها، مع احتمال التوجه نحو ترسيخ نفوذها في غرب البلاد في حال تعذر الحسم.

ويحمّل التحليل الطرفين مسؤولية الأزمة الراهنة، مشيراً إلى أن القوات المسلحة وقوات الدعم السريع تمتلكان تاريخاً طويلاً من الانتهاكات، حيث عملتا لسنوات في قمع التمردات داخل البلاد، لا سيما في دارفور وكردفان، ما يجعل كليهما جزءاً من بنية الأزمة وليس مجرد أطراف متصارعة فيها.

ومع ذلك، يرى أن المجتمع الدولي يميل إلى التعامل مع الجيش باعتباره المؤسسة الرسمية، رغم مشكلاته البنيوية، في إطار مقاربة تقوم على المفاضلة بين خيارات محدودة. في المقابل، تعاني قوات الدعم السريع من ضعف في الهيكل القيادي والسيطرة على وحداتها، ما يحد من قدرتها على التحول إلى كيان منظم يحظى بشرعية دولية.

ويبرز التحليل التحدي الأعمق داخل الجيش، والمتمثل في تغلغل التيارات الإسلامية، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 30% من الضباط الجدد ينتمون إلى هذه التيارات، وهو ما يضع القيادة العسكرية أمام معادلة معقدة بين الحاجة إلى دعمهم في المعارك، وبين الضغوط الدولية التي تفرض تقليص نفوذهم.

وفي هذا السياق، يواجه رئيس الأركان ياسر العطا ضغوطاً متزايدة، خاصة بعد تصنيف واشنطن لجماعات إسلامية سودانية ضمن قوائم الإرهاب، ما يفرض عليه اتخاذ إجراءات قد تصطدم بمراكز نفوذ داخل المؤسسة العسكرية نفسها، في وقت يعتمد فيه على هذه القوى للحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.

كما يحذر فيرنانديز من ظاهرة تنامي التشكيلات المسلحة غير النظامية، مثل كتيبة البراء بن مالك، التي يرى أنها تمثل نموذجاً لتحول خطير نحو عسكرة المجتمع وإضعاف مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أن الاعتماد المتزايد على الميليشيات قد يؤدي إلى ترسيخ واقع "أمراء الحرب" في المستقبل.

وتعكس العقوبات الدولية المفروضة على هذه الجماعات، سواء من قبل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، إدراكاً متزايداً لخطورة هذا المسار، إلا أن تأثيرها على الأرض لا يزال محدوداً في ظل استمرار الحرب وتعدد مراكز القوة داخل السودان.