عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):

برلين تكسر المحرّم: الغرب يقترب من لحظة الاعتراف بسقوط نظام الملالي

لم يعد النقاش الغربي حول إيران يدور في فلك احتواء النظام أو تعديل سلوكه، بل انتقل بوضوح إلى سؤال اليوم التالي.  فمؤتمر "إيران : آفاق التغيير" الذي عُقد في برلين في 8 فبراير، بحضور السيدة مريم رجوي وشخصيات سياسية وأمنية وقانونية أوروبية وأطلسية رفيعة، مثّل مؤشراً على هذا التحول النوعي: من سياسات المسايرة إلى الاعتراف العملي ببديل ديمقراطي منظّم.

في كلمتها الافتتاحية، وضعت السيدة رجوي الإطار الاستراتيجي للمشهد، مؤكدة أن إيران تمر بأخطر مرحلة في تاريخها الحديث. فـ القتل الجماعي في يناير لم يكن دليلاً على قوة النظام، بل على ذعره الوجودي.  القمع المبرمج، وفق هذا المنطق، لا يؤجّل الانفجار بل يعمّقه، ويحوّل كل جولة قمع إلى مقدمة لانتفاضة أشد اتساعاً.

أحد أهم التحولات التي أشار إليها المؤتمر يتمثل في الدور المتنامي لـ وحدات المقاومة.  لم يعد الشارع الإيراني فضاءً للاحتجاج العفوي فقط، بل بات مسرحاً لعمل منظّم كسر احتكار الخوف، ورسّخ ثقافة العصيان لدى جيل شاب لا يرى في الإصلاح وهماً قابلاً للحياة. هذا المعطى يفسّر انتقال الاحتجاجات من موجات متقطعة إلى مسار تراكمي يصعب احتواؤه.

إجماع المتحدثين على أن تصنيف حرس النظام الإيراني كمنظمة إرهابية كان ضرورة استراتيجية، وإن جاء متأخراً. الرسالة هنا واضحة: لا يمكن الجمع بين الحوار المفتوح ونظام يقوم بقمع شعبه وتصدير العنف.  لكن التحذير تكرر بأن هذا التصنيف سيبقى رمزياً ما لم يُترجم إلى إجراءات عملية تشمل المال، الشبكات، والأذرع الخارجية.

تناول المؤتمر بوضوح حرب التضليل التي يقودها النظام عبر الحسابات الوهمية وصناعة بدائل زائفة، وفي مقدمتها الترويج لابن الشاه. الإجماع كان أن هذه المحاولات، مهما استثمرت في الذكاء الاصطناعي والإعلام، تفتقر إلى الشرعية الشعبية وإلى أي برنامج ديمقراطي قابل للتطبيق. الفارق الجوهري، كما شدد شارل ميشيل، هو الانتخابات الحرة لا الوراثة السياسية.

برزت خطة النقاط العشر للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كأكثر المحاور إجماعاً في المؤتمر. وصفها السفير يواخيم روكر بأنها أفضل منصة متاحة لانتقال منظم نحو جمهورية ديمقراطية تقوم على سيادة القانون، وفصل الدين عن الدولة، وإلغاء عقوبة الإعدام، وتمكين المرأة. اللافت أن هذا الدعم لم يكن أخلاقياً فقط، بل قانونياً ومؤسسياً، منسجماً مع المعايير الدولية وقرارات الأمم المتحدة.

من زاوية أوسع، شدد المتحدثون على أن إضعاف أذرع النظام في الخارج هو أحد مؤشرات نهايته. فالنظام الذي لا يستطيع البقاء إلا عبر العنف في الداخل، ويفقد أدواته في الخارج، يدخل مرحلة الانكشاف الاستراتيجي.  في هذا السياق، اعتُبرت المقاومة المنظمة عاملاً حاسماً في منع امتلاك السلاح النووي وتغيير قواعد اللعبة.

الدعوات كانت صريحة:  الاعتراف بحق الشعب الإيراني في إسقاط النظام، ربط أي علاقة بإلغاء الإعدام وإطلاق السجناء السياسيين، تشديد العقوبات، وإغلاق القنوات الدبلوماسية التي يستخدمها النظام كمنصات نفوذ. أي مقاربة أقل من ذلك، كما قيل بوضوح، ليست سياسة واقعية بل مسايرة مقنّعة.

ما جرى في برلين لا يمكن اختزاله في مؤتمر تضامني. إنه إشارة مبكرة إلى أن الغرب بدأ يعيد ترتيب أولوياته تجاه إيران، على أساس البديل الديمقراطي لا إدارة الاستبداد. السؤال لم يعد ما إذا كان النظام سيسقط، بل كيف ومتى، ومن سيكون جاهزاً لملء الفراغ. وفق معطيات هذا المؤتمر، يبدو أن الإجابة باتت أوضح من أي وقت مضى.