عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):

لا عودة إلى الاستبداد: ميونيخ تكشف البديل الديمقراطي في مواجهة نظام الملالي

على هامش مؤتمر الأمن الدولي في ميونيخ، وفي توقيت سياسي شديد الدلالة، أعادت تصريحات جون بركو طرح السؤال الأكثر حساسية في الملف الإيراني: من يمتلك شرعية قيادة إيران في مرحلة ما بعد النظام الحالي؟ ففي الوقت الذي يحاول فيه النظام الإيراني إعادة تقديم نفسه عبر أدوات الدبلوماسية الأمنية وإعادة التموضع دوليًا، كانت شوارع ميونيخ تشهد مظاهرة “الإيرانيين الأحرار”، بوصفها تعبيرًا سياسيًا مضادًا يربط بين الأمن الدولي وبين إنهاء أنماط الحكم القمعي، ويعكس تحوّلًا في طبيعة النقاش حول مستقبل إيران.

تميّز خطاب بركو بوضوح لافت في رفض الثنائية التي جرى تسويقها طويلًا بين بقاء النظام الديني أو العودة إلى نموذج الحكم الملكي. فقد أشار صراحة إلى أن البديل لا يتمثل في استعادة الماضي أو إعادة إنتاج أي صيغة سلطوية جديدة، وهو طرح يعكس قراءة للصراع داخل إيران باعتباره صراعًا بين أشكال مختلفة من الاستبداد وبين مشروع يسعى إلى بناء نموذج ديمقراطي حديث. هذا التصور يضع المجتمع الدولي أمام اختبار سياسي وأخلاقي يتمثل في دعم خيارات التغيير التي يطرحها الإيرانيون أنفسهم بدل الوقوع في فخ إعادة تدوير تجارب حكم سابقة.

وفي هذا السياق، جاء توصيفه للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بوصفه أحد أبرز تجليات المقاومة الديمقراطية ليحمل دلالة سياسية تتجاوز المجاملة، إذ يرتبط بتقييم يستند إلى عناصر التنظيم والبرنامج السياسي والقدرة على الحشد. فبينما يقوم النظام الحالي على ولاية الفقيه وأدوات الضبط الأمني، يسعى المجلس إلى تقديم نموذج بديل قائم على خطاب سياسي مكتوب وبنية تنظيمية واضحة وحضور ممتد داخل المجتمع الإيراني وفي أوساط الشتات، وهو ما يمنحه، في نظر مؤيديه، موقع الفاعل المنظم لا مجرد طرح نظري.

أما حديث بركو عن مريم رجوي بوصفها شخصية قيادية شجاعة، فيتجاوز البعد الشخصي ليضعها ضمن إطار قيادة سياسية تسعى إلى تقديم مشروع مختلف عن نموذج الحكم الثيوقراطي المغلق. فهي تُطرح باعتبارها واجهة سياسية لبرنامج يسعى إلى بناء دولة مدنية حديثة، تقوم على إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتفتح المجال أمام مشاركة أوسع للمرأة والقوى الاجتماعية المختلفة.

وتبرز خطة النقاط العشر في هذا السياق بوصفها محاولة لصياغة تصور متكامل لمرحلة ما بعد التغيير، حيث تجمع بين مبادئ فصل الدين عن الدولة والمساواة القانونية وإلغاء عقوبة الإعدام والالتزام بسياسات غير نووية واحترام التعدد القومي داخل إيران. أهمية هذه الخطة لا تكمن فقط في مضامينها، بل في تقديمها تصورًا عمليًا لمرحلة انتقالية، في وقت تعاني فيه أطراف معارضة أخرى من غياب برامج واضحة أو بنى تنظيمية قادرة على تحويل الشعارات إلى مشروع حكم قابل للتنفيذ.

في المقابل، تعكس اللغة القاسية التي استخدمها بركو في وصف النظام الإيراني رؤية متنامية لدى بعض الدوائر الغربية بأن طهران تمر بمرحلة تآكل استراتيجي نتيجة الضغوط الاقتصادية والتحديات الداخلية والعزلة الدولية. ومع تصاعد الاحتجاجات واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، لم يعد النقاش الدولي يقتصر على احتمالات بقاء النظام أو سقوطه، بل بدأ يتحول نحو سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بشكل المرحلة التالية ومن يمتلك القدرة على إدارتها.

هكذا تبدو رسالة ميونيخ أوسع من مجرد تصريحات سياسية عابرة، إذ تشير إلى تحوّل تدريجي في النقاش الدولي من الجدل حول استمرارية النظام إلى البحث عن بديل سياسي منظم. فالمستقبل، كما توحي هذه اللحظة، لا يقوم على استعادة نماذج حكم سابقة ولا على استمرار الواقع القائم، بل على قدرة القوى السياسية الإيرانية على صياغة مشروع جديد يعيد تعريف العلاقة بين الداخل الإيراني ومحيطه الإقليمي والدولي.