عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):
حين تنقلب الكلفة: الانتفاضة الإيرانية تدفع أوروبا إلى كسر المحرّمات
مقدمة: حين يلتقي الزخم الشعبي مع التحوّل الدولي
لم تعد الانتفاضة الإيرانية حدثًا داخليًا محصورًا في نطاق المواجهة بين السلطة والمجتمع، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها التدويل السياسي والقانوني. ففي الوقت الذي تتواصل فيه الاحتجاجات داخل إيران بوتيرة عالية، جاءت مواقف دولية متقدمة، وعلى رأسها قرار البرلمان الأوروبي الصادر في 22 يناير 2026، لتشكّل منعطفًا نوعيًا في مقاربة الغرب لنظام الملالي، ولتنقل الصراع من مستوى الإدانات اللفظية إلى عتبة الإجراءات العقابية المباشرة.
قرار ستراسبورغ: أغلبية كاسحة ورسالة سياسية لا لبس فيها
اعتماد البرلمان الأوروبي قرار "القمع الوحشي ضدّ المحتجين في إيران" بأغلبية ساحقة بلغت 562 صوتًا مؤيّدًا مقابل 9 أصوات معارضة لا يمكن التعامل معه كإجراء رمزي. هذه النسبة تعكس إجماعًا سياسيًا نادرًا داخل مؤسسة أوروبية تتسم عادة بالتباين والانقسام، وتؤشر إلى أن النظام الإيراني بات يُنظر إليه كـ مصدر تهديد مباشر للقيم الأوروبية وللاستقرار الإقليمي.
القرار يدعو صراحة إلى الإدراج الفوري للحرس الثوري الإيراني وفروعه والكيانات التابعة له على قائمة المنظمات الإرهابية، وهو مطلب ظل لسنوات محل تردّد أوروبي بفعل حسابات دبلوماسية واقتصادية. كسر هذا التردّد يعكس تحوّلًا في ميزان الكلفة السياسية: كلفة الاستمرار في المهادنة باتت أعلى من كلفة المواجهة.
توثيق القمع: من روايات ناشطين إلى موقف مؤسسي
يكتسب القرار ثقله من اللغة المستخدمة فيه، إذ يؤكد أن القوات الأمنية، بما فيها الحرس الثوري والشرطة، مارست قمعًا عنيفًا ومنهجيًا وواسع النطاق أدى إلى مقتل واعتقال آلاف المتظاهرين. هذه ليست مجرد توصيفات أخلاقية، بل صياغات دقيقة تُستخدم عادة في السياقات القانونية والحقوقية الدولية.
الأهم أن القرار يستند إلى "أدلة موثوقة" تشير إلى تورط البعثات الدبلوماسية الإيرانية في عدد من الدول الأوروبية في أنشطة دعائية، ونشر معلومات مضللة، وممارسة الترهيب ضدّ الجاليات الإيرانية. هنا ينتقل الاتهام من مستوى الانتهاكات الداخلية إلى خرق مباشر لسيادة الدول الأوروبية، ما يضع النظام الإيراني في مواجهة مفتوحة مع المنظومة القانونية للاتحاد الأوروبي.
الدبلوماسية تحت العقاب: تجفيف أدوات النفوذ الناعم
يرحب البرلمان الأوروبي بقرار رئيسة البرلمان روبرتا ميتسولا حظر دخول جميع الموظفين الدبلوماسيين وممثلي النظام الإيراني إلى مقرات البرلمان، ويدعو الدول الأعضاء إلى اتخاذ إجراءات مماثلة. هذه الخطوة تحمل دلالة استراتيجية: نزع الغطاء السياسي عن شبكة النفوذ الدبلوماسي للنظام، والتي طالما استُخدمت كأداة ضغط وتجسس وتأثير.
إن الانتقال من الاحتجاج على سلوك النظام إلى عزله مؤسساتيًا يعكس إدراكًا أوروبيًا متزايدًا بأن النظام لا يتصرف كدولة طبيعية، بل كفاعل عدائي يستخدم الدبلوماسية كامتداد للأجهزة الأمنية.
التضامن مع الشارع الإيراني: شرعنة الانتفاضة دوليًا
يعلن القرار تضامنًا كاملًا مع الشعب الإيراني وحركته الاحتجاجية الشجاعة والمشروعة، ويؤكد أن مطالب المحتجين تتمحور حول الكرامة، والأمن، واحترام الحقوق الأساسية. هذا الاعتراف الصريح بشرعية الانتفاضة يقوّض السردية الرسمية للنظام التي تصف المحتجين بـ "المخرّبين" أو "العملاء".
كما يدعو القرار سلطات إيران، برئاسة الدكتاتور علي خامنئي، إلى الوقف الفوري لاستخدام العنف، وإنهاء جميع أحكام الإعدام، ووقف القتل والقمع ضد المدنيين. إدراج اسم رأس النظام في سياق الإدانة المباشرة يعكس انتقال المسؤولية من الأجهزة إلى القيادة السياسية العليا.
التحذير البريطاني: استباق سيناريو الكارثة
في السياق نفسه، يبرز موقف النائب البريطاني ديفيد تايلر الذي دعا إلى استهداف "آلة القتل"، أي قوات الحرس الثوري، لمنع تكرار سيناريو سوريا في إيران، حيث قُتل نحو نصف مليون شخص. هذا التحذير لا ينطلق من منطلق إنساني فقط، بل من حسابات أمنية واستراتيجية ترى أن ترك أجهزة القمع بلا رادع يقود حتمًا إلى انفجار دموي واسع النطاق.
الخلاصة: الانتفاضة تفرض معادلتها على المجتمع الدولي
تشير هذه التطورات إلى أن الانتفاضة الإيرانية لم تعد تطلب الاعتراف، بل تفرض نفسها كحقيقة سياسية دولية. قرار البرلمان الأوروبي، مقرونًا بالمواقف البريطانية المتقدمة، يكشف عن بداية إعادة تموضع غربي تجاه نظام الملالي، يقوم على تحميله المسؤولية المباشرة عن العنف، وتجفيف أدواته القمعية والدبلوماسية.
في هذا السياق، يواجه النظام الإيراني معضلة مزدوجة: شارع لا يتراجع، وبيئة دولية لم تعد مستعدة لتوفير الغطاء. ومع اتساع الفجوة بين المجتمع والسلطة، وتآكل هامش المناورة الخارجية، يبدو أن الانتفاضة دخلت مرحلة يكون فيها الاستمرار بحد ذاته عامل استنزاف وجودي للنظام.
عبدالرزاق الزرزور محامي وناشط حقوقي سوري


