عبدالرزاق الزرزور يكتب لـ(اليوم الثامن):

ادعاءات "الولاء السري" ومحاولة ركوب الثورة: رضا بهلوي خارج نبض إيران

سياق متفجّر ومحاولة تموضع متأخرة

في لحظة إيرانية بالغة الحساسية، تتقاطع انتفاضة الداخل مع محاولات خارجية لإعادة صياغة "البدائل" على مقاس مصالح لا تعبّر عن الشارع. في هذا الإطار، جاء ظهور رضا بهلوي في واشنطن بدعوة صريحة إلى تكثيف الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري على طهران، متقمّصًا دور "الضامن" لانتقال مستقر. غير أن هذا التموضع المتأخر يثير أسئلة جوهرية حول المشروعية والتمثيل، لا سيما في ظل رفض شعبي متنامٍ لأي عودة نظام الشاه أو وصاية خارجية.

ادعاءات "الولاء السري": بلا دليل قابل للتحقق

أخطر ما في خطاب بهلوي ادعاؤه أن "قطاعات كبيرة" من الجيش وقوات الأمن أعلنت ولاءها له سرًا.  في التحليل الاستراتيجي، لا تُقاس القوة بالتصريحات، بل بقدرة الفاعل على التحقق والتأثير والسيطرة.  حتى اللحظة، لم يقدّم بهلوي دليلًا عمليًا واحدًا على وجود شبكة انشقاقات فاعلة أو قدرة على فرض السيطرة على منظومة أمنية معقّدة، في مقدمتها قوات الحرس التابعة لخامنئي  الغموض هنا ليس تفصيلًا، بل مؤشر ضعف.

"توقيت حساس": سياسة الغموض بدل الشفافية

حين سُئل عن طبيعة محادثاته مع مسؤولين أمريكيين، اكتفى بهلوي بعبارة "توقيت حساس".  هذه اللغة، المألوفة في غرف الضغط، تعكس سياسة غموض مقصودة تهدف إلى الإيحاء بقنوات خلفية دون تحمّل كلفة الإفصاح. غير أن الغموض لا يصنع شرعية، ولا يعوّض غياب التفويض الشعبي داخل إيران.

الضغط الخارجي كبديل عن العمل الداخلي

دعا بهلوي إلى استهداف قيادة وهيكل القيادة والسيطرة لقوات الحرس، وتجميد أصول الحكّام، وطرد الدبلوماسيين، ونشر ستارلينك لكسر الحصار الاتصالي. ورغم وجاهة بعض الأدوات كوسائل دعم للمدنيين، فإن تحويل الانتفاضة إلى ملف إدارة خارجية يختزل نضال الإيرانيين ويُفرغه من جوهره. فالتحوّل الحقيقي لا يُستورد، بل يُبنى عبر تنظيم داخلي قادر على الاستمرار.

الشكوك الأمريكية نفسها

المفارقة اللافتة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب—الذي لوّح مرارًا بدعم المتظاهرين—عبّر عن شكوكه حيال قدرة بهلوي على حشد دعم داخلي. هذه الشكوك من داخل الدائرة الداعمة للضغط تُضعف سردية "البديل الجاهز"، وتكشف أن الرهان على شخص بلا امتداد ميداني رهان هش.

هتافات متباينة… والشارع يحسم

رُفعت في المؤتمر مقاطع تُظهر هتافات "يحيا الشاه" إلى جانب مشاهد احتجاج. غير أن الشارع الإيراني، في مجمله، يرفع شعارات القطيعة مع الاستبداد بصيغتيه:  الديني والشاه. القياس الانتقائي للهتافات لا يغيّر حقيقة أن الوعي الجمعي تجاوز الحنين، ويميل إلى الجمهورية الديمقراطية.

المحيط الإقليمي: عودة الملكية ليست مصلحة خليجية

إقليميًا، لا تبدو الدول العربية الخليجية معنية بعودة سلالة بهلوي. الذاكرة السياسية تستحضر استيلاء محمد رضا بهلوي على جزر الخليج وبناء أكبر سفارة لإسرائيل في إيران آنذاك. من هذا المنظور، فإن إعادة إنتاج الملكية لا تمثّل استقرارًا، بل مخاطر سيادية جديدة.

منظمة مجاهدي خلق: رصيد تضحيات لا دعاية

على النقيض من الخطاب الإنشائي، تمتلك منظمة مجاهدي خلق رصيدًا موثقًا من أكثر من ستة عقود من النضال ضد الديكتاتوريتين. تضحيات جسيمة، وتنظيم داخلي، وشبكات مقاومة فاعلة، وقدرة على تحمّل الكلفة—هذه عناصر الشرعية في السياسة، لا المؤتمرات الصحفية العابرة.

البديل الوطني مقابل الوصاية

الرهان الحقيقي ليس على تصعيد ضغوط تُدار من الخارج، بل على مشروع وطني ينبع من الداخل، يحفظ السيادة الشعبية ويمنع اختطاف الانتفاضة. كل محاولة لفرض "منقذ" بلا تفويض، إنما تُعيد إنتاج منطق الوصاية الذي لفظه الإيرانيون.

الخلاصة: التنديد بادعاءات بلا أساس

في لحظة تاريخية فاصلة، تبدو دعوات رضا بهلوي ادعاءات بلا سند ومحاولة ركوب موجة صنعها غيره. إيران لا تحتاج وصيًا، ولا "ولاءات سرية" بلا دليل؛ تحتاج مسارًا ديمقراطيًا وطنيًا تقوده قوى دفعت الثمن على الأرض. وبينما يترنّح نظام الملالي تحت ضغط الداخل، يبقى الخطر قائمًا من مصادرة الثورة ببدائل مصنوعة. هنا، يختار الشارع:  لا لنظام الشاه- لا لنظام الملالي - نعم للجمهورية الديمقراطية.