خطوة تشعل الجدل في الجنوب..
تقرير: إغلاق مقرات المجلس الانتقالي في عدن.. خطوة أمنية أم رسالة سياسية؟
إغلاق المقرات لا يبدو خطوة أمنية عابرة بل رسالة سياسية تعكس احتدام التنافس داخل معسكر الشرعية، فكل طرف يحاول إعادة رسم حدود النفوذ في عدن، بينما يبقى الشارع الجنوبي العامل الأكثر حساسية في معادلة التصعيد المقبلة خلال الفترة السياسية القادمة.
تصعيد جديد في عدن بعد إغلاق مقرات الانتقالي وتبادل الاتهامات سياسياً
دخلت العاصمة عدن مرحلة سياسية أكثر توترًا عقب إقدام قوات عسكرية وأمنية على إغلاق مقرات المجلس الانتقالي الجنوبي، في خطوة عكست حجم التباينات المتراكمة داخل مجلس القيادة الرئاسي، وأعادت إلى الواجهة سؤال من يمتلك القرار الفعلي في المدينة التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى مركز ثقل للجنوب سياسيًا وأمنيًا.
القرار، الذي جاء وفق توجيهات من رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي، لم يُقرأ في الشارع الجنوبي كإجراء تنظيمي عابر، بل كتحول في طريقة إدارة العلاقة مع المجلس الانتقالي، خاصة أن المقرات المستهدفة تشمل هياكل سياسية ذات رمزية، مثل هيئة الشؤون الخارجية والجمعية العمومية. هذه الرمزية تمنح الخطوة أبعادًا تتجاوز الإطار الأمني إلى محاولة إعادة رسم حدود النفوذ داخل عدن.
الانتقالي الجنوبي سارع إلى الرد عبر بيان شديد اللهجة، معتبرًا أن ما جرى يمثل استهدافًا سياسيًا ممنهجًا، بينما يرى مراقبون أن التصعيد يعكس صراعًا صامتًا داخل معسكر الشرعية حول إدارة الملف الجنوبي، خصوصًا في ظل ضغوط داخلية وخارجية لإعادة ترتيب المشهد السياسي بما ينسجم مع مسارات التسوية المحتملة في اليمن.
من زاوية تحليلية، تبدو الخطوة جزءًا من عملية شد حبال بين مشروعين داخل السلطة؛ الأول يسعى إلى تعزيز مركزية القرار الأمني والسياسي تحت مظلة مجلس القيادة، والثاني يحاول الحفاظ على مساحة نفوذ جنوبية اكتسبت شرعيتها من الوقائع الميدانية ومن الحضور الشعبي. وبين المشروعين تقف عدن كمدينة تختبر حدود التوازن الهش بين الشراكة والصراع.
التوقيت يضيف طبقة أخرى من التعقيد، إذ يأتي الإغلاق في ظل موجة احتجاجات وتظاهرات داعمة للمجلس الانتقالي، ما يجعل أي إجراء أمني قابلًا للتحول إلى حدث سياسي واسع التأثير. فالشارع الجنوبي اليوم ليس مجرد متلقٍ للقرارات، بل لاعب مؤثر قادر على إعادة توجيه المزاج العام، وهو ما يدفع مختلف الأطراف إلى حساب خطواتها بدقة، حتى وإن بدا المشهد ظاهريًا حادًا.
في المقابل، يطرح بعض المحللين فرضية أن الإغلاق قد يكون ورقة ضغط تفاوضية أكثر منه تحولا استراتيجيا طويل الأمد، خصوصًا أن العلاقة بين مكونات مجلس القيادة اتسمت خلال الفترات السابقة بمد وجزر، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية أحيانًا لإعادة ضبط الإيقاع السياسي دون الوصول إلى قطيعة نهائية.
البيان الصادر عن الانتقالي حاول أيضًا تدويل القضية عبر الإشارة إلى القانون الدولي ونداءات خفض التصعيد، وهي لغة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الصراع لم يعد محليًا فقط، بل يرتبط بحسابات إقليمية تتداخل فيها مصالح متعددة، من أمن البحر الأحمر إلى ترتيبات ما بعد الحرب. هذا الخطاب يهدف إلى كسب تعاطف دولي، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم القلق من تحولات داخلية قد تقلص مساحة الحركة السياسية للمجلس.
التداعيات المحتملة لهذه الخطوة لا تتوقف عند حدود المكاتب المغلقة، بل تمتد إلى بنية التحالفات داخل الجنوب. فكل إجراء يُفسَّر كإعادة توزيع للقوة قد يدفع الأطراف المختلفة إلى إعادة التموضع، سواء عبر التصعيد الإعلامي أو عبر محاولة فرض واقع جديد على الأرض. وفي بيئة سياسية معقدة كعدن، غالبًا ما تتحول القرارات الإدارية الصغيرة إلى مؤشرات على تحولات أكبر.
رغم حدة الخطاب، يؤكد المجلس الانتقالي تمسكه بالحل السياسي، وهو موقف يعكس إدراكًا بأن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة داخل المعسكر المناهض للحوثيين قد يضعف الجميع. لكن هذا الالتزام لا يلغي احتمالات استمرار التوتر، خاصة إذا استمرت الإجراءات التي يراها أنصاره استهدافًا مباشرًا لدوره السياسي.
في المحصلة، تبدو عدن اليوم أمام مشهد مزدوج؛ مدينة تحاول الحفاظ على توازن هش بين شركاء يفترض أنهم في خندق واحد، وساحة مفتوحة لصراع نفوذ يعاد إنتاجه بأدوات مختلفة. إغلاق المقرات قد يكون بداية مرحلة إعادة ترتيب داخلية، وقد يكون مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الأزمات المؤجلة. وبين الاحتمالين، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الأطراف على تحويل الصراع من معركة نفوذ إلى تفاهمات تحمي الحد الأدنى من الاستقرار السياسي في الجنوب.


